أرشيف شهر يونيو 2002

تظليل

7 يونيو 2002

كان نظام المرور يعتبر تظليل زجاج السيارات من المخالفات، وهذا لم يعنِ أن عملية استيرادهها أو بيعها أو حتى لصقها تعد مخالفة.

وقبل وقت قصير سمح بتظليل جزئي للزجاج وبقي كل ما تجاوزه مخالفاً للأنظمة، وليس في ذلك أي تظليل، الأمر الآن منطقي وأصبح هناك سبب للاستيراد والتظليل.

لكنك ترى الآن سيارات مظللة بالكامل من كل الجهات الأربع تسرح وتمرح، التناقض ذاك طاف بذهني وأنا أستمع لسؤال يقول لماذا ينضبط السائقون في الدول الخليجية المجاورة على عكس ما يحصل في طرقاتنا، رغم التشابه الكبير بين الأوضاع، السائقون من نفس الجنسيات، أنواع السيارات متماثلة، لا فوارق ملحوظة في اتساع الطرقات وتخطيطها، الفارق الوحيد هو في اختلاف إدارات المرور ونحن… أقصد السكان، ولكننا.. نحن ننضبط في الغالب إذا ما قدنا سيارات في الخارج، وحتى ذلك السائق الآسيوي نفسه الذي يمتطي صهوة الليموزين أو سيارة النقل هو نفسه يقودها بشكل آخر أكثر اتزاناً في شوارع دبي أو المنامة، وكنت في السابق أعتقد أن فرض دفع مبلغ يومي على سائق الليموزين من قبل الشركة التي تستخدمه هو السبب في تصرفاتهم المتهورة في شوارعنا، ثم اكتشفت أن وسيلة الدفع تلك، إن جاز التعبير، معمول بها في غالبية دول الخليج المجاورة، ولم ينتج عنها تهور من قبل أولئك السائقين مثل ما يحدث لدينا والليموزين مثال جعله واضحاً وبارزاً السمة المشتركة.

الحركة المرورية في بلد تنبئ بصورة ما عن أهله، وعن حارس تلك الحركة أيضاً، لذا.. إذا أردت أن تعرف سبب تأخرنا المروري اذهب إلى المرور، اذهب مثلاً إلى مقر المرور في الجوازات سوف تشاهد في تلك الصالة نموذجاً لطيفاً لحركتنا المرورية، أول ما ستدخل إلى تلك الصالة الصغيرة ستتصور أنك في تقاطع سريع تعطلت فيه إشارات المرور، تجمعات هنا وهناك، محاولات للمرور من أصغر المنافذ والأرصفة، ولغط بشري أقرب إلى منبهات السيارات، سوف تجد لوحات إرشادية ليس لها معنى أي انتهى سبب وجودها فتحولت إلى لوحات “تتيهية”، ولكن أصبح لها نفع فذلك “التضييع” يفك بعض الاختناقات، وهو ما يقوم به المرور كلما شاء.

ستسمع أصواتاً بشرية ناهية آمرة، لا يشبهها سوى مكبر الصوت العتيد في سيارات المرور، بنفس القاموس ولن تفاجأ بمستوى التعامل على الاطلاق بشرط أن تربطه بحجم المخالفات، فالعلاقة تصاعدية، أنت في الحقيقة أمام مشهد من مشاهد لطاش ما طاش لم يصور بعد، ولو عرف بها ناصر وعبدالله لسارعا إليها، ستنزعج في البداية لكن سرعان ما تتكيف مع الوضع لسبب بسيط وهو أنك كنت قبل قليل تقود سيارتك.

حطام رجل

5 يونيو 2002

هل سبق لك وأن قابلت مومياء حية؟، المحرر بهذه الجريدة مناحي الشيباني فعل ذلك يوم الجمعة الماضي.

شيء لا يصدق، رجل متكوم على الرصيف تحول جلده إلى ما يشبه حراشف سمراء سوداء، جنين كهل غطى وجهه بشماغ وستر ما تبقى منه ثوب فقد لونه، تكور على نفسه هارباً إليها، لا يشبهه شيء اللهم إلا صورة لجثة مطمورة تحت ركام جليدي عثر عليها باحثو الآثار في صقيع سيبيريا، ليثبتوا من هذا الاكتشاف أن الإنسان عاش قبل كذا مليون سنة.

الله وحده يعلم كم مليون “هم” قضى على هذا الرجل وحطمه، حطاماً جعله يخشى من مد أطرافه، محاولاً أن يحتل أقل قدر من المكان في هروب إلى أقصاه، جعله ذلك الانكفاء يتحول إلى شيء على الرصيف، شيء بقي له صلة ما بالحياة، صلة لا تتعدى أنه موجود وسطها، كل هذا على الرصيف والجيران همهم فزع أطفالهم من هذا الكائن الرصيفي، وأنا لا ألومهم.

