أرشيف شهر مارس 2003

نهاية ديكتاتور

22 مارس 2003

كما حرصت دائما وأبداً، أيها الزعيم، أن تكون الأوحد والثابت والمعصوم ومثلما أصررت أن تلغي الآخرين من شعب، ونخب، الغاءً تاماً، وجعلت منهم صرحاً تعلو فوقه وتدوسه برجلك، كلما رغبت، يسلط الله تعالى عليك مثلما تسلطت على المستضعفين، وتدور عليك الدوائر لتكون وحيداً، ويبدأ عقد من جمعتهم حولك وبنفسك، ينفرط حبة تلو الحبة، تبدأ حاشية النفاق في التفكك، والهرب، اولئك الذين غرهم غرورك وأخافتهم سطوتك وتجبرك، وطمعوا في جوائزك، فعاونوك وساعدوك على القتل والسحل، وشاركوك في ظلماتك، وصفقوا كثيراً لكل كذبة يخرج بها لسانك، وقاتلوا بألسنتهم وأظافرهم لأجلك عندما كنت القوي في أعينهم، فانتشوا عندما ينتشي الزعيم، وحازوا من فضلات غنائمه ما أسكرهم، ونسوا ربهم وضمائرهم، وتحولوا إلى أشباه صغار لك، يتكلمون مثلما تتكلم ويمشون مثلما تمشي.
يأتي يوم لا يتذكرون فيه سوى انفسهم، يحاولون ان يسترجعوا أنفسهم قبلك، سيتبرأون منك ومن أعمالك، سيقولون إنهم أجبروا على خدمتك وعبادتك، وإنهم كانوا خناجر في يدك لا حول ولا قوة لها، سيلعنونك أكثر مما مجدوك وستشهد كروشهم على مجدك السابق، في درس تاريخي، درس واضح لنهاية التسلط، وغرور القوة، وأمام عينيك، أيها الزعيم، يبدأ مسلسل الهروب وما ستقول إن قدر لك بقايا إنها خيانات، لكنها الحقيقة التي غيبتها عن بصيرتك بإصرارك على التجبر ونهمك للطغيان، وعشقك للاستحواذ على كل شيء.
كانت أمنياتنا ان تأتي نهاية نظام صدام حسين على يد عراقي حر، يقدم مصلحة العراق وشعبه وجيرانه على رغباته وشهواته، لكن الأمر لله من قبل ومن بعد، الله تعالى يذيقه البأس على يد ديكتاتور جديد، ولم يعد له إلا أن يقبل بنصيحة شبيه له، أن يقاتل وقد وضع الحائط خلفه، لكن هل سيتبقى حائط يستند إليه دكتاتور دارت عليه الدوائر، هل هناك حائط يلجأ إليه من أصيب بجنون العظمة، وهو الحائط العظيم، هل هناك حائط ولو شيد بشحن الكلام الرنان الذي ردده من هام بك لأجل ما بيديك، يذهب الدكتاتور غير مأسوف عليه، بل ملاحقاً بالدعاء عليه واللعنات له، وتبقى حاشية النفاق تبحث عن زعيم جديد ترقص من حوله، وعينها على اليوم الآخير.

ريجيم ‘روّقنا’

