أرشيف شهر يونيو 2002

قسم البلع

15 يونيو 2002

إذا قدر لك أن تزور قسم الجهاز الهضمي في المستشفى المركزي أو مجمع الرياض الطبي سوف تصاب بالدهشة، الدهشة تأتي مما يكتشف ويستخرج من بطون الناس.

أشياء عجيبة لا يمكن أن تخطر على بالك، أسلاك، بطاريات، خواتم، أغطية مشروبات قطع بلاستيكية من كل نوع، وأهم وأحلى وأطعم شيء طبعاً وهو… النقود، هناك وفرة من النقود بكل فئاتها المعدنية ومتنوعة أيضاً مما يتيح استخدامها في الأسفار وقت الحاجة.
وقد وضعت إدارة المستشفى مشكورة معرضاً صغيراً للمفقودات التي وجدت في بطون المرضى، والعجيب أن أصحابها لم يحرصوا على استرجاعها بدافع الخجل فيما يبدو، أو أن المستشفى اعتبرها من أملاكه بحكم الاستخراج.
ورغم أن زيارتي مع صحبة كريمة للمستشفى تمت قبل مدة غير قصيرة إلا أن المنظر لم يفارق ذهني، ومحتويات ذاك المعرض الصغير تصلح مادة لأي عمل فني بديع، بل يمكن للدارسين البحث في سلوكيات الناس وأنماطها الاستهلاكية.. بعد مراجعة المفقودات التي عثر عليها المستكشفون، ومن نافلة القول أن المجمع يقوم بخدمات ضخمة على الرغم من ضعف الإمكانيات وأدعو الله تعالى ألا يحوجني وإياكم لخدماته لا هو ولا غيره، أنا وكل من يقول آمين، وشاهدنا على الشاشة عملية طازجة لاستخراج نقود أيضاً، لقد كانت النقود هي أكثر الأشياء بلعاً، لكن المشكلة في القسم أنه لا يستخرج إلا النقود المعدنية فهي التي تبقى تعلن عن نفسها، مثل كل شيء صغير وكلها فئات صغيرة حقيرة، والأطفال طبعاً من أهم “البالعين”، بالعين، للنقود، ولعله إيحاء من لا وعي هؤلا ء الصبية بأهمية هذه الخردة في المستقبل القريب جداً، وكأن الطفل يأخذ النصف ريال من والده ويبلعه في الطريق ثم يعود طالباً آخر بحجة فقدان الأول، فتحولت البطون لتصبح حصالات، ولا أعتقد أن ذلك تم برعاية من الوالدين حثاً منهم، أو أن الأطفال قلدوا آباءهم، لا أعتقد ذلك على الإطلاق.
تصور معي لو أن القسم يستخرج الشيكات والعملات الورقية الملونة، لطبقت شهرته الآفاق وهناك احتمال غير صغير، في هذه الحالة، أن لا يواجه ضغطاً من المراجعين فيضطر طاقمه للعب البلوت تزجية للوقت، وإذا فهمنا بلع النقود المعدنية على أنه استعداد للمستقبل ونوع من أنواع الادخار المبكر واستثمار للطاقات والقدرات الاستيعابية، فإنني لم أفهم سبب بلع البطاريات بأحجام مختلفة وكما قلت فإن نسبة من “البالعين” من الأطفال وليس جميعهم، مما قد يعني أن هناك تعمداً يقوده هاجس لتشغيل شيء ما في الداخل، لعله لا يكون… الشعور، القسم الذي أشيد بجهوده في تنظيف البطون ومسح واستكشاف البلعوم مطالب بفتح فروع له.. سوف تقولون أين؟.. تحسسوا بطونكم.

