أرشيف شهر ديسمبر 2002

إن القلب ليحزن

21 ديسمبر 2002

رحم الله الزميل صالح العزاز رحمة واسعة.
كان الجانب الإنساني يحتل المساحة الأكبر من شخصيته، هذا الجانب المؤرق والثقيل على أي روح معذبة شفافة، تشعر بهموم الناس مثل روحه، دفعه دفعاً لمعظم أعماله وتصرفاته، وقد أوقعه هذا في كثير من المشاكل، وسبّب له سوء فهم لمنطلقاته، وكلفه ذلك ثمناً باهظاً عانى منه ردحاً من الزمن، واستطاع بما جبل عليه من الصدق والجلد أن يتغلب عليه.
ولا أتصور أن صالح - غفر الله له - كان يطمح لأن يكون رجل أعمال مثلما أشار الأستاذ تركي السديري في رثائه المؤثر، بل إنني أتوقع أنه توجه إلى مجال الأعمال مضطراً، يدفعه حذر مشروع، ينتابنا جميعاً، من الحاجة للناس مع تعدد المسؤوليات وهاجس الحياة الكريمة ومستقبل الأولاد، ونحن لا ننسى أن صالح خلال مشواره العملي فقد أكثر من وظيفة، ليس لنقص فيه، فكل من يعرفه حق المعرفة يعلم قدراته وحبه لإتقان عمله، ولكنه سوء حظه الذي ارتبط بسوء فهم الآخرين.
استطاع صالح العزاز أن يغرس كل هذا الحب، والحزن أيضا، لدى أُناس يعرفونه عن قرب وآخرين لم يتعرفوا عليه شخصياً، هذا الذكر الحسن هو ما يبقى بين الناس، وما عند الله تعالى أبقى، وليس لنا إلا أن ندعو له، فإلى كل من أحبه ادعوا له بالمغفرة والرحمة، الدعاء له هو الذخيرة الوحيدة التي بين أيدينا، فلا نبخل عليه بها، وهو ما يحتاجه الآن وما سينفعه إن شاء الله تعالى في الدار الآخرة.
يرحمك الرؤوف الرحيم ياصالح برحمته التي وسعت السماوات والأرض، والعزاء كل العزاء الصادق والمواساة لوالديه وإخوته وأخواته، ولزوجته السيدة الكريمة أم عبدالله التي رسمت بوفائها ونبلها أروع الصور فمثلما كانت خير رفيقة له وهو في صحته وفي مشواره الذي نعرفه، وقفت إلى جانبه سندا قويا في مرضه الطويل وهو وحيد بعيد عن الديار، وقفت رغم كل شيء فلها منا صادق العزاء والأمل أن يلهمها الرؤوف الرحيم الصبر والثواب الجزيل، ولبناته وابنه بأن يشملهم الكريم المنان بتوفيقه ويعوضهم خيراً.

نكتتب أو ما نكتتب!؟

17 ديسمبر 2002

تُطرح شركة الاتصالات للاكتتاب العام وهي في حالة سيئة لا من حيث الخدمة فقط التي تذكرك بخدمات البريد، بل من حيث الأداء المالي رغم أنها مع كل رنين تصرخ هل من مزيد، ولم نقرأ أو نسمع تقييماً مالياً وخدماتياً لهذه الشركة قبل طرحها، أقصد تقييماً من الجهات المعنية بالطرح والتي يفترض أنها تحرس أموال الناس وترغبهم في الاكتتاب، لم يظهر على السطح سوى اعتراف وزير المالية بأن التحول إلى شركة كان متعجلاً وتم قبل إنشاء جهة الإشراف والمراقبة، كان من المطلوب لزيادة الثقة بمشروع التخصيص الذي يعول عليه الكثير، ولنزع ما علق به من غبار التسرع والارتجال أن يصدر تقييم رسمي لوضع الشركة وخطط تلافي كل نقاط ضعفها وهي نقاط أغلبها متداول ويعلمه العامة من الناس، تم هذا ونحن نسمع ونقرأ كل يوم عن الشفافية حتى إننا لم نعد متأكدين من معناها، ويظهر أن لها معنى خاص في قاموسنا لا يتجاوز حدود الشفة السفلى بعد زمها!، كان من المهم تقييم تجربة الشركة في أخطر وأهم مراحلها، وإعلان ذلك للناس المطلوب مساهمتهم في رأس مالها، كان من المهم المحاسبة عن تلك الفترة أقول المحاسبة المعلنة بوضوح، ليتناسق ذلك مع ما نعلنه عن زيادة الشفافية، وتحسين وتطوير المناخ الاستثماري، والحقيقة المؤسفة أن عدم القيام بخطوة مثل هذه يعني أنها لن تتم مستقبلاً، وبعد أن تكون أموال الناس في جيب الشركة التي يصرخون الآن من فواتيرها.
والذي اطلع على ميزانية الشركة المنشورة في الصحف، يعلم أن وضعها لا يبشر بمستقبل زاهر، هذا الوضع لا يختلف كثيراً عن “حسن” خدماتها، وهي الخدمات التي جعلت المشتركين يسمونها شركة “إن الرقم”.. دفعت أكثر من مليار ريال لإغراء بعض الموظفين بالتقاعد المبكر فيما سمي الشيك.. الذهبي، لكن هذه التكلفة لم تنعكس على تكلفة الموظفين التي ارتفعت!!، الله أعلم بالسبب؟
والشركة زادت مصروفاتها الإدارية بنسبة كبيرة جداً لا تتناسب على الاطلاق مع الزيادة البسيطة في ايراداتها التشغيلية، الله أعلم بالسبب؟، ومن العجب العُجاب أن الشركة لديها نقد و… تقترض!!.
هذا جزء بسيط جداً من أوضاع الشركة التي تشفط جيوب المشتركين ونخاف أن تشفط جيوب المساهمين وهو ما سيحصل إذا استمر وضعها على ما هو عليه، وهو ما يتوقع، ثم إن الناس أو المساهمين يخافون من أن يأتي يوم ويقال لهم ما قالته وزارة التجارة في زمن سابق “أن لا علاقة لها بالشركات المساهمة”!، فهل ستعتبر الشركة من الشركات المساهمة التي لا علاقة لجهة حكومية بها إلا عند الاتفاق على احتكار أو “ضبط سعار”!؟ أظرف ما في شركة الاتصالات شعارها “نعمل اليوم لغد واعد” عمل بهذا الشكل يجعلنا نتسادل.. واعد .. لمن!؟

