أرشيف شهر ديسمبر 2002

حمراء ولا صفراء

10 ديسمبر 2002

أصبح الذئب يترصد الثعلب في كل ناصية، والسبب المعلن في أرجاء الغابة أن الأخير تجاوز القواعد والقوانين التي تحكم العلاقات بين ساكني الأحراش، الثعلب على الرغم من انه سيد المكر إلا ان الجبن مستقر في قلبه، ويعرف ذلك حق المعرفة، وهو حاول ولا زال يحاول جاهدا التشبه بالذئب وتقليده رغم فارق الحجم والقدرة، هذه العلاقة المتوترة مع تراكمات قديمة يطول ذكرها، جعلت الذئب يقف كلما عَنّ له في طريق الثعلب عندما يتجول الأخير في طرقات الغابة ليصفعه على وجهه ويورد في كل مرة سببا مختلفا، إذا لبس الثعلب على رأسه طاقية صفعة الذئب قائلا لماذا تلبس طاقية؟، وإذا خلعها صفعه الذئب قائلا أين الطاقية!، والصفع مستمر، حتى صار الثعلب محاصرا لا يستطيع الخروج من مسكنه، هذا الاضطهاد المذل دفع بالثعلب ليقدم شكوى لكبير الغابة ومرجعها.. الأسد ما غيره.
شرح الثعلب في عريضته الطويلة للأسد كامل تفاصيل الصفع المستمر الذي يكيله له الذئب كل يوم، بل إنه أثبت ذلك بآثار الصفعات على وجهه الطويل!، وطالب بتفعيل قوانين الغابة ومواثيقها الموقعة من الجميع مطالبا بشجب هذه الممارسات ووقفها فوراً، قام الأسد بطلب الذئب للتشاور ومعرفة رأيه في هذه الشكوى فشرح الأخير لسيد الغابة تجاوزات الثعلب للحدود، محذراً من أنه لا يمكن التنبؤ بما يفعله مستقبلاً إذا لم يقمع ويتم تحجيمه ، وأكد أن هناك خطرا ماحقا سيلحق بالغابة من هذا الماكر، وعدد نقاط تجاوزه الدور المرسوم له في الغابة، ولم ينسَ تذكير الأسد بما قدمه الجميع للثعلب من دعم وتسمين إلى أن وصل لما وصل إليه حتى استطاع أن يقف على رجليه وبدأ يكشر عن أنيابه ويبحث عن دور أكبر من حجمه، ولثقة الأسد العميقة بقدرات الذئب، وأهمية دوره في تثبيت أركان العرين، اتفق معه على أن يُوجِد عذراً آخر غير الطاقية لصفع الثعلب، وليصفعه بعد ذلك ما شاء من الصفعات، وجاء بفكرة جديدة.. اقترح الأسد أن يطلب الذئب من الثعلب كلما شاهده تفاحة فإذا جاء له بتفاحة حمراء صفعه بحجة أنه يريد تفاحة صفراء، وإذا أتى بالصفراء يصفعه لأنه يريد حمراء فيستمر الصفع ويحفظ ماء وجه سيد الغابة ليبقى محترما يتم اللجوء إليه، وإلى أن يتقدم الثعلب بشكوى جديدة يخلق الله ما لا تعلمون، وهكذا كان، فما ان خرج الذئب حتى وقف يترصد للثعلب فإذا به مقبلا بجسارة غير معهودة متوقعا أن عدوان الذئب تم إيقافه عند حد، قال الذئب بلهجة آمرة: أحضر تفاحة حالا!،
رد الثعلب الماكر: حمراء أم صفراء؟،
فما كان من الذئب إلا وأن صفعه بقوة قائلا: لماذا لا تلبس الطاقية!!.
أتذكر هذه الطرفة العميقة وأرى فيها تمثيلا لوضع الزعيم العراقي مع الزعيم الأمريكي وإذا شئت فضع هيئة الأمم المتحدة أو مجلس أمنها موضع الأسد، الصفع مستمر بأي عذر والتفتيش ليس سوى مرحلة التفاح المؤقتة، بدأت الآن تلوح في الأفق إشارات عدم الاقتناع بنتائجها قبل أن تكتمل، ورغم أن لا أحد سيبكي على الثعلب إذا ما طرد من الغابة وهو أمر مشكوك فيه فلن يوجد مثيل له، بل إن هذا الطرد بأي صيغة كان سيفرح الأكثرية من الناس خصوصاً أولئك المغلوبين على أمرهم منذ ثلاثين عاماً وهم يعانون من تجاوزه لكل الحدود الإنسانية، إلا أن الخوف مما يمكن للذئب أن يفعله وهو يستطعم لذة القوة والبطش أمر يشغل بال الجميع.