سلامة المصلين

12 يونيو 2002

مع كل حادث جماعي يبرز الاهتمام بنواحي السلامة، ثم تخفت الأصوات رويداً رويداً، وإذا تفحصت الواقع تجد أن مهمة الدفاع المدني، بصدق، مهمة صعبة وسبب ذلك أن بيئتنا وثقافتنا لم تعط هذا الجانب اهتماماً يذكر فهو مستورد مثل أي بضاعة صنعت في الخارج، فمازالت المدن والحشود حقيقة بعيدة عن أذهاننا، وإذا كان قد تم التطرق كثيراً للمجمعات التعليمية بسبب الحوادث المتكررة، فإنني لا أذكر أن هناك اهتماماً ملحوظاً بسلامة المصلين خصوصاً في المساجد الكبيرة، تلك الجموع المحتشدة في الجوامع في وقت قصير، تخرج وتدخل خلال دقائق، ومع التحسن النسبي الملحوظ في تصاميم عمارة المساجد، الجوامع خصوصاً، إلا أن الاهتمام بجانب السلامة في توزيع المخارج وسهولة الحركة داخل المسجد لا يرتقي إلى الدرجة المطلوبة مقارنة بتزايد أعداد السكان واتساع مساحات المساجد، ولعل من ابسط الأمثلة هو صعوبة نقل مصلّ مسن لأي سبب طارئ من الصف الأول لخارج المسجد والسبب هو الانتظام الكامل للصفوف من الجدار للجدار، فكيف بحادث أو فزع.
وهناك بعض يسير من المساجد وضع فيه ممشى، ممر، جانبي بعرض المتر والنصف تقريباً على جانبي المسجد، من الداخل طبعاً، بحيث لا يصلى فيه بل يترك لأي مضطر للمرور، وهو ما يسهل على الناس الحركة كما يوفر راحة وعدم مضايقة للمصلين بدلاً مما يحدث الآن من تخاطف الناس عليهم وتخطيهم وهم خارجون، وعلى قلة مثل هذه المساجد إلا أنه من الملاحظ وقوع أغلبها في أحياء عمل، تكثر فيها المكاتب والشركات أو أحياء لا يشكل المواطنون نسبة كبيرة من سكانها، ولا أعرف الأسباب، لكن مثل هذه التعديلات أمرها بسيط، وإمكانية القيام بها متيسرة إذا ما توفرت الإرادة لدى الجهة المسؤولة، وهي بالطبع وزارة الشؤون الإسلامية، ولست أعلم إذا ما كان هناك مواصفات معينة للمساجد يجب أن يلزم بها كل مسجد تحت الإنشاء، وإن كنت أشك في ذلك للتفاوت الكبير في البنيان بين المساجد، وهنا لا اقصد التكسيات الخارجية والجمالية بل أعني شروط السلامة، التفاوت الكبير تجده في تحول بعض مداخل المساجد لمتاهات أو لبنيانها في مواقع غير مستوية من دون أخذ عدم الاستواء ذلك بعين الاعتبار، لذلك نجد مساجد بنيت على عجل بل إن البيوت المجاورة والتي تكون في العادة للإمام والمؤذن قد تكون أفضل منها في البنيان، وهذا أمر لا يليق في بلاد الحرمين، وفي الجانب الأخر تجد مساجد في غاية الروعة والبهاء، مداخلها سهلة وميسرة، وهو ما جعلني أتساءل عن دور الوزارة في هذا الجانب، أرجو أن لا يفهم من ما ذكرت أنني أدعو إلى إصدار نموذج لمخطط مسجد فيصبح لدينا نسخ متكررة، بل ما أقصده، هو وضع شروط عامة تحفظ المهابة لبيت الله تعالى وتراعي سلامة المصلين، وتقدر كبار السن منهم.

