أرشيف تصنيف ‘الحياة‘

الفيضان القذر

3 يوليو 2008

لست أعلم حتى الآن سبب إصرار البعض على تسمية مستنقعات الصرف الصحي في جدة ببحيرة «المسك». كتبت عن هذا منذ زمن، لكن الإصرار مستمر من مسؤولين وإعلاميين. هل من الأسباب كون «جدة غير»، فتتحول فيها مياه الصرف الصحي «أعزكم الله»، إلى ما يصرّ البعض على أنه «مسك»؟ ثم قلت لنفسي لا بد من أن هناك مشكلة «شمية» مزمنة… لها علاقة بالجيوب الأنفية، مثل أن يصاب أحدنا بعمى ألوان.
ذكرت سابقاً، ونحن نحب الوجاهة والتفاخر، ماذا عن السياح والحجاج الذين إذا سمعوا عنها بذلك الاسم المزوّر طالبوا بزيارتها؟ «وين نودي وجيهنا منهم؟»، لكنها جدة المدينة العجيبة من المطار إلى مستنقعات المجاري، ومنذ سنوات والتحذيرات قائمة لخطورة تجمعات المياه الآسنة هذه، فرصدت لها أموال ضخمة، ماذا جرى خلال تلك المدة؟ لست اعلم. التحذيرات قائمة، بل تحولت إلى بعبع يتم الخوف أو التخويف من انفجاره كل فترة، وربما تتحول إلى ثقب أسود. ولا أعرف هل جفّت الأفكار وعجزت العقول أم أن بعوض حمى الضنك يدافع بشراسة عن مواقعه؟
أخيراً نشرت «الحياة» عن مقدار الأضرار المتوقعة من انفجار بحيرة الصرف هذه، وعددت الأحياء بما فيها من جسور وأنفاق ومنشآت حيوية وأبراج كهرباء وهاتف، عندها لا قدر الله تعالى، لك أن تتخيل «رائحة» المكالمات الهاتفية.
أما السد الذي تم الحديث عنه قبل سنوات فتقول «الحياة» إنه «عبارة عن سد ترابي عليه طبقة هشة من الأسمنت»، كم كلف يا ترى؟ لا تتوافر لديّ هذه اللحظة أرقام للأموال التي أعلن عن رصدها لحل فيلم الرعب هذا، وما هي العقبات التي حالت دون الوصول إلى حل جذري؟ ولئلا ندور في حلقة لجان، وينام سكان بعض أحياء جدة كل ليلة على خطر الفيضان القذر… ينبغي التحقيق في ذلك.
للأسماء دلالات وأسباب تسمية، بعضها يصيب بالخدر، بل قد تعطي انطباعاً إيجابياً فيصاب المعنيون بحل مشكلتها بالتهاون.
من هنا أكرر المطالبة بتغيير الاسم، لا تذكروا المسك، اقترحت سابقاً أن تسمى بحيرة «اللطمة»، أي شيء بعيداً عن المسك والعود والعنبر، لأن عضو اللجنة الذي يبحث عن حلول لقضية بحيرة «المسك» يختلف عن عضو اللجنة الذي يبحث في احتمالات فيضان قذر لبحيرة مجارٍ، الإحساس يختلف إلا إذا كنت «غلطان»؟