علي بابا للاستثمار

15 ديسمبر 2002

يظهر أن بعض رجال.. “الأموال” قد اكتشفوا موقع مغارة علي بابا، وتمكنوا بعصاميتهم الفريدة، التي سنقرأ عنها في الصحف مستقبلاً، من معرفة كلمة السر السحرية لفتح بوابة المغارة الضخمة، ولأنهم وجدوا كنوزاً وأموالاً أكثر من احتياجاتهم، ومع ما عرف من حبهم “الأكيد” للخير لهم ولغيرهم، وإيمانهم العميق بمقولة “ربي ارزقني وأرزق مني”، فقد قرروا، في لحظة إنكار للذات، توزيع هذه الثروة من خلال حث الناس على الاستثمار، المهم أن يكون لديهم بعض الأموال، ولأن الخير كثير فقد وصلت أرباح هذه الاستثمارات إلى ثمانين في المائة في نهاية كل سنة.. قمرية، تصرف ما أن يكتمل البدر، ويقول بعض الثقاة أنها وصلت إلى أكثر من ذلك، وهو استثمار.. مجرب تماماً مثل بعض الأدوية الشعبية، ورغم كرم هؤلاء المستثمرين في توزيع الأرباح بهذه النسب التي تبعث على الانسداح، إلاّ أنهم شحوا علينا بالمعادلة الاقتصادية الخارقة للعادة، وأخفوها عنا مثلما عتموا على مجالات الاستثمار التي يطرقونها ليحققوا ما حققوا، فهم للأسف يعلنون عن عشرات الأنشطة، لهم، في الداخل والخارج تمويهاً فيما يبدوا على المنافسين وهو أمر مفهوم في “البزنس”، ولأنه نجاح كبير ولا يتحقق بسهولة، تساءلت مثل غيري ما هي هذه الأنشطة التي تحقق مثل هذه الأرباح وتجعلك إذا ما شئت تفتتح وتشتري بنوكاً في الخارج!، وتمتلك طائرات إذا قررت الإقلاع، وفوق كل هذا تزرع الابتسامة على كل الشفاه، ولقصور في الفهم لم أجد تفسيراً سوى عثورهم على مغارة علي باب بكل ما تحتويه من كنوز، ولا أخفي عليكم أنني في البداية شككت في الأمر وتذكرت المشعوذين الأفارقة الذين يطلبون مالاً من المستثمر أو “المستحمر” ليقوموا بجعله يتوالد مبالغ أخرى، لكني تذكرت أن حدود قدراتهم في تحقيق الأرباح لا تستحق الذكر، إضافة إلى أن عملية استيلاد النقود قد تتعرض لعسر أو اجهاض، واحتمالات إصابة بعض المبالغ بالعقم، وسألت أحد “الباخصين” بالسوق فتوقع أن يكون رجال “الأموال” قد حصلوا على مصباح علاء الدين، لكني أعلم مثلما تعلمون أن مارد المصباح لا يستطيع توفير كل هذه الأموال مع كثرة المودعين أقصد المستثمرين، ونعلم جميعاً من خبرتنا مع قصص مارد المصباح أنه لا يتمكن سوى من تحقيق طلب أو طلبين، بل أنه عجز عن طلبات، لعلكم تتذكرونها جيداً؟، وهي أقل بكثير من ثمانين بالمائة!
وعلى هذا الأساس لم يتبقَّ سوى مغارة على بابا، وأرجو أن لا يسألني أحد من القراء عن الأربعين حرامي، وأين ذهبوا عن المغارة، وهل تحولوا إلى زهاد وتم توظيفهم مدراء فروع. لأني لا أعلم، وأتمنى على رجال الأموال أولئك، من صناع النجاح ومسوقي الثراء، أن لا يبخلوا على وطنهم بالمعادلة الاقتصادية الفذة، وأن يهدوها لوزارة المالية لعلها تنفعها في مواجهة العجز المستمر، كما أطمئنهم أن مؤسسة النقد عاجزة إلاّ عن تحذيرات بائسة في الصحف، دافعها قلة الحيلة، والغيرة على أبنائها المدللين من البنوك المحلية التي تأخذ ولا تعطي، اطمئنوا المؤسسة لا تعلم أرقام حساباتكم في البنوك التي تراقبها!؟، كما أنها لا تعلم عن أسماء مؤسساتكم وشركاتكم شيئاً.. على الإطلاق!