أنا لا أحبك أيها العيد!؟

7 ديسمبر 2002

(أكتب اليك أيها العيد متسائلا أين أنت؟ يقولون إنك أقبلت! ولكني لا أراك! رغم كل المصابيح التي تشع في الميادين، ولبس الناس للجديد، كنا أحباء العام الماضي، هذه السنة تنكرت لي، وتركتني وحيداً.. تائهاً في مدينة لا تنصت لمنادٍ.
أعلم بوجود الخير في قلبك ولكني لم أعد أستطيع رؤيته.
قال الله تعالى {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم}.
أيها العيد ليس كل من يسعى اليك سواء، ومن يدعي الفقر هو دائماً الأحق! أيها العيد أنا شاب سعودي من أم عربية حالياً سعودية شاءت ارادة الله ان أعيش بالخارج مع والدتي وكان كل يوم يمر عليّ يزداد حبي وانتمائي إلى هذا الوطن الذي ربما بعدي عنه قوى أملي وعزيمتي للرجوع اليه وخدمته ورفع رايته وأقسم ان هذا الكلام من قلبي ولكن تشاء ارادة الله ان يصاب الوالد بعدة أمراض فقمنا بعلاجه في الخارج وبعنا كل ما نملك حتى تعثرنا فعاد للعلاج في المملكة ووافته المنية - رحمه الله - ومنذ تلك اللحظة واختبارات الله تعالى تتوالى فلم أستطع دفع مصروفاتي الجامعية رغم حبي الكبير للعلم وذلك لضيق اليد،، ولم يتوقف الأمر عند هذا فقط والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه بل تم طردنا من السكن وصار ديناً، وتوقف راتب تقاعد والدي وهو الذي عمل عشرات الأعوام بكل إخلاص فأصبحت ووالدتي تائهين.
أيها العيد مهما قلت لك عن مدى حبي وتمسكي بالعلم فلن أستطيع إيصال ما في نفسي. انه طموحي، حياتي أعلم ان كثيراً من الطموح يتحطم وأنت لا تأبه، ولكني على يقين أن الفرج قريب.
أيها العيد ربما ستسألني عن أهلي ولكن بـمَ أجيبك! فأنت لا تعلم ماذا تفعل عندما تجد أقرب الناس اليك يتخلون عنك لماذا؟، لأن لهجتك في الغربة تغيرت!، أم لأن أمك غيرسعودية! ربما؟ هل أنا واهم أو مخطئ أتمنى ذلك!
أيها العيد أصعب احساس ان تكون غريباً في موطنك لا مأوى لك والأصعب من ذلك ان تكون أعز الناس إلى قلبك وهي في السبعين من عمرها مشتتة مشردة بعيدة عنك، وأنت وحيدها وهي ما بقي لك من الخلق، لن اطلب منك شيئاً أيها العيد بل سأدعو الله ان يخرجني مما أنا فيه وإعانتي لاقوم بايجار سكن احفظ فيه أمي ونفسي من الشتات الذي نعيش فيه، أنا لا أحبك أيها العيد!).
هي رسالة من شاب في مقتبل العمر، وهو في وضع لا يحسد عليه، وجد نفسه فيه من دون مقدمات، وصدم مما وجده عندما عاد إلى وطنه من جفاء الأهل وأصدقاء والده المتوفى، فأصبح، بدون مبالغة على الاطلاق، شريداً يحمل حقيبته على كتفه، رغم هذه الصدمات في عمر صعب إلا ان ايمانه قوي بالله تعالى، ويحمل تعففاً لم أجده في بعض الميسورين!، وأمله عظيم بهذا المجتمع والقائمين على رعاية أموره، وهو لا يطلب الكثير، وقد رأيت انه من المعايدة أن نتذكر احوال بعضنا على حقيقتها، فكل عام ونحن وبلدنا بخير.