تكاتف

2 يوليو 2008

هناك حالة «قطاعة» بين الأجهزة الحكومية، ما يعني حاجة إلى حوارات مفتوحة بينها عن قضايا وطنية تهم المجتمع وتشكّل مستقبله، بل إن بعض هذه الأجهزة تتخاطب في ما بينها بشكل غير مباشر من خلال صفحات الصحف. القريبون من «التعليم العالي» مثلاً، يرون أن لا معلومات دقيقة متوافرة ومتاحة عن حاجة السوق من التخصصات، تسأل عن هذا وزارة العمل ومعها «الخدمة المدنية». كثير من الثغرات والسلبيات سببها حالة «التجزر» هذه، التي تعيشها جهات حكومية بعضها مع بعض، وتستمر العلاقات بالخطابات أفقياً، والتعاميم رأسياً، ونستمر في الدوران حول أنفسنا. خذ مثالاً آخر علاقة وزارة العمل بـ «الجوازات»، وبينهما كفيل ومكفول وحدود صلاحيات.
أخيراً صرح وزير العمل بأن إيواء العمالة الهاربة هو مخالفة لنظام الإقامة، في حين أن تشغيلها مخالفة لنظام العمل. هل تعتقد - عزيزي القارئ - بوجود تنسيق نوعي بين «العمل» و «الجوازات» يتعامل مع الحدود الهشة بين الإيواء والتشغيل؟
في الحوار نفسه الذي نشرته «الرياض»، قال الدكتور غازي القصيبي: «إن ظاهرة التستر على العمالة الوافدة التي انتشرت في المنشآت الصغيرة، على رغم حرمتها الشرعية والنظامية تهدد بانعكاسات خطيرة على واقعنا ومستقبلنا الاقتصادي والاجتماعي والأمني». والتستر قديم قدم اتهام الصغار تحديداً به. لم تكافحه وزارات معنية ولجان فيها. ولم تساعدها الغرف التجارية مع ما لديها من معلومات، في حين نشأ أخيراً تستر آخر عكسي، يُصمت عنه الآن ربما إلى أن يتضخم. يتم من بوابة الاستثمار الأجنبي في المنشآت الصغيرة منذراً بأخطار أكبر.
وعندما يحذّر مسؤول بارز من أخطار اجتماعية وأمنية واقتصادية على المجتمع، يجب أن يسأله الصحافي ماذا فعلتم لمكافحة هذه الظاهرة؟ وكيف ترون وسائل القضاء عليها؟ وما العقبات؟ عند الحـــصول عـــلى إجــابة وافية يمكن التقــدم خطـــوة.
أخيراً طرحت جمعية حقوق الإنسان في السعودية تعديل نظام الكفيل، واقترحت أن تتولاه الدولة، بحيث تنشأ هيئة للعمالة الوافدة، تُعنى بشؤونهم وعلاقاتهم مع أصحاب العمل، في حين ترى جهات أخرى تولي شركات ومؤسسات مسؤولية الكفالة. واقتراح جمعية حقوق الإنسان بما فيه من وثائق تنظم الحقوق بين العامل وصاحب العمل هو الأفضل، بل انه سيسهم في تحجيم التستر. ومتى ما استطعنا مكافحة الفساد في قضايا العمالة والتأشيرات، فإن هيئة تتبع الدولة أكثر مدعاة للاطمئنان. أما إيكال المسؤولية والسيطرة إلى شركات، فهو ليس سوى إعادة هيكلة، وتضخيم لمكاتب الاستقدام المعروفة أوضاعها.
وفي حين شكت وتشكو وزارة العمل من القطاع الخاص، وعدم تجاوبه مع توطين الوظائف، فإن الاقتناع بإيكال أمور العمالة إليه، يثير كثيراً من علامات الاستغراب والتعجب.

 