المتميزون للتنازل

12 يونيو 2002

ما هو المبرر الإعلاني لبيع هاتف جوال؟، وأي عبارة مقنعة أكثر تستخدمها لترويج بيع شريحة زائدة عن الحاجة!؟، لا تستطيع أن تبرر قائلا: لظروف السفر.. ولكن يمكن لك أن تقول.. لعدم التفرغ!، أو تغيير النشاط!!، والاقتراح الأخير فيما يبدو أكثر واقعية.
تقول إحصائية مستوردة إن هناك خط جوال لكل ثمانية من سكان بلادنا، بالنسبة لشركة الاتصالات، من المؤكد أنها تتمنى ثمانية خطوط لكل فرد ولو تمكنت أن تضع خطاً إجباريا للاتصال بكل بلد بدلا من الصفر لما توانت، ولطالبت ببراءة ابتكار، ومن غير لوم عليها فهي تبحث عن الربح ومصاريفها عالية.
ومن المثير للدهشة تلك الإعلانات المتزايدة عن بيع شرائح الجوالات، لقد فعلت الفواتير فعلها، كانت شرائح الجوال من زمن قريب مثل شرائح الجبنة و”الستيك” المشوي، بعض منها كان أشرح للصدر إلى درجة كأنها شرائح قشطة بالعسل خصوصا بعد وجبة “تسعير”، الأرقام المميزة، ثم دار الزمن فرشحت الشرائح من الجيوب، أصبحت الرسوم الثابتة ثقيلة ومكلفة وزادت ثقلا مع عدم التوقعات بحدوث أزمات واختناقات في الحصول على أرقام جديدة، في المنظور القريب على الأقل، مما لا يوفر سوقاً سوداء لتصريف الشرائح، وكان لابد من العرض والتنازل… التنازل عن التميز والبحث عن تميز آخر.
واندهشت بالفعل من إعلان صغير يعرض التنازل عن أربعة عشر هاتف جوال مرة واحدة، ولو كان هذا الإعلان بعد نشر نتائج امتحانات الطلبة لقلت إن مجلس الآباء اشترى تلك الخطوط تواكبا مع موضة أو توطين التقنية الذي تقوم به المعارف في إعلان النتائج من خلال الجوال، وبعد الانتهاء من الغرض قرر مجلس الآباء عرضها للبيع، لكن الإعلان جاء قبل بث النتائج.
ولم أعد أتذكر عدد الفناجيل التي شربها حنيف هل هي أربعة عشر أم خمسة عشر في بيت الشعر الشهير:
“خمسة عشر فنجان لحنيف صبيت
لو أن بطنه قربة قد ملاها”،
ويمكن للمدققين إمكانية إضافة رقم الاتصال، أما الشرائح فلابد أنها “ترست” بطوناً كثيرة وما يعلن عنه قد يكون من باب التخسيس، وتجتهد الإعلانات في التأكيد على التميز، الكل يبحث عن التميز في لوحة السيارة وواجهة المنزل ورقم الهاتف، تميز في كل الواجهات، لهذا يأتي الإعلان للمتميزين أرقاماً مميزة ولم يعد الإنسان يعرف المتميز من غيره إذا ما شاهد أرقاماً ليس بينها نسب يقال عنها متميزة، لكن المتميزين هم في الحقيقة الذين يتنازلون الآن، ولابد أنهم يبحثون عن صيد جديد متميز ولذلك يتم البيع “بالكوم”.

تشخيص

9 يونيو 2002

في رسالة تقطر أسى وألماً يروي لي ابن ما حصل لوالدته، حين دخلت المرأة إلى المستشفى المتخصص وهي تعاني من معدتها، قام المختصون في المستشفى بأخذ عينة من المعدة والكشف عليها، وجاء تقرير المختبر ليعلن الخبر المفجع، المعدة والقولون مصابان بالسرطان، هنا قال الأطباء قولهم إنه لابد من التدخل الجراحي.. العاجل، ولا بد من إزالة المعدة تماماً وكلما كان ذلك أسرع كان أفضل، لإيقاف انتشار هذا المرض الخبيث المرعب، وحماية بقية أجزاء الجسم.
ماذا يفعل أبناؤها أمام تقرير طبي من هذا النوع ومن مؤسسة علاجية شهيرة أو عملاقة كما قال الابن في رسالته، ماذا يفعلون وأمهم، والدتهم أمام هذا الخطر المحدق، الأمر يحتاج إلى قرار عاجل، سلم الأبناء أمرهم لله تعالى، وتركوا الأمر للأطباء وحسب مشورتهم العلمية، هم المتخصصون وأصحاب الشأن، وتم التدخل الجراحي وإزالة المعدة تماماً، وبعد يومين من إجراء العملية جاءت المفاجأة المؤلمة أكثر، دخل الطبيب الجراح على السيدة ليقول لها إن معدتها المستأصلة كانت سليمة..!، ولا يوجد بها أي ورم خبيث، هذا الخبر بعد أن أصبحت المعدة خارج الجسم، والمريضة من غير معدة، فقد فحصت المعدة بعد الاستئصال ووجد أنها سليمة، وفهم بعد ذلك أن المختبر أخطأ في التشخيص، والجراح عمل بناء على التقرير الخاطئ للمختبر واعتمد عليه، وكانت الفاجعة، صدمت المرأة التي تعيش الآن على السوائل في جناح بتلك المستشفى،.. عدة مرات منذ الشك بالمرض الخبيث ثم إعلان النتيجة فالعملية ثم الخطأ الذي لا يعوض، إلاّ أن صدمة استئصال عضو سليم وحيوي من جسمها لا يمكن إعادته لا تعادلها صدمة، لا حول ولا قوة إلاّ بالله.
وكعادة كثير من المستشفيات والمؤسسات لا يمكن الاعتراف بالخطأ، لأن الاعتراف به تحمل للمسؤولية ومن ذا الذي يريد أن يتحملها، يسألني ابنها في رسالة بحرقة قائلاً: كيف سنثق جميعاً بأي تشخيص بعد هذا التشخيص، ثم يقول.. “ماذا ستفعلون لو حدث هذا لكم متمنياً لكم الصحة والسلامة ولكن الوضع المؤلم جاء بالكلمات القاسية”.
لا أشك لحظة أن الجراح وطاقم المختبر كان كل منهم يريد خيراً بتلك السيدة، لا أشك أبداً بالنوايا، لكن النوايا الحسنة ليس لها مكان هنا، نحن نتحدث عن عضو سليم حيوي، استئصاله قلَب حياة السيدة رأساً على عقب بعد طول معاناة، ثم إنه من الواجب على المستشفى أن يحدد المسؤولية في الخطأ، وأن يقول ذلك بشجاعة مثلما يعلن بحرص عن إنجازاته غير المسبوقة، وقبل هذا من المهم أن تشترك في التحقيق والتحديد جهات أخرى من خارج المستشفى ولا يترك الموضوع له حتى “يبرد” ويهدأ الناس ويفعل الزمن فعله.