19 مارس 2003

لم أكن أعلم أن للحلويات أصواتاً الا بعد إقناع عملي من صديقي “المتين”.. صديقي واقع حتى حلمتي أذنيه في غرام الحلويات الشرقية، وعندما ندخل سويا محلا، حتى ولو كان بقالة صغيرة، أجده يتوقف كمن سمع صوتا يناديه، بل كأن هذا الصوت يناديه “بعيارته” الأولى أيام الحارة الشعبية، لذلك يتوقف فجأة أمام أحد الرفوف، ثم يبتسم ابتسامة كبيرة لطيفة، ويظل لحظات “يتمقل” بشوق “عارم” في وجوه الكنافة والبسبوسة والبقلاوة ويكاد يطبع قبلاته على “زنود” الست، ولكل صنف منها في أذنيه صوت ناعس يعشقه حد لحس الأصابع، وكلما كان العسل أو السكر يطفح على السطح، كان الصوت أقوى و”التمقل” أعمق، وانتظاري يزداد طولا، الى هنا والأمر طبيعي، كثير من “المتان” خفيفي الظل يشتركون في علاقاتهم الوطيدة وتمثيلهم الدبلوماسي المعتمد لدى صحون الحلويات الشرقية، وغرامهم بها مثيل لغرام الفتيات بطعم الشيكولاته لا بلونها..، لكن صديقي “المتين” ينفرد بعشق آخر، فهو مهتم ايضا بصورة عملية بالريجيم، واضاف له مؤخرا اهتماما جديدا بالأعشاب والخضروات، أو ما يسميه ضاحكا “العلف”، وجعله هذا الاهتمام يقتني كل ما تصدره المطابع، من كتب الريجيم المعتمد على التغذية الطبيعية السليمة، هذه الكتب ليست للوجاهة، ولا الادعاء الفارغ، بل للقراءة والاستفادة، من هنا لم أعد أستغرب تصفحه لها أو حديثه عن بعضها على كل سفرة “مندي” معتبر، ولأنه مثقف يؤمن بالمزاوجة بين الأصالة والمعاصرة، وأن لا ضرورة لأن ينفي أحدهما الآخر، فقد أبقى على إعزازه الكبير للمفاطيح، فيحرص كل الحرص، اذا ما “تواجها” معا على عدم كسر خواطرها، فيتحاور معها و”يتجاذب” أطراف الحديث، ويرى أن ذلك من الوفاء فهو يعتبرها من “التراث” الذي لا يجوز التفريط به، هذا التناقض الظاهري لم يسبب أي قلق لصديقي، وعندما تفتح معه باب النقاش، يجيبك بهدوء قائلا انه يتبع ريجيما جديدا اطلق عليه اسم “ريجيم روقنا” ولأنه “رايق” بالفعل فليس لديه ظاهريا على الأقل معاناة “البدناء” مع الريجيم وعدم قدرتهم على الالتزام، واذا جادله شخص على سبيل النصيحة طالبه بأن يعطي الحر فرصة. حالة “الروقان” تشربت في نفسه لأنه يعطي كل ذي حق حقه، الريجيم من جهة له وقته، والأكل من الجهة الأخرى له وقته، واليوم بساعاته يتسع بل ويزيد!وألطف ما خرج به هو التمارين الرياضية، فقد اكتشف صديقي أنه يمكن أن تمارس التمارين الرياضية بالنظر والمشاهدة التلفزيونية، ويكفي النية هنا “لتتحقق” لك الفائدة الصحية جسديا ونفسيا من دون إجهاد يذكر.
هذا التوازن النفسي الغذائي لم يخفف بالطبع من وزن صديقنا، لكنه ساهم ايجابيا في قطع دابر الشكاوى، فهو ليس شكاء ولا متبرم، لا من الوزن ولا من تعدد أصناف الحلويات، بل انه مصدر للبهجة وهذا ما يغيظ صديقاً ثالثاً أصلع، يحرص على رواية كل الأخبار الصحية المزعجة عن الكولسترول ومشاكل السمنة الخ، لكن صاحبنا الرائق يرد عليه دائما وبهدوء قائلا “خلك في الشعر”!!

متاريس وأقنعة.. في الرياض!؟

18 مارس 2003

أحسنت جريدة “الرياض” عندما أبرزت خبراً “تحذيرياً” عن استغلال تجارة أقنعة الغاز “الكمامات” للناس، وعلى صفحتها الأولى، ثم نشرت تحقيقاً للزميلة سحر الرملاوي، قال فيه أحد البائعين ان الناس يسألون ولا يشترون وتوقع ارتفاع المبيعات بعد اسابيع، وهو هنا يحلم ويتمنى.
أجواء الكمامات أعادتني لكمامات عام 1991، عندما اكتشفنا ان الشماغ أجدى وأكثر لطفاً بنا وبمراحل، وان تحذيرات المذيع ليست سوى رسائل رعب، ومثل ما قال المذيع للناس تلك الأيام البسوا الأقنعة وتسعون بالمائة ليس لديهم شيء منها،… يصمت الدفاع المدني هذه الأيام.
الدفاع المدني هو الجهاز المسؤول رسمياً عن سلامتنا نحن المدنيين، ولابد أن يضعنا في “الصورة” الحقيقية، وهو قال عندما اطلق صفارات الإنذار انها… “تجربة”.
يظهر انهم تذكّروها مؤخراً، ثم علق مسؤول فيه عندما سئل عن الاستعدادات للحرب بتطمين جعلنا… “نكبر الوسادة”، فما الداعي للكمامات؟، إذا قالوا ان التجارة حرة، أقول نعم هي حرة متى ما أردتم، لكن هذا الترويج للكمامات يجعل الناس في فزع، فهل يخفى على الدفاع المدني ما يفعل الفزع بالناس؟، أليس الفزع مسؤولاً عن كثير من الحوادث والإصابات، وجاءت الطامة الأكبر بقناع آخر، عندما أعلن مصنع للأكياس البلاستيكية عن استعداده لتزويد من يرغب من انتاجه من “المتاريس”، أي أكياس الرمل، وأين جاء هذا الإعلان؟… في جريدة “الرياض”!.
هل بلادنا في حالة حرب؟.
بالتأكيد الجواب بالنفي قطعاً، إذن ما هي المصلحة أيها السادة من مثل برامج التسويق هذه؟، أقنعة ومتاريس!؟، لو سمح لبعض التجار فليس لديه مانع من بيع القنابل وراجمات الصواريخ!؟، فهل نتركهم يقودون الرأي العام!؟، وفي ظروف حرجة مثل هذه، ونحن الذين نطالب بمحاربة الشائعات!؟.
تركت مثل هذه المهرجانات التسويقية الناس في حيرة، فمن يصدقون؟، نزول الكمامات للأسواق وأخبار تلفزيونية عن استعدادات جنود أمريكا بالأقنعة في الكويت أم تطمين “قديم” غير شاف من الدفاع المدني!، الذي فقد صوته مؤخراً!؟، ثم كيف لهذا الدفاع أن يكسب ثقة الناس بعد هذا؟.
أما هؤلاء التجار فأقول لهم يا جماعة خافوا الله؟، ما هكذا تجمع الثروات. في عام 1991والصواريخ تتساقط على الرياض لم نحتج بلطف من الله الكريم لتلك الأقنعة ولن نحتاج لها في حرب بوش القادمة بمنّه وفضله، فانفضوا أيديكم منها، واتركوها “تنشب” في حلق من يستغل فزعكم، وكنت سأكتب محذراً القراء من الشائعات وبعد سالفة المتاريس والأقنعة لم يعد لدى قلمي “وجه”، واكتفى “باللطمة”.