السلامة والتوزيع

1 يوليو 2008

في الوقت الذي يستعد المقتدرون للسفر والسياحة خارج البلاد، ويضاف إلى كل مكالمة سؤال: أين ستذهب هذا الصيف؟ ليس لغير القادرين سوى المتاح محلياً، والحدائق والمتنزهات على قلتها (مقارنة بالحاجة وتوسع المدن) تعرّض بعضها للإهمال، وجاءت الخصخصة أو تأجيرها لمستثمرين للاستفادة منها بضرر بالغ للكثير من الحدائق القديمة والمشهورة، ثبت أن العائد الاستثماري لا يستحق في مقابل ما انتهت إليه تلك المواقع.
في الرياض مثلاً، لك أن تزور بعض هذه الحدائق وتقارن واقعها الحالي بواقع تم توثيقه بمشاهد تلفزيونية كانت القناة الأولى تعرضها، حيث حلّ الحديد والتراب وما يسمى ألعاب الأطفال محل الأشجار، يضاف إلى هذا انخفاض مستوى العناية والصيانة من البلديات والأمانات مع توجه الى الاهتمام بالميادين العامة وسط الشوارع، إذ تقتلع الأشجار والنخيل، وينتظر بسط المسطحات الخضراء في ارض صحراوية تشكو من ندرة الماء، ودرجة الحرارة فيها قد تتجاوز الـ50، ما يتوقع معه انتشار المسطحات الصفراء قريباً.
في جدة تراجعت «الأمانة» أخيراً عن اتجاه خصخصة بعض الحدائق، هكذا نُشر في إحدى الصحف. وهناك قضية قائمة بينها وبين أحد المستثمرين. وكان المأمول أن تُحرس تلك الاستثمارات العامة.
إنشاء الحدائق والمتنزهات والصرف عليها طوال عقود، لتبقى نضرة مخضرة، كلّف الكثير. ولو كان هناك حساب أرباح وخسائر لربما رأينا أرقاماً موجعة. هذا البناء كان يستحق الحراسة، ولا يترك للتجارب غير المدروسة النتائج.
وينبهني احد الإخوة الكرام إلى أحوال السلامة في الحدائق العامة، خصوصاً تلك «نوخ» فيها الاستثمار الخاص حيناً من الزمن، والأخطار المحدقة بالأطفال، خصوصاً في بعض تلك المواقع. وبدوري أنبه المعنيين في «أمانة الرياض»، و»الأمانات» الأخرى إلى ذلك. كل طفل وامرأة ورجل يزور هذه الحدائق هو في ذمتكم.
بالنسبة الى القراء، فإن العمل الصحافي عمل متكامل، كثير منهم لا يفرقون بين التحرير والتوزيع، على رغم أنهما مستقلان بعضهما عن بعض.
وتصلني بين فترة وأخرى رسائل قراء كرام تشير الى انخفاض مستوى خدمة توزيع «الحياة». النجاح الذي حققته الطبعات السعودية لصحيفة «الحياة» لم يواكبه نجاح متكامل في التوزيع وإيصال الاشتراكات. أحدث هذا انزعاجاً لدى بعض القراء، ممن لم تصلهم الصحيفة أو تأخرت أو انقطـــعت على رغم اتصالات ووعود من الشركة المعنية، حالات… ليس في مدينة الريــاض وحــدها، بل في ما جاورها وغيرها من المدن.
في العادة أقوم بإرسال نسخ مما يصلني مع مكالمة هاتفية للزميل الأستاذ جميل الذيابي الذي يتفاعل دائماً ويتولى - بحكم الاختصاص - التفاهم مع شركة التوزيع، والأخيرة مطالبة بأن تكون في مستوى الطموح، وأن تعيد النظر في الثغرات والسلبيات، وتحسّن الخدمة والتعامل. لا يجوز عدم حصول المشترك على خدمة راقية في مقابل ما دفعه أو تم الوعد به.

العضو جزء من الجسد؟

30 يونيو 2008

هذا أكيد… فلَمْ آتِ بجديد، والعضو يعبّر عن الجسد أيضاً.
لا يختلف اثنان على أن القطاع الخاص يهدف إلى الربح، هو حق مشروع متى ما تم بطرق مشروعة، إلا أن تحقيق الأرباح، ليس من أهداف القطاع العام، على اقل تقدير ليس من أولوياته، ولا يحدّد اتجاهه، لأن القطاع العام يمثل ذراع الدولة، والأخيرة حريصة على تقديم الخدمات والحاجات لمواطنيها بأفضل السبل، استهدافاً للعائد الأساس… الإنسان.
لذلك تبذل الدولة جهوداً، وفّقها الله، وتصرف أموالاً ضخمة لتنفيذ المشاريع، محاربة الفقر والجهل والمرض، ولرفع مستوى الخدمات في كل قطاع، لحياة أفضل للمواطنين والمقيمين.
وللدولة حصص ملكية في كثير من الشركات، بعض منها قامت بطرح جزء منه للجمهور، واكتتب فيه. إلا أن غالبية نسبة الملكية لشركات مهمة لا تزال في يد الدولة، وهو الأمر المطمئن للمشمولين بخدمات هذه الشركات من المواطنين وغيرهم.
وهناك من يمثل الدولة مستأمناً، في مجالس إدارات هذه الشركات. وقد يترأس موظف من موظفيها مجالس إدارة، ومنها شركات خدمية وبنوك، والمتوقع من هؤلاء الإخوة الذين يمثلون الدولة الحرص على تحقيق أهدافها… أقصد أهداف الدولة، وهي أهداف معروفة، ما ينتظره الناس أن يؤثروا إيجابياً في مجالس إدارة هذه الشركات لتوجيهها التوجيه الصحيح الذي لا يتعارض مع طموحات الدولة وما ترمي إليه وتبذل الجهود لأجله، لا ننسى أنهم يمثلون الحصص الأكبر والصوت الأعلى في مجالس الإدارة.
ومن تشخيص الواقع يمكن فَهْم حرص القطاع الخاص على تحقيق الأرباح، ومع ضعف رقابة أجهزة الرقابة يمكن فَهْم، لا تبرير، استمرار شركات في تجاوزات تطاول المستهلك والعميل أو المشترك طالب الخدمة، لكن لا يمكن فَهْم حصول مثل تلك التجاوزات في الحقوق، مثلما يحدث حالياً في شركات للدولة لها ممثلون في مجالس إدارتها. انظر إلى سوق الاتصالات، على سبيل المثال، وبعض خدمات البنوك وباقاتها، التي تستنزف العملاء مستفيدةً من امتياز خدمات أو احتكار قلة، وتحولهم إلى مستهلكين، مع غَمْط حقوق في الخدمات المدفوعة. إن هذا في رأيي المتواضع يتعارض مع أهداف الدولة، ويزيد من همومها، واتساع فوهات سلبية، وتراكمها، بل يجعل من الصعب عليها النجاح في محاربة الفقر والجهل والفساد وحث المواطن على تحقيق الإنتاجية. كما يقدم قدوة غير حسنة للقطاع الخاص الذي ننتقد سلبياتٍ فيه، يضاف إلى هذا أنه تحدث انعكاسات سلبية على المواطنة والانتماء لا تخفى على العاقل.

