أرشيف شهر مارس 2003

قمة الأمير عبدالله

4 مارس 2003

يمكن القول إن قمة شرم الشيخ احتوت على مستوى كبير من الشفافية، أقول ذلك جاداً لا مازحاً، وأعتقد أن هذه القمة وخصوصاً الموقف الحازم لسمو ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز من كلام الرئيس الليبي معمر القذافي والرد المباشر عليه، وعلى الهواء، أسس لسابقة في القمم العربية بحيث تتخلص اجتماعات على هذا المستوى من الاستثمار الدعائي والتنظيري ودغدغة عواطف الجماهير بكلمات وشعارات لا تفيد إلا في زيادة التراكمات بين دول اجتمعت لتتفق على قضية مصيرية.
ولو حاول أي مراقب محايد لتاريخ المنطقة البحث، ومعرفة هوية الذي أوجد الفرصة للأجنبي للحضور بهذه القوة والكثافة، وجعله يملي شروطه بالتهديد العسكري سيجد أن الأنظمة الثورية وأحلام التوسع والسلطة التي يقودها جنون العظمة وسوء قراءة الواقع، هو السبب الأول في ما تعاني منه المنطقة، وللرئيس القذافي نصيب لا يحسد عليه في هذا المجال منذ تدخله بالقوة العسكرية في تشاد مروراً بالقرن الأفريقي وجنوب السودان، لم تسلم دولة أفريقية وأوروبية من مغامرات الرئيس الليبي، ومع ذلك استطاع الانكفاء الداخلي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والحظر الذي طُبق على ليبيا بسبب لوكربي، فقد أصبح للعالم قطب واحد، وهو نجح في مالم ينجح فيه صدام حسين.. حتى الآن على الأقل!، لأسباب عديدة، لكنه لم يستطع التخلص من رغباته العارمة في كسر المألوف، ومعاكسة التيار بحثاً عن عدسات الكاميرات وجذب انتباه الجماهير فهذا لديه له أولوية قصوى، وقد جرب الرئيس القذافي كل شيء تقريباً، حيث طرح نفسه مفكراً يحمل مشروع إصلاح العالم في كتابه الأخضر، وأسس جماهيرية “عظمى”، وقاتل دولاً في سبيل الوحدة، ووضع تاريخاً خاصاً بليبيا، ثم أصبح قاصاً وروائياً، وهو يحرص على الحضور في كل مناسبة على طريقته سواء بحراس من النساء أو بتسريب بيانات القمم للإعلام قبل صدورها، وهو تعوّد على أن يقابل القادة العرب مثل هذه التصرفات بالمجاملة والمداراة، نسي القذافي مقولة اتق الحليم إذا غضب،.. هو يحب نقطة الضوء لكنه لم يوفق كثيراً هذه المرة.
وقد يعتقد البعض أن الرئيس القذافي كان يحاول إجراء تحليل تاريخي لم يحرص على استخدام العبارات المناسبة فيه، فخرج عن النص وقام بدور المنظّر والمفكر في الزمان والمكان الخطأ، لكن الموقف لا يحتمل مثل هذه الدروس التاريخية، ففضلاً عن سوء استخدامها لقلب الطاولة، خصوصاً من رجل يتزعم بلداً بعيداً نسبياً عن الحدث بل أقل تأثراً بتداعياته من الآخرين الحاضرين لهذه القمة، من الذين اكتووا ولازالوا بسبب طموحات شبيه له، هذا من جانب، الجانب الآخر أن من يعتقد أن استخدام الرئيس الليبي لاسم خليج الخنازير بريء هو في الحقيقة واهم فالتاريخ يحفظ للرئيس الليبي استخدامه لهذه الصفة سلاحاً في حروبه الإعلامية مع أهل الخليج، ويضاف لهذا الحدث الذي أعطى للقمة زخماً إعلامياً كانت بحاجة له، أن قمة شرم الشيخ هربت من مبادرة الأمير عبدالله للإصلاح الداخلي، كما هربت من المبادرة الإماراتية، وقنعت برفض الضربة مع علم الجميع بعدم القدرة على منعها!.
قمة شرم الشيخ في الحقيقة هي قمة الأمير عبدالله، وأكاد أجزم أن القمم المقبلة ستكون عملية أكثر.

الإحصاء في التخطيط إذا عرف السبب بطل العجب!

3 مارس 2003

نكتب دائماً ونشكو من عدم وجود معلومات حديثة، إحصاءات وأرقام عن شؤوننا المحلية، في كافة النواحي، نفاجأ كل يوم برقم من هنا ورقم يخالفه من هناك، البعض قنع واكتفى بالحديث عن الفجوات التي يحدثها نقص من هذا النوع، ومن دون إشارة إلى الجهات المعنية أساسا بتوفير مثل هذه الارقام، وإذا بحثت عن مواقع إدارات الإحصاء في الأجهزة الحكومية ستجد أنها تجاور الأرشيف، إلى هذا الحد لا مشكلة، لكن إذا علمت أن إدارات الأرشيف تقبع في أقصى وأصغر ركن، وتحصل على أقل ما يمكن، إذ علمت هذا تسطتيع أن تعي وضع الإحصاءات جيران الأرشفة.. ، هذا هو حال إدارات الإحصاء في الوزارات والمصالح الحكومية، وهي إدارات ذات مسؤولية محدودة تنحصر بالجهاز التابعة له، لكن ما هو حال مصلحة الإحصاءات العامة، الجهاز الإحصائي العام للدولة، المرجع في الارقام والإحصاءات،.. رسالة وصلتني تتحدث عن أوضاع بعض النساء الموظفات في مصلحة الإحصاءات العامة، تلخص الرسالة حالة الاهتمام بالأرقام والإحصاء في أكبر جهاز مسؤول عنه من واقع الاهتمام بالموظفات.. مدخلات البيانات!، تقول الرسالة التي عنونت بالمعاناة المستمرة أن الموظفات متعاقد معهن بنظام المكافأة المقطوعة وبعقود تجدد كل ستة أشهر!!، وبمكافأة ضئيلة لا تتوافق مع الجهد المبذول في إدخال بيانات لمصلحة إحصاءات عامة للدولة، وفوق هذا مشروط في هذه العقود، عدم استحقاق المرأة رواتب عند أخذها إجازات سواء كانت لحمل أو ولادة أو لمرض، إضافة للحرمان من الحوافز والعلاوات ولا أقول الترقيات!، رغم طبيعة العمل وأهميته!!.
عرفت من خلال هذه الرسالة واحدا من أسباب تردي حالة الأرقام في بلادنا، سبحان الله، الذي يكلف بالعمل المضني يحصل على أقل الحقوق
الموظفات أرسلن يطلبن تحسين أوضاعهن وأملهن بعد السميع البصير بمعالي الوزير.

