أرشيف شهر أكتوبر 2002

بالروح بالدم

29 أكتوبر 2002

تثير صور بعض المتظاهرين العرب الذين يهتفون قائلين: “بالروح بالدم نفديك يا.. فلان”، وقبضات ايديهم تشق عنان الهواء، تثير شعوراً محبطاً لأي إنسان، شعور تمتزج فيه السخرية المرة بالوجع، وهو ما دعاني للتساؤل.. هل الدافع هو الحب لفلان يا ترى.. أم الخوف منه؟. أم هي الحاجة لمبلغ من النقود وبطاقة تموينية؟، هل لهم الخيار في أن يهتفوا أو لا يهتفون!؟.
قبل هذا هل هم بالفعل يملكون ارواحهم ودماءهم ليقدموها قرابين للقائد عند كل أزمة؟، وماذا سيحققون من وراء هذه التضحية؟، من نافلة القول ان الروح والدم هما من أثمن ما يمتلكه الإنسان إن لم يكونا أغلاها على الإطلاق، وهما عند كل واحد من الهاتفين المتحمسين ثمينان بهذا القدر.
ثم ما هذا الولع بالدم!؟، هل الزعيم يحتاج إلى التبرع!، أم يقتات على الدم ولا يدخل البهجة والحبور لنفسه إلا منظره القاني!، هل هو دراكولا آخر!!، العجيب أن أرواح ودماء المتطوعين المتظاهرين هي أرخص عند الزعيم المفدى من أن يفكر بها، بل إنها قد تكون وسيلته للتسلية.. والتقدم!، لطالما كان إزهاق هذه الأرواح حجر الأساس ووقوداً لصعود درجات سلم الزعامة، ولطالما كانت برخص التراب بدعوى الحرص على التراب.
قد يكون الأمر مزايدة من المتظاهرين الذي يعلمون علم اليقين أن الزعيم يملك الأرواح والدماء فهم لا يقدمون له سوى ما يملك أصلاً!، ولعلهم يحصلون بمثل هذه المزايدة على بعض أجزاء أرواحهم ودمائهم.
تمنيت لو أنني أجيد اللغة الروسية أو الكورية لأقرأ في تجربة حكم ستالين وكيم ايل سونغ من مصادرها الأصلية، وأرى هل كانت شعوبهم تردد نفس الهتاف وهي تجوب الشوارع بانتظام، هل كانت تحرص عليها وأياديها تجتهد بالتصفيق المرتب الذي يكاد لا ينقطع!، خاصة وأننا نعلم أنه عندما مات ستالين وكذلك كيم ايل سونغ انتحر بعض الأفراد من شعوبهم في فداء قل نظيره بالروح والدم!!، أم أنها من الخصائص العربية البحتة، ولا تخرج عن دائرة القول ولا ترقى إلى قمة الفعل، كأني أسمع صوتاً يقول إنه القهر، لكن على كل حال، ومن واقع الحال لو شاهدت وجوه المتظاهرين الهاتفين وركزت قليلاً لاكتشفت أنك ترى أشباحاً متحركة، غارت من وجوهها الدماء، هياكل تمشي انتزعت منها أرواحها وإرادتها فصار لها هم وحيد هو هم البقاء، لعل يوماً يأتي بالفرج، لتعود الأرواح والدماء المسلوبة، في ذلك الوقت سيكون هناك هتاف آخر تطالب فيه بأرواحها ودمائها التي انتزعت منها!
 