الزعيم إذا اندهش

4 ديسمبر 2002

فيدل كاسترو زعيم كوبا، طيرت وكالات الأنباء صورة له وهو يضع وجهه بين راحتيه مندهشا بعد أن ألقى خطابا لمدة ثلاث ساعات ونصف، تعليق وكالة الأنباء يلمح إلى أن سبب الدهشة هو تفاجُؤ الزعيم الكوبي بطول الخطاب، وقد تكون الحقيقة سعادته بتلك القدرة الزعامية، ثلاث ساعات ونصف لخطاب.. والحضور جالسون لم يخرج منهم أحد، لابد أنها متعة قصوى عاشها الحضور.
كاسترو صورة من صور الدكتاتور في العالم، له أسبقية في الصراع مع الولايات المتحدة ورغم قربه منها، وتهاوي الجدار السوفياتي الذي طالما استند إليه إلا أنه ما زال باقيا نموذجا منتصبا يرمز إلى حقيقة سياسة تصدير الديموقراطية التي تقول بها الولايات المتحدة الأمريكية، رغم أنه على بعد رمية حجر من شواطئها ما زال باقيا، وليس هنا مربط المقال، بل في حرص الدكتاتور أو الزعيم في أي مكان، على طول الخطابات والبحث الدؤوب عن المفرقعات الإعلامية، قد يكون كاسترو نسي الوقت من فرط إعجابه بما يقول لأن ما يقول الزعيم وكلامه هو مادة حيوية منشطة ومفيدة إذا وضعتها في الاقتصاد انتعش وإذا سلطتها على الكساد انكمش، أما إذا استخدمتها في السياسة فهي السلاح الوحيد لرص الجبهة الداخلية، وهي في عرف الزعيم القوات الجوية، لماذا لا يستطيع الزعيم الدكتاتور أن يلقي خطابا قصيرا؟، لأنه يحب شعبه!، أو لأنه يعتبره نشاطا وعملا أساسيا للتوجيه فلم يعد لديه غير الكلام، أم لأن لا أحد يستطيع أن يقول له انتهى الوقت؟، من غير الممكن بالطبع أن يقال له أعط الفرصة لغيرك فهذا من المستحيلات.
نموذج آخر للدكتاتور في شخصية الزعيم العراقي وهو هنا حالة خاصة شبّه أستاذ فلسفة عربي صورته وهو جالس على كرسيه كأنه أحد أصنام الحضارة البابلية، هذا الهوس بالوثنية هي التي جعلته يبدأ رسالة الموافقة على استقبال فرق التفتيش من دون قيد ولا شرط بأية قرآنية كريمة فيها يوجه الله سبحانه وتعالى النبي موسى وأخاه هارون بالذهاب إلِى فرعون الطاغية، لتحذيره وتنبيهه مما هو فيه من الظلم لنفسه وللناس، ولم أستطع معرفة لمن وجه خطاب الزعيم، وماذا يقصد بتصدير الآية الكريمة لخطاب القبول المفروض عليه، خاصة إذا فهمنا أنه يقصد بالفرعون جورج بوش، لكنه طغيان الدكتاتور الذي يبيح لنفسه تقمص أي دور فمن سيقول له لا ومن سيجرؤ على تذكيره بانتهاء الوقت.