سجناء الصكوك!؟

14 ديسمبر 2002

“إن بعض السجناء في مبالغ قليلة ينتظرون وقتاً طويلا إلى حين صدور الصك الشرعي، فمثلا السجين المطالب بمبلغ 1500ريال في حادث مروري يمكث عدة أشهر في السجن إلى حين صدور الحكم الشرعي”، ضع ما شئت من علامات التعجب والاستفهام.
هذه المعلومة المؤلمة، اعلنها الرائد عبدالمحسن الطويل مدير الإرشاد بسجون الرياض، جزاه الله كل خير على هذه الصراحة، وحتى نفهم ونستوعب بعضاً من هذه المعاناة، لعلنا نتذكر تململنا ونحن نقف أمام الإشارة المرورية.. لدقائق، وماذا يفعل أغلبنا عند إضاءة النور الأخضر!!؟.
عدة أشهر بسبب تأخر صدور صك الحكم الشرعي،!!، وعلى موضوع بسيط، لا يتجاوز ألفاً وخمسمائة ريال فقط لا غير، إلى هذا الحد حرية الإنسان لدينا رخيصة!، لا تساوي ألفاً وخمسمائة ريال.. بل لا تساوي إسراعاً في إجراء يفك أسر سجين!؟.
عندما قرأت هذا ضمن تحقيقات المحرر النشط أحمد الجميعة المنشورة بهذه الجريدة في السابع عشر من شهر رمضان، عن سجناء الحق الخاص، توقعت ان ارى بعدها بأيام تفاعلا أو اهتماما من وزارة العدل المعنية باستتباب العدل..،
.. توقعت ان أرى تفاعلا من هيئة الادعاء العام..، وانتظرت، ولم.. و لم..!؟،
معلومة مثل هذه صارت مثل السجين الذي “مخش” سيارة أحدهم وسجن، وجلس، أو وقف يعتمد على ازدحام السجن!، ينتظر صدور الحكم، لم يدر بها مثله أحد!، قد تكون في الحقيقة جديدة علينا نحن فقط!.
والعجيب ان يسجن إنسان بسبب مبلغ بسيط مثل هذا، لكن لماذا لا يحدد مبلغ ادنى يكون حدًا للسجن من عدمه؟، هل ننتظر لتنفيذ مثل هذا الإجراء تحديد خط الفقر في مجتمعنا!؟، وهو الذي طرأ علينا مؤخرا، أقول هذا لانني أتوقع ان هناك أعذاراً جاهزة كما أنني لست متفائلا بتحديد خط الفقر، فمع الاختلاف على نسب البطالة سيكون لدينا خطوط كثيرة للفقر، وبالبنط الذي يعجبك!؟، تحقيقات “الرياض” عن سجناء الحق الخاص بينت بالارقام ماكنا نخاف منه، وحذرتُ منه شخصياً في مقالات قبل سنوات، وغيري كثير، التغرير بالناس وضعف الوعي ادى بالكثير منهم إلى السجن بسبب ديون، إيجار سيارات أو أقساطها، سلف وقروض، رواتب خادمات!!، كفالات، و..، شراء ذهب، والقائمة طويلة، ولو نحصل على بيانات إحصائية على مستوى المملكة لرأينا العجب العجاب لكن البيانات والإحصائيات عزيزة علينا، رغم ان نشرها فيه فائدة عظيمة وتذكرة للناس وفتح مجال لكل مهتم للبحث والتذكير واقتراح الحلول قبل استفحال المشاكل، بالامس غرر بالناس في قروض استهلاكية وبطاقات بنكية وتسهيلات إجرائية، تعقبها كلبشات، مع عدم وعي واستماتة في محاكاة بعضهم البعض، وما حذرت منه سابقا أحذر منه الآن فنحن مقبلون على أرقام أكبر من السجناء من وراء رقم 700، والمسابقات التي لا تنتهي، وبخل البنوك في الإقراض مع جشعها المتوحش في الفوائد، واضيف عليها غدا إن شاء الله، ما هو مسكوت عنه.. رجال “الأموال”.