شكراً عمرو موسى

25 أكتوبر 2002

أكبرت في السيد عمرو موسى أمين الجامعة العربية حرصه على التحدث باللغة العربية في قمة الفرانكفونية، التي عقدت مؤخرا في بيروت، لم ينسَ أو يتناسى عمرو موسى أنه عربي وأمين للجامعة العربية، لم يجامل بل أعطى الحق للغته الأم رغم تمكنه من غيرها، شكل من أشكال الاستلاب التي نراها ونعايشها هو حرص بعض الساسة العرب على التحدث بلغات أخرى في محافل إعلامية يمثلون فيها شعوبهم أو أمتهم، رغم أن كثيرا منهم لا يجيد تلك اللغة التي حرص على التحدث بها، ولعل أكبر مثال يتاح لنا الإشارة إليه لأنه مات!، هو الرئيس أنور السادات فقد كان حرصه على التحدث باللغة الإنجليزية مثار كثير من التعليقات الساخرة وقتها، وشكلا من أشكال التقرب المكشوف ومغازلة الإعلام الأمريكي، بعد أن وضع كل أوراق القضية بين أيديهم، وصارت أمريكا اللاعب الوحيد والمعترف به في هذه القضية، وغيره كثير، بل إن بعض الساسة العرب وفي مؤتمراتهم الصحفية ذات الغالبية العربية من الحضور او تلك التي تكون على هامش فعالية عربية بحتة يجيب بعضهم على أسئة صحافي غربي بلغة الصحفي نفسه، قد يقول البعض إنه حرص على التوضيح والدقة، لكنه شئنا أم أبينا حرص يجانبه الصواب، نجد سياسيين من أمم أخرى، من الصين إلى أسبانيا مرورا بروسيا، يحرصون كل الحرص على استخدام لغتهم الأم في كل محفل، لأن الإصرار عليها ليس دليلا على الاعتزاز والفخر بها فقط بل هو ايضا دليل على الثقة بالنفس والانتماء، لقد أصبحت اللغة العربية في المحافل العربية لغة غريبة على آذان أهلها، في حين استطاع اليهود إعادة الحياة للغتهم المندثرة، كل هذا بسبب التهاون والمجاملة وشعور بعدم الثقة، ولست أتحدث عن أحاديث جانبية، بل عن تلك الكلمات التي تلقى في المحافل والمؤتمرات الاعلامية، وكل كلمة لها وزنها وقيمتها فلم يهرب الأغلبية من لغتهم الأم، حتى ولو قال أحدهم اننا مهزومون وهو صادق في هذا، فالعرب يعيشون مرحلة طويلة من الهزيمة، لكن هذا لا يعني الاستسلام، والاستلاب صورة من صور الاستسلام والانقياد، بعض يراها تمدنا وتحضرا وبعض يتعذر بمخاطبة الناس بلغتهم حتى يفهموا، متناسين أنهم يجب أن يُشعروا الآخرين باحترامهم لانتمائهم اللغوي قبل كل شيء، احترامهم لأنفسهم ولمن يمثلون، حتى يؤخذوا بالجدية والاهتمام المناسب، وبالتالي النظر فيما يقولون وما يحاولون إقناعهم به.

القصيبي هل يغوص في الماء؟

23 أكتوبر 2002

حظوة إعلامية ملفتة كانت في استقبال الدكتور غازي القصيبي بعد تعيينه وزيراً للمياه، يتساءل المرء ماهي اسبابها؟ خاصة وان شخصية القصيبي المتعددة الجوانب ليست من الشخصيات المتفق عليها، فغازي القصيبي في جانب من شخصيته هو المفكر والشاعر والروائي اخيراً وهذه الجوانب عليها اختلاف يكاد يصل عند فريق الى الخصومة والرفض مع كم لابأس به من الاوصاف الجاهزة، لكن مايتفق عليه الجميع ويحق للقصيبي ان يفاخر به، هو الجانب الإداري، وتجربته في وزارتين شاهدة على سيرته الحميدة، ليس من جانب حسن تصريف الامور او تفويض الصلاحيات والدفع بوجوه جديدة للسطح وعدم احتكار كل قرار، ليس هذا الجانب على مافيه من إيجابية، هناك جانب آخر شبه متوار اقصد به جانب النزاهة، ونظافة اليد.
لم يذكر غازي القصيبي عندما كان وزيراً أن مسته إشاعة ولاخبر تتعرض لاستغلاله المنصب لاهو، ولا استفاد احد من عائلته عن طريقه، نحسبه كذلك والله تعالى حسيبه، بل انه وفي حدود علمي اول من اعلن عن كشف عملية رشوة كبيرة قامت بها شركة كورية لاحد كبار موظفيه، وكانت تلك سابقة فريدة، لم تتكرر! أعلنت إعلامياً وحصل الموظف على مكافأة وشهرة ايضاً، وفي تلك الأيام لم يكن هناك حديث عن الرشاوي والإثراء غير المشروع، وكانت مفاجأة.
تصوري ان هذا هو الاساس الحقيقي للابتهاج بتعيينه وزيراً ويعيب البعض على الدكتور غازي القصيبي إعلاميته، اي قربه من الإعلام وتوظيفه بشكل غير مباشر لبعض العاملين فيه، لكن شخصيته المتعددة الجوانب تعطيه الحق في ذلك ويحسب له انه استطاع ان يسخّر الإعلام عندما كان وزيراً لإصلاح ما انعوج من احوال تلك الأجهزة، استخدمه بذكاء وكان وسيلة ضغط على الذين لم يستوعبوا اسلوبه الاداري من العاملين معه فكان سلاحه الإعلام ليختصر المسافات، ويؤثر وهو في مكتبه، ونجح في استمالة الصحافة خصوصاً وفي داخله المفكر والشاعر، وتبسط معها، كان في الحقيقة اكثر جرأة منها في ذلك الوقت اعطى الصحافة ماتريد ولم تكن الصحافة في ذلك الوقت تصدق ان هذا يحصل وبرعاية وزير؟، وشخصية القصيبي إعلامية اي يتبعها الإعلام ومشكلتنا مع شخصيات تريد ان تكون إعلامية وهي ابعد ماتكون عن ذلك، وعندما تحاول التبسط تنبعج، وإذا كتبوا قاموا بالتنظير وهم في الميدان مفلسون، وهذه من سلبيات القصيبي فنجاحه ذاك واستمرار وجوده دفع كثيراً من تلك الشخصيات الهلامية لتبني خط سيره وبإمكانات لاتتعدى الكرسي فكان ماكان وعشتموه لكن الوقت اختلف الآن والتحدي امام وزير المياة مختلف عن التحدي الذي كان امام وزير الصحة والصناعة في زمن مضى، فهل يغوص القصيبي في الماء، مثقلاً بنجاحه السابق، في كل الاحــوال الناس شهود الله في ارضه والكثير منهم يحـمل عن الدكـتور غازي القصيبي صورة عدم استغلاله لموقعه وهذا ماسيبقى ولعله يعطي درساً للمتكالبين على الكراسي.