هل أصبحنا مثل من كنا ننتقدهم، أقصد المجتمعات الغربية، هذا يحدث في مجتمعنا الذي لا زلنا نصر على أنه يفيض تكافلاً وتعاضداً وتراحماً وتفقداً، من حق أي فرد أن يختار الحياة التي تناسبه بعيداً عن الدهشة التي يثيرها ذلك الخيار لدى الآخرين، لأنه لا يشبه اختياراتهم، لكن الأمر بالنسبة للمومياء السمراء الحية ليس اختياراً بل احتجاجاً.. اضطراراً، والدليل أن “كبسة مناحي” خلصت المومياء من تكورها المر، لقد فعلت حبات الأرز فعلها، تفككت الأطراف المتيبسة ليقعد ذاك الشيء ونكتشف أنه إنسان أو هو بقية إنسان.

يا ترى ما هي قصة هذا الرجل؟، هل يستطيع مناحي الشيباني أن يجيب؟، ليته يجيب، يروي لنا عن تلك المأساة الماثلة، نريد أن نعرف الأدوار والأبطال، نريد أن نعلم بداية مثل تلك النهاية.

وفيما قد يرى بعض “الحبايب” أن هذا المنظر يشوه رصيفنا الحضاري الذي يجب أن يكون لامعاً في كل وقت، بأي شكل، ويجب أن يطمر أي تشويه له أو ينزوي، لا يهم إلى أين المهم أن يختفي، لا يمكن إلا تقدير عمل المحرر المتميز، لقد تعود قراء “الرياض” من الشيباني مناحي ملاحقته لمواضيع خلف الكاميرا بعيداً عن الضجيج والفلاشات، هو ينحاز إلى قضايا إنسانية بكر يجد صداها أول ما يجده في داخله، وهي قضايا تحتاج إلى رصد صبور والتقاط متأن لتبقى راسخة في الذاكرة.

المصور حاتم أحاط بالمشهد من كل جانب، من النادر أن يأخذ المصور الصحفي وقته، هو دائماً مشحون ملاحق ومعرض للإبعاد، لا يتاح له سوى لحظات لأخذ اللقطة وهي لا تنتظر، في الحفلة على الرصيف، انتظرت كل اللقطات فأجاد حاتم وحاول أن يكشف لنا ما تخفيه المومياء الحية، وكانت لقطات للسطح رغم جهد المحاولة.

المومياء الحية تخفي قصتها داخلها لكنها بالبحث عن ظل الرصيف وذلك الهروب نحو الأرض تعلن أن مؤسساتنا الاجتماعية لا تستقبل إلا من يسعى إليها، هذا إذا وجد الاستقبال أمام شح الإمكانيات وروتينية الإجراءات وكيف يسعى من تكورت أطرافه!.

الرُّقية الشرعية أو المسكوت عنه

4 يونيو 2002

لو كنت من وزارة الشؤون الإسلامية لأوجدت مظلة أجمع تحت سقفها المتعاملين بالرقية الشرعية، جمعية كانت أو جماعة أو إدارة، ولو كنت من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لاستحدثت قسماً أو مركزاً لدراسات الرقية الشرعية ولا أرى ما يمنع من ذلك بقدر ما أرى تزايد الحاجة له.

وضع المتعاملين المعالجين بقراءة القرآن الكريم، أو ما يسمى الرقاة الشرعيين في بلادنا وضع عجيب، مسموح به وممنوع في الوقت نفسه، نصف عين مغمضة، لا يعرف ما يمكن أن تفعل، كأنهم رسيفرات استقبال البث الفضائي فيمنع بيعها في شارع ويسمح في آخر.

وسبب وضع الرقاة الشرعيين في ظني ان لا جهة تسندهم أو تهتم بهم بقدر ما هنالك من جهات تراقبهم أو يتجاوزون فيدخلون تحت مسؤولياتها، وأمام غموض الوضع جاء غموض الواقع فاختلط الحابل بالنابل وتعددت القصص المتناقضة، فيما استسهل البعض التعامل بالرقية ودخل إلى مجالها كثير من الصادقين والمتوهمين والمسترزقين.

عدم وجود المظلة والمرجعية ساهم في هذه الفوضى وأوجد مناخاً مناسباً للأدعياء ممن لا علاقة لهم بهذا العلم، بل قد تكون علاقتهم بالشعوذة أقرب، وهكذا صار الوضع العجيب ستاراً فريداً لهم، وتعددت الحوادث ومنها ما نشرته “الرياض” الأسبوع الماضي عن وفاة شاب ضرباً حتى الموت على يد متعاملين بالرقية الشرعية، وفهمت من الخبر ان الضرب ممنوع وإن ما حدث هو تجاوز، وهذا التجاوز ظهر للسطح بسبب الوفاة، وكم من تجاوزات قيد الكتمان، ولو أردت أن تعرف عن المسموح والممنوع لما وصلت لشيء، هذا الجانب القاتم للرقية الشرعية أساء لسمعتها وسمعة العاملين في مجالها.

في الجانب الآخر لم يعد الآن استثناء أن يوصي بعض الأطباء مرضاهم بالرقية الشرعية أمام حالات مستعصية ووجدت أن هذا لم يعد استثناء بعد تزايد عدد الأطباء السعوديين المتنورين، ممن استوعبوا علم الغرب من دون انسلاخ أو تسفيه لما بين ايديهم من علوم تحتاج لنبش يزيل عنها غبار الزمن وما التصق بها من عوالق.