هل انتهى عصر المجاملات السياسية؟

16 مارس 2003

ابتهجت أيما ابتهاج بتصريح المصدر السعودي رفيع المستوى الذي قال، أن عصر المجاملات انتهى، وأن عهدا جديدا يتعين فيه الالتزام بأدب التخاطب قد بدأ، وازددت بهجة عندما قال “أن القيادة السعودية ستواصل طرحها السياسي الجديد للإنسان العربي الجديد، مؤكدا على التزام المملكة بالمصداقية والتعاون العربي البناء والترفع عن الشعارات البالية”.
التصريح جاء على هامش ما حدث في قمة شرم الشيخ، وللأسف فإنه وعلى الرغم من أهميته الكبيرة، لم يجد ما يستحقه من تحليل في وسائل إعلامنا المحلية.
كانت ولازالت المجاملات السياسية ركيزة أساسية في العمل العربي المشترك، وكثيرا ما صبغت هذه المجاملات العلاقات بين الدول العربية، لكن هذه المجاملات السياسية العربية لا تأتي الا من طرف واحد، الطرف المجامل دائما هو الطرف الخليجي وفي مقدمته المملكة العربية السعودية، في حين كانت الأطراف الأخرى دائما تحصل على هذه المجاملات، حتى حولتها بعض القيادات السياسية العربية، وبحكم التقادم، إلى ما يشبه الحق المشروع لها، وفي هذا السياق تعامل الإعلام العربي المدعي زورا الاستقلالية، مع دول الخليج، والمملكة على رأسها، بالصيغة نفسها، وكثيرا ما كانت المجاملات السياسية تتم مع أنها قد تتعارض مع المصالح الوطنية للدول الخليجية أو لمجموعات وأفراد من مواطنيها، كانت الوفرة المالية والبحث عن الأمن والانشغال بالبناء هاجسا مسيطرا في دول الخليج العربية خلال العقود الماضية، وأغرت هذه الوفورات المالية دولا وأفرا داً ومؤسسات، فكان الخليج مأكولا مذموما، والجدار القصير الذي ينشط كل مغامر ويعلن عن شجاعته من خلال القفز عليه، ودفعت دول الخليج ثمنا باهظا وعلى رأسها المملكة بسبب هذه السياسة التي ترتكز في مضامينها، المثالية، على وعي، يتجاوز الشعارات الى الفعل، بالمسؤولية المشتركة والمصير الواحد بين دول العالم العربي، لكن الفهم القاصر لبعض القيادات العربية والأفراد الطامحين إلى الزعامة أو الثراء تحوّل إلى شكل من أشكال الابتزاز، نراه في المواقف السياسية، والهجمات الإعلامية ضد دول الخليج، ويظهر جليا على السطح في دكاكين الصحف، التي تحولت الآن إلى دكاكين فضائية، يتجول أصحابها بحقائب السمسونايت في كل مهرجان ومنتدى.
المجاملات السياسية لم تكن إعلامية فقط بل كانت في جلها اقتصادية، وكثيرا ما تقدمت استحقاقات هذه المجاملات الاقتصادية على مصالح داخلية لها الأولية…، بل وهنا ما يحز في النفس، قد ينتج من التغاضي عن مواجهتها وتأجيلها خطر كبير ليس من اليسير تداركه، ولا تحجيم ما يتوالد عنه من احتقانات تستخدم، وياللعجب، كأداة للابتزاز مرة أخرى.
رائع أن ينتهي عصر المجاملات السياسية على أرض الواقع، والأروع أن ينتهي عصر المجاملات الاقتصادية، والأجمل الذي يتناسق مع هذا تقديم إنسان عربي جديد قادر على مواجهة المرحلة المقبلة، عن طريق وضع حاجاته على رأس قائمة الأولويات بعيدا عن كل المجاملات.
لنجدد إنسان الداخل أولا، وإذا ما نجحنا، نحاول وقتها طرح ما تحقق على الإنسان العربي، في ذلك الحين سنكون رواداً ونفاخر بأننا من قام بصياغة الإنسان العربي الجديد.