«عندنا وعندهم»

29 يونيو 2008

انتشرت على صفحات «الانترنت» صورة لقرار موقَّع من رئيس إحدى الغرف التجارية السعودية الرئيسة، يقرر فيه الرئيس تعيين ابنته في وظيفة مدير إدارة المشاريع التطويرية. الزميل الأستاذ عبدالله عمر خياط أشار الى القضية في زاويته الأثيرة «مع الفجر» في صحيفة «عكاظ»، بعدما وصلته رسالة قارئات مواطنات يبحثن عن وظائف. في القرار التوظيفي المشار إليه طرافة سوداء، مضموناً وشكلاً، وهو يصور واقع الحال، إذ بدأ بالاستناد إلى التوصيات التي وصلت الى صاحب القرار، من هذا وتلك، كله بالطبع لأجل مصلحة العمل، وتطوير مهارات العاملين في الغرفة، ما جعل صاحب القرار يقرر توظيف ابنته، مع تقدم عدد من السيدات الى الوظيفة. لعلنا ننتبه هنا لدور «المسوغين»، إذ تمثل هذه الشريحة «الطباقة»، أي الغطاء للقدر، و «اللي في القدر تطلعه الملاس»، وربما «المركا»، ولك أن تختار بين ما «يرتكي» عليه القدر أو شخص ما.
سبق أن وصلتني صورة هذا القرار أو الخطاب قبل أسابيع مع تعليق يقول: «الأقربون أولى بالمعروف».
هي فرصة لطرح سؤال على المشايخ وطلبة العلم، ودورهم بالغ الأهمية، ومنهم شريحة كبيرة ما زالت بعيدة في ما تطرح في وسائل الإعلام عما نشكو منه. السؤال: هل يعتبر هذا من «المعروف» الذي تعطى الأولوية فيه لذوي القرابة؟ حتى لا نكون «فاهمين غلط».
الخطابات وصورها يمكن تزويرها على صفحات الإنترنت، ومن الممكن نفي غير الصحيح منها، إنما إذا لم يصدر نفي واضح بعد مدة معقولة فهي حقيقة، خصوصاً أن التاريخ في القرار الذي أزعج كثيراً من العاطلات أواخر العام الماضي.
في المقابل، تناقلت منتديات الانترنت خطاباً آخر لمسؤول خليجي رفيع، ينبّه فيه جهات رسمية في بلاده المجاورة، التي تشهد حركة اقتصادية لافتة، إلى أن احد أبنائه يمتلك منشآت حددها بالاسم، ويطالب الجهات بعدم إعطائها أفضلية.
ربما يقول بعضهم وما يدريك عن الحقيقة وبواطن الأمور؟ أرد على ذلك بأنه «ما لنا إلا الظاهر»، أما النيات فمحلها المضغة، التي إذا صَلُحَت صَلُحَ الجسد كله.
هذا الفارق الشاسع، بين خطابين «طراهم الإنترنت» يبين لنا واقع الحال، وهو أيضاً يرسم لوحة ضخمة على الطريق تشير إلى محطة الوجهة. ولله الأمر من قبل ومن بعد.