البحث عن معلومة!؟

3 ديسمبر 2002

جرب أن تحصل على معلومة حديثة عن شأن داخلي، لن تستطيع الحصول على ما تريد وإذا وجدت رقماً فسيكون قديماً وإذا تتبعت أثره ستجد أن مصدره الأصلي من الخارج.
لعل أبرز اختلاف معلن حول معلومة تهمنا جميعاً ظهرت على السطح، هي نسبة البطالة، أول الأمر تقرير لأحد البنوك المحلية تجرأ وقتها وقال إن نسبة البطالة 25% أو أكثر قليلاً، وأحدثت هذه النسبة صدمة كبيرة مماثلة، مع الفارق، لصدمة مشاهد الأحياء الفقيرة، بعد إعلان هذه النسبة تصاعد الحديث بشكل رسمي عنها وضرورة التأكد منها ومعرفتها، ثم صرح وكيل وزارة العمل قائلاً إنه لا توجد بطالة!، مستعيناً فيما يبدو بتعريف “مفصل” للبطالة، بعده بأيام، وفي مناسبة خارجية!، أعلن وزير العمل أن نسبة البطالة تصل إلى 30%، وأعجبت البعض هذه الصراحة رغم أن الصراحة لدينا، سبحان اللطيف الخبير، غالباً يفضل قولها في الخارج، والصمت عنها في الداخل في أحسن الأحوال، بعد هذا بفترة وفي حوار صحفي حديث مع وزير المالية قال إن نسبة البطالة أقل من عشرة في المائة!!.
كل هذا الاختلاف المعلن على معلومة يفترض أن سياسة مواجهتها والحلول لسد فتقها قائمة على قدم وساق، وإلا ما هو السبب الذي حث على الإسراع في السعودة، ولا أعلم كيف يمكن التصدي لأمر غير محدد، بل كيف يمكن الحكم عليه والحكم على شيء فرع من تصوره!!.
فهل يعني هذا أن السعودة تسير بلا خطة ولا هدف ولا وضوح رؤية ما دام “الرقم” مختلف عليه إلى هذا الحد!؟، وأعتقد أن فترة من الوقت طويلة مرت منذ أن بدأت الصحافة تحذر من البطالة وتطالب بالسعودة، وهي فترة كافية لمعرفة حقيقة الأرقام من أجهزة لديها القدرة كما نتوقع، رغم أن تجربة وزارة العمل مع معلومات عمالة الشركات لم تكن تبشر بخير.. لعلها تغيرت!.
نسبة البطالة والتخبط في تحديدها نموذج أوردته هنا لتوضيح حاجتنا الماسة جداً لجهة مستقلة معنية بالإحصاء وتوفير مثل هذه المعلومات، لقد أدى الفراغ بسبب عدم وجود حقيقي لمثل هذه الجهة باستقلالية تمكنها تجاوز حرص بعض المسؤولين على تأجيل الكشف عن الثقوب أطول وقت ممكن، أدى هذا إلى الاعتماد على المكاتب الاستشارية وتسليم المفتاح لها، أو إلى إدارات صغيرة سُميت الإحصاء والمعلومات، وإذا ما طلب منها شأن كانت مجرد مكتب استقبال لتلك المكاتب الاستشارية، ويصبح المسح وتحديد حقيقة المعلومات مماثلة لما يحدث لاستبيانات الرأي على الطريقة العربية، الحاجة للمعلومة الداخلية ماسة، وبسبب هذه الفجوة لجأنا إلى التقديرات ولم نصب بمثل ما أصبنا بتقديرات خطط التنمية السابقة التي غررت بنا وجعلت الكثير منا يعيشون خارج واقع وسطهم.
جهاز احصائي حديث مستقل مطلب ملح سواء بإنشاء جديد أو تطوير الموجود وإعطائه استقلالية وفوقها كثير من الشفافية، وعلى ذكر الشفافية أتمنى على مسؤولينا أن لا يحرموا صحفنا وإعلامنا من الصراحة في شؤوننا، وللأسف مما يحز في نفس كل إعلامي وكل مواطن أن تكون مصادر الخارج ووسائله غالباً هي من يحصل على الصيد الثمين في ما يعنينا، ونقول إن إعلامنا ضعيف!؟، والصحفي الأجنبي هو الذي يحصل غالباً على الخصوصية في إعلان المعلومة في شؤون داخلية ليس له أو من تتجه إليه وسيلته الإعلامية علاقة بها، ولا نعرف ما السبب هل جينات الإعلاميين في الداخل بها خلل لم نعرفه حتى الآن أم أنها عقدة الأجنبي.