أيها السادة.. إنني أحترمكم

15 مارس 2003

كل الاحترام والتقدير لكم..
كل الإشادة والإجلال للمسؤولين الذين قدموا استقالاتهم لأن سياسة بلادهم تتعارض مع ما تمليه عليهم ضمائرهم..
إلى المواطنين الأمريكيين والاستراليين وأولئك الذين هددوا بالاستقالة في بريطانيا، أقدم لكم احترامي ومعي كثير من البشر لا أحصي عددهم، انتصرتم للضمير وللإنسانية في قراراتكم، ولم تخسروا شيئاً يذكر بل كسبتم أنفسكم، وعبّرتم عن الحق، عن الحقيقة، انتصرتم للإنسان وحقه في ألا يظلمه أخوه الإنسان، تحركت ضمائركم وجاشت، فتركتم الكراسي وقد لا يكون لديكم مصدر رزق ووجاهة وحضور غيرها، ولكنها الإنسانية المتجذرة في أفئدتكم.
تعارض ما تمليه عليكم ضمائركم الحية، مع سياسة لا ضمير لها تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية الجديدة، سياسة تحدد تواريخ الضرب والحرب وتبدأ في توقيع عقود الإنشاء لشركاتها قبل الهدم، لأنها تعلم علم اليقين أن خصمها عاجز إلا عن الكلام، وإلا أي حرب هذه التي يحدد تاريخ شنها! هل تفعلها أمريكا بهذه الصفاقة مع الصين أو روسيا أو حتى كوريا الشمالية.
عجزت كل الأعذار والأسباب أن تقنع أحداً، لكن اتحاد رجال الأعمال مع أوهام الحرب المقدسة يصنع الكوارث، واحدة منها نحن علي أعتابها بالصوت والصورة ببث حي مباشر للقتل والتدمير المتعمد مع إصرار معلن لا سابقة له.
أيها السادة: أعلم انكم لا تنتظرون تبجيلاً ولا حمداً من أحد، ولن تنتظروا رسائل شكر ولا بطاقات عرفان، الدافع لديكم أكبر من ذلك، شيء عظيم في داخل الروح، الدافع هو ما تفتقده شكلاً ومضموناً سياسة رامسفيلد وتشيني وبوش، ومن يقف وراءهم من شركات يدفع الجشع والطمع، وتجربة أسلحتها على أجساد المستضعفين.
أيها السادة الكرام نحن جميعاً نرى ما يتمخض عن اتحاد شركات الطمع بالثروات مع أوهام دخول التاريخ من بوابة الحروب المقدسة، عندما تتدثر زوراً بتحقيق الحرية والعدل، نحن نرى جميعاً أن الولايات المتحدة تمارس جهاراً نهاراً ديكتاتوريتها البغيضة على العالم، نازية جديدة وإن اختلف الأسلوب، تطرف آخر أكثر فظاعة مع امتلاك كل وسائل القوة والخراب، وإيمان عميق بامتلاك الحقيقة كاملة، نرى جميعاً أيها السادة دولة تروج كذباً للحرية وتقاتل لمنعها عن غيرها، تدعي الديمقراطية ولا تنصت للتصويت الذي أعلنه سكان العالم أجمع ضد سياستها، دولة مثل هذه هل من الممكن أن تبني لأحد ديموقراطية؟!
أعلم أيها السادة المحترمون يا مَن استقلتم من مناصبكم أن ما فعلتم ليس مناورة سياسية، بل هو خيار وجدتم فيه الحق، أردتم أن تربحوا أنفسكم، لم يجبركم عليه أحد سوى الضمير الحي.. لذلك أشعر أننا أخوة في الإنسانية، وأننا شركاء على هذه الأرض، وأن قدرنا هو مواجهة التطرف بأي قناع غطى قبحه فيه.
من القلب شكراً لكم، لقد اضأتم بصيص امل لنا في مجتمعاتكم.
@ صورة مع الضمير للكثير من المسؤولين العرب للعلم و.. الاستقالة!.