وزارة الخارجية شكراً

8 يونيو 2002

“وجهت وزارة الخارجية السعودية سفارات المملكة بالتعاقد مع محامين للدفاع عن المواطنين وتوفير هاتف وفاكس يعملان، في مقار السفارات، طوال اليوم لتلقي استفساراتهم ومطالبهم”.
هذا ما نشرته جريدة “الشرق الاوسط” وهو خبر مفرح يبعث البهجة في النفس، ورغم ان مثل هذا الاجراء يأتي متأخراً كثيراً لكن البهجة قائمة مع وضعه موضع التنفيذ وهو ما يستدعي التنويه للاجراء الجديد.
لقد عانى المواطنون خلال أسفارهم لأي غرض كان كثيراً من المصاعب إما بسبب سوء فهمهم للأنظمة، او تعرضهم لعمليات نصب وابتزاز واضطر بعض منهم للاستعانة بسفارات اخرى لدول شقيقة بسبب فراغ خلفه عدم وجود تلك الخدمات وهي من صلب وظائف السفارات.
ذلك الوضع جعل من السعودي صيداً سهلاً بل انه دفع الكثيرين منهم لعدم التفكير باللجوء لسفارة بلاده والاعتماد على نفسه مع نقص في الخبرة وضعف الامكانات.
وأعلم مثلكم ان انطباعا تولد عن السائح السعودي وان سمعته في بعض البلدان ليست بذلك النقاء، ولكن هناك المسافرون لغرض الاستشفاء والدراسة والعمل وحتى أولئك الذين يسيئون التصرفات بحاجة للحماية والرعاية ماداموا يحملون الجواز الاخضر، الحماية من انفسهم والحماية من استغلال اوضاعهم، وتعوّد المسافرون من المواطنين الذين يتعرضون لحالات نصب او ابتزاز او سرقة سيارات وامتعة ان يبتعدوا عن المطالبة بحقوقهم لأن الدهاليز الطويلة في بلدان عدة، قد تجبرهم على دفع مبالغ اكبر مما يبحثون عن استرداده او خوفاً من ان الدخول في تلك المتاهات قد يجلب الاساءة الى السمعة فمجرد ورود الاسم يكفي لأن يتم التكفل بل والتبرع من الآخرين باضافة الباقي وكل حسب هواه وخياله.
والسعوديون المسافرون خصوصاً للبلدان الغربية يتعرضون منذ احداث 11سبتمبر للتمييز والاستفزاز وهي اساليب لم يتعودوا عليها وقد يكون لهم ردود افعال تجرمهم حسب قوانين تلك البلدان، ومن تواجد في بلاد الغرب تلك الفترة يعرف ذلك حق المعرفة، هذا الواقع يجعل المسؤوليات الجديدة على السفارات كبيرة فالقضية بالنسبة للمواطن هي شعور بالاطمئنان ووجود سند حقيقي له في غربته وحفاظ على الكرامة.
والحديث عن السعوديين في الخارج يقودنا الى اوضاع المتهمين المسجونين في غوانتانامو من مواطنينا وابناء جلدتنا والذين لا نحب التحدث عنهم، ولاتعرف حقيقة اوضاعهم، وسواء كانوا متهمين او مدانين مع يقيني ان الجهات الرسمية تتابع اوضاعهم ولا أنسى ان اسجل ان لا محاميَّ واحداً، من محامينا تطوع للدفاع عنهم في حين تقدم بعضهم للدفاع عن شركات التبغ.