أرامكو هل ترانا!؟

22 أكتوبر 2002

توقعت أن تسارع شركة أرامكو السعودية إلى توضيح وجهة نظرها، وتقدم أجوبة على تساؤلات الناس عن أسباب إلغاء مشروع خط التابلاين، توقعت ان تقوم شركة محترمة مثلها تعقد عليها الآمال بشرح تفصيلي يقنع المتضررين والمهتمين وأهالي المنطقة بأسباب الإلغاء، بل ان توقعاتي زادت عن حدتها إلى درجة افترضت أنها ستنشر العناوين العريضة لدراستها التي تم الإلغاء على أساسها،.. لابد ان شركة ضخمة مثلها قد درست الآثار المحتملة للإلغاء على الموظفين وسكان المنطقة والبدائل المقترحة!، والحلول لمواجهة تلك الآثار، لكن لم يحدث اي شيء من ذلك، وكأن أرامكو السعودية الشركة الحكومية.. شركة خاصة!؟، فهل أرامكو تتعامل بعقليتين مختلفتين عقلية منفتحة لـ .. “كمب الشركة”!، وعقلية أخرى مغايرة لذلك الانفتاح خصصت للمجتمع المحيط!؟، والذي يدفعني لهذا القول بالإضافة إلى عدم الاكتراث بالتوضيح للناس عن أسباب خطوتها تلك، أنني تذكرت أنها وإلى زمن قريب حاولت ان تضع لنفسها حصانة إعلامية لتكون بمنأى ليس عن النقد فقط، بل وحتى عن الإشارة لمشاكل موظفين عادية في الصحف وجندت الطاقات لذلك كل هذا بدعوى أنها شركة وطنية رائدة وكل الشركات وطنية ورائدة، من غير المقبول ان لا تتذكر أرامكو المجتمع المحيط بها على أهميتها وضخامتها لا تتذكره إلا في تهاني المناسبات ومسابقة رسوم الأطفال السنوية، وعندما تقرر قرارا مثل إلغاء التابلاين أو تجميده لا تشرح للناس أسباب قرارها ذلك، هل لا زالت في برج عاجي تتطلع من عليائه على مجتمعها، وإذا كانت وزارة المواصلات قد ارتضت بصمتها على هذا القرار رغم ما سيحدثه على الطرق المهترئة أصلا فإن من حق من كان التابلاين جزءاً مهماً من حياته ان يعلم التفاصيل، ومن حق من سيستخدم تلك الطرق التي ستجوبها شاحنات الوقود البديلة أن يعلم.. أم ان العلم محصور على موظفي الشركة الكبار فقط؟..