لا يفل الدكتاتور إلاّ دكتاتور

11 ديسمبر 2002

كأني أرى هتلر وستالين وماو ومعهم كبيرهم فرعون مجتمعين وهم في حالة هياج وغضب على ما وصل إليه حال بعض الطغاة على وجه الأرض، لابد أنهم منزعجون وهم يرون كيف صار التقليد والاستنساخ طاغياً حتى على الطغاة، أولئك الذين يحاولون تتبع خطاهم وتقليدهم، حتى أصبح الدكتاتور رديئاً غير أصلي، إلى درجة أنه يعتذر!، الدكتاتور الحديث لم يعد مثل أسلافه الأوائل، من يصدق ان دكتاتوراً يعتذر!؟، وممن؟ من شعب ضعيف مسكين، مؤكد ان نادي الدكتاتورية سيطرده من العضوية ولن يسمح له بعد هذا الاعتذار ان يكون ولا عضواً مراقباً، لابد ان هتلر وستالين وماو الآن في حالة ندم وقهر مما وصل إليه بعض أحفادهم وتلاميذهم من الذل والمهانة، حتى ان منازلهم يتم تفتيشها!
الله أكبر على أيام زمان، في السابق كان الدكتاتور إذا “انزنق” ينتحر ببساطة، ولنا في هتلر مثال لا يشق له غبار، كان الطغاة الرواد الأوائل يحرصون كل الحرص على لبس خواتم مفصصة، ليس للزينة فقط، بل لتكون بما في فصوصها من سم ناجع في متناول اليد، لأنهم أصحاب مبادئ في دكتاتوريتهم، ولم يكونوا يضحكون على أنفسهم ولا على الآخرين فيضعون سماً مقلداً!، بل كانوا يجلبون السم من أقاصي الأرض، سم سريع المفعول يليق بالطاغية، يدفعون له أثمان باهضة من دماء الشعوب، لكن هذا زمن عجيب حتى في صناعة الدكتاتور، زمن لم يعد فيه شيء أصلي، حتى في هذا الأمر لا يتم التقليد بشكل متقن!، إذا كان للدكتاتور مشيته الخاصة وليدة حركة فريدة، لأنه خاص، لا يولد مثله في القرن الواحد إلاّ واحداً، فلابد ان له نهاية خاصة تليق بمقامه، فالنهايات البسيطة والمتواضعة للبسطاء والمتواضعين، لكن الأمور اختلفت وتغيرت بل وصل الأمر بطغاة العصر إلى حد صناعة أشباه لهم وتقديمهم للناس على أنهم.. هم!!، هل رأيتم إلى أي درجة وصلت مهانة الدكتاتور، وإلاّ من يمكن له ان يشبه الدكتاتور المتفرد والذي يلهج بحياته أفراد الشعب في كل شهيق وزفير، من يتجرأ ليكون شبيهاً بالدكتاتور إلاّ مخبول لا يعرف مقامه، ثم من الذي يضمن ان لا يصدق شبيهاً نفسه ويدعي والعياذ بالله لنفسه.. الدكتاتورية!، إلى هذا الحد تلاعب طغاة العصر بهذه المهنة القديمة الضاربة الجذور في التاريخ، ضاربين بعرض الحائط تعليمات الأسلاف في كتبهم الحمراء والصفراء، هكذا ضاعت الأمة المسكينة بين منافق وطاغية من ورق، دكتاتور يعتذر هرباً من دكتاتور آخر، والاعتذار هو الاعتذار سواء جاء على لسان الدكتاتور أو باسمه وصوت أحد العاملين معه، لكن هذا مصداقاً للقول.. لا يفل الدكتاتور إلاّ دكتاتور، الأول كان ولا زال دكتاتوراً على شعبه طامعاً في الجيران.. جرب ولم ينجح، والثاني دكتاتور على غير شعبه يحاول جاهداً ان يضم شعبه إلى القائمة ولو من خلال تحويلهم إلى أشباه له صغار، ويبدو ان الأرض فعلاً تحولت إلى قرية ولم تعد تستوعب إلاّ دكتاتوراً واحداً في كل مرحلة.