والرقية الشرعية علم لا يستطيع أن يستخف به أي مسلم، وفي دول إسلامية يدرس هذا العلم لمن يرغب في تعلمه، فماذا ننتظر؟

هل ننتظر أن يأتينا هذا العلم من الغرب لنعترف به ونضع له الأنظمة والقوانين ونعطي للمشتغلين في مجاله التراخيص والشروط؟ لماذا لا نغوص في هذا العلم بأنفسنا من خلال المراكز المتخصصة، لماذا لا يحدث هذا في بلاد هي مهبط الوحي؟

ولو كنت من وزارة الصحة لرفعت يدي ولم أتدخل في شأن الرقية الشرعية، لأن الاعتراف المنظم لها سيساعد الوزارة على القيام بواجب خدماتها بصورة أفضل وسيخفف الأعداد المزدحمة أمام مراكزها ومستشفياتها لتتحسن الخدمة وتقل الأخطاء وتتقلص مواعيد الانتظار، وبجانب الجانب التعبدي والروحي للرقية الشرعية فإن هناك جانباً اقتصادياً ضخماً، يطرح سؤالاً يقول:

لماذا لا تكون الرياض العاصمة مركزاً لعلوم التداوي بالقرآن الكريم؟ لو حدث ذلك هل يمكن لنا تصور النتائج الباهرة.

ماذا يقول الشعار

2 يونيو 2002

شعار الشركة أية شركة أو جهة يدل على توجهاتها وتطلعات العقول التي تديرها، مثل ما يجب أن يعطي مدلولاً عن خدماتها، كيف ترى المستقبل والناس الذين تقدم لهم خدماتها؟.

شركة الاتصالات شرحت مكونات شعارها برومانسية مفرطة، فهي تقول انه يربط سماءنا الصافية برمالنا الغنية، من خلال جهود الشركة بربط المحطات الأرضية بوسائل الاتصال الفضائي، كلام جميل ولذلك تم اختيار اللونين الأثيرين الأزرق والأصفر.

ولأن الشيء بالشيء يذكر فالاتصالات لا تذكّر إلا بخدماتها، وبحكم ان الخدمات لا ترتقي مطلقا إلى مستوى الرسوم المتحصلة من تقديمها فإن مدلول الشعار الجديد الواقعية يجب أن تكون كالتالي:

يلاحظ ان الدائرة أو الحلقة الزرقاء العلوية غير مرتبطة تماما مع الدائرة الأرضية الصفراء، عدم الترابط هذا يشير فيما يشير إلى احتمالات نجاح اتصالك من عدمه، والمعنى أننا لا نضمن لك شيئاً فهناك جزء يمكن ان يتسرب منه اتصالك، ويمكن لك المحاولة مرة أخرى فهذا انسب لنا فتأتيك العبارات المعهودة أو حتى بدونها، الحلقة الصفراء تشير إلى رمالنا الذهبية بكل ما فيها من عناء و”تغاريز” وهو ما ينبهك إلى الاحتمالات القوية لتأخر حصولك على الاتصال حال طلبه، الحلقة أو الدائرة العلوية التي تشير إلى سمائنا الصافية تحضرك نفسيا لإمكانية ضياع اتصالك في الفضاء البعيد مع حتمية ضياع ما في جيبك، ومن أنذر فقد أعذر.

تصميم الشعار موهبة وفن يرزق به الإنسان مثل الخط والرسم، وكلما كان هذا الموهوب ابن البيئة التي سيروج داخلها الشعار كانت احتمالات النجاح كبيرة والتأثير أقوى وأعمق، ولدينا هوس لتغيير الشعارات، كل إدارة جديدة، أول ما تفكر به هو تغيير الشعار، كأنها تصر على وضع صورتها بدلا من الصور السابقة، وكأن تجديد الشعار لوحده سيقلب الانطباع لدى الجمهور، وكأن الألوان البراقة ستبرق في أذهان المتلقين لتنظف وتطرد ما رسخ في الذاكرة، وليت هذا الهوس يتجه ويركز على تحسين الخدمات، وتخفيض الفاتورة الجائرة، وتغيير عقلية الإدارة التي لم تتغير كثيرا في الشركة منذ نشأتها، وليت مثل هذا التحسن الحلم يواكب تحسين المقار والمكاتب، ثم انه من العيب على الشركة أن تمنّ على المجتمع الذي نشأت لأجله وعلى أكتاف جيوب أفراده، والناس لا يمكن أن ينسوا أو يتناسوا الجوال أبو عشرة آلاف وغيره مما لا ينبغي بل لا يحسن ذكره.

نسيت ان أضيف لمدلولات الشعار أنه مائل إلى اليمين، كأنه تعبير عن الانطلاق لست أعرف إلى أين، وفضلت دلالة الانطلاق لأنها إيجابية فقد يأتي من يقول إن لها دلالة ميلان لعله لا يكون ماليا خاصة مع الارتباط بمحاسب قانوني يتعرض للمساءلة في بلده الأصلي.