ثقافة ‘التطنيش’

2 مارس 2003

كرت كثيراً في “تطنيشنا” لما يدور حولنا، وهو هاجس قديم…، قدم كثير معوقات تقدمنا، يتقد أحياناً ويخبو أحياناً اخرى، دفع هذا التفكير الى الامام هذه الايام، تعليق للقارئ الكريم فضل الشمري في منتدى الرياض الالكتروني، على مقالي “تحريض يقابله تطنيش”، وفي المنتدى قد يتاح ما قد.. لا يتاح في الزاوية، وهذه من خصوصيتنا المذهلة،.. ما شاء الله تبارك الله.
محاولة نقاش ما طرحه “فضل” لأنه “جزل” ستؤدي حتما الى تشعب الموضوع لدرجة لا نخرج معها الى نتيجة لها حدود واضحة، لأني ارى ان احد معوقات التنمية في بلادنا ما يمكن ان اطلق عليه “الفضفاضية”، وهي وجه آخر لعدم الوضوح في مواجهة القضايا،.. لهذا السبب فضلت يا فضل ان احصر النقاش في جزئية واحدة اشار لها القارئ الكريم خالد التغلبي في تعليق له على “تطنيش” آخر تناوله مقال “عسيسي” عن حقوق متأخرة لأيتام جندي استشهد وهو على رأس العمل.
سأل التغلبي عن الضربة التي تعد للعراق وآثارها ونحن في سبات عميق، ويسألني التغلبي، المتفائل كثيراً في كاتب هذه السطور، عن ما بعد الضربة، دعوني اطرح السؤال مرة اخرى ما هي آثار ضرب العراق على المنطقة وعلينا نحن بالذات؟ ولا اقصد بنحن فضل وخالد وانا!!، حتى لا أفهم خطأ، وكما يفهم البعض، بل اقصد بلادنا وناسنا اولا و… ثانياً جيراننا وبالذات اخواننا في العراق.
الاخبار تقول ان القوات الامريكية تخطط للبقاء خمس سنوات على الاقل!، وكولن باول قال ان النفط العراقي امانة في صندوق الامانات الامريكي!، في المجتمعات غير”المطنشة”، وامام وضع مثل هذا معلن عنه ويسعى لتحقيقه بإصرار منذ مدة غير قصيرة، تتصدى له جهات مثل الجامعات ومراكز الدراسات والباحثين المختصين من اصحاب الشهادات “الكبيرة” خصوصاً الاستراتيجية!، بالبحث والتمحيص والتدقيق، ووضع الخطط والخطط البديلة،.. وهكذا، لكن نحن لا نفعل، لماذا؟، لأن الجامعات مشغولة بالقبول والتسجيل او بصندوق الطلبة وادارة رياض الاطفال!، مراكز الدراسات غير موجودة بشكل حقيقي اللهم الا اذا كانت لوحات فقط، رغم ان وجودها يعني وجود “قرون استشعار”، تجس وتتحسس المستقبل، وتنبه للأخطار قبل وقوعها.
اما تفكير الباحثين، اقول باحثين تجاوزا، من اصحاب الشهادات “الكبيرة” فقد انحصر في السعي الحثيث للمناصب وليت هذا يتم عن طريق الدراسات والبحوث المفيدة، لكان خيراً على خير، لكنه يتم بالقشور والقنوات الاعلامية.
…لماذا نحن هكذا؟
الجواب بسيط، وهو باختصار سيادة ثقافة “التطنيش”، على سبيل المثال… انظر الى وزارة التجارة التي “تطنش” الرأي العام كله بطوله وعرضه ولا تواجه تجار الغش والاحتكار، تطلع الى وزارة الصحة التي “تطنش” انحدار الخدمات الطبية في جانب، وتحولها الى تجارة في جانب آخر، التفت الى تطنيش مؤسسة النقد لجمود البنوك “الوطنية” واستمرارها في الحث على الاستهلاك والأخذ من الفقراء والبذل للأغبياء!، انظر آخر دفعة “تطنيش” للحبيبة اللبيبة شركة الاتصالات التي “طنشت” رأي المشتركين “القائم” فيها ومع ذلك “حصلت” على تغطية مضاعفة، شبه وهمية في الاكتتاب،… اياك ان تنسى “تطنيشنا” لكل ما توقعنا اننا تعلمناه من حرب تحرير الكويت!.،.. وليس هذا من ذاك.. بل ذاك من هذا؟، والامر برمته من “