حتى لا تكون مرحلة انفلات

20 أكتوبر 2002

بحث الأجهزة الحكومية عن مصادر التمويل واستثمار إمكانياتها بشكل اقتصادي يحقق أكبر عائد بأقل قدر من الكلفة أمر مطلوب ومحمود، لابد أن تشجع عليه، ولكن هذا الأمر لابد من شروط تحكمه حتى لا ينحرف عن طريقه المستقيم وهدفه الأصلي، من هذه الشروط أن يستثمر الدخل المتحقق لتحسين خدماتها للمواطن أولاً وأخيراً، وان لا يؤثر هذا التوجه بأي شكل من الأشكال على الغرض الرئيس الذي أوجدت لأجله تلك الأجهزة، وان لا يجعلها ضعيفة أمام جهات أخرى بأية صورة عند سعيها لتحقيق غرضها الأصلي، لكن هل هذا متحقق حالياً في تجارب غالبية الأجهزة الحكومية!؟
كثير من الأفكار تبدأ جميلة براقة ثم يحولها بعض البشر الى النقيض تماما، لتتمحور بعد فترة يسيرة وتنقلب الى عبء يضاف الى اعباء سابقة كان يراد التخلص منها!!؟،
لقد أصبح ممكناً لبعض الشركات ان تهدي أثاثاً جديداً لمكتب مسؤول في جهة تراقب هذه الشركات، في السابق لم يكن التفكير في هذا وارد، ولقد أصبح بإمكان الغرف التجارية مثلاً ان تؤثر من خلال ما يسمى بالتبرع و تحمل تكلفة انشاء شيء ما ولو مظلات لمواقف السيارات يمكنها التأثير على جهات رقابية حكومية، وأصبح الدعم الدعائي من شركات لجهات مثل البلديات أو الأمانات والوزارات وسيلة للانفلات، والعجيب ان الفكرة الممتازة لم تحقق عائداً الا في التلميع الإعلامي من خلال المجلات التي أصبحت تصدر من كل حدب وصوب، أو الملاحق الإعلانية والمطويات تحت اسم التوعية!!،
بعد هذا بأي وجه سيقابل الموظف الحكومي صاحب الشركة إلا بوجه المحتاج!!،.. وطالب القرب..، وكيف سيقوم بدوره وواجبه وأمانته!؟، هذا على المستوى العام اما على مستوى النشء فقد بادرت وزارة المعارف في تجهيز الجيل الجديد لمواكبة هذا التوجه وعلى طريقتها.. المنفرجة، كان المقصف المدرسي بعض الإيجابيات فقد كان يعلم الطلبة ميزة الادخار والاستثمار إلى حد ما ولم يكن ثغرة للطمع وتسويق منتجات اتفق على مضارها للأطفال، لكن المعارف تريد أن “تفرمت” النشء، وصار الفصل والمدرسة مكانا لجمع التبرعات بمبررات الصناديق التطويرية وتحسين الفصل والمدرسة للحصول على شهادات “الأيزو والميزو”، وأصبحت لجنة الزير التي حفظناها من التراث موجودة في كل مكان، وتبعث في أي لحظة ولكن لازير يقام ولا ماء يشربه المحتاجون للشرب من أبناء السبيل!، بل مضخة قطرها بوصات تذهب بالماء الى من لا يحتاجه!؟، وفوق هذا “تشفطه” ممن هو بأمس الحاجة إليه!!.
حتى تصل الأفكار الجيدة إلى بر الأمان، تحتاج إلى رقابة دائمة وتعديل مستمر، أما الوضع الحالي فهو لن يؤدي إلا إلى الانفلات وتداخل المصالح وضبابية الرؤية خصوصاً لدى المعنيين بالرقابة على خدمات وسلع يحتاجها المواطن، وعلى مختلف مستوياتهم، وإذا وصل الوضع إلى أن تحث وزارة المعارف طلابها على إرسال رسائل صوتية وفاء للمعلم الذي لن يدخل طبلتي أذنيه صوت إلا من خلال الرقم 700، الوصول إلى هذه المرحلة وعلانية وعلى رؤوس الأشهاد يحتم التدخل السريع لضبط وربط التداخل بين الخاص والعام.. وحتى لا يشوه ما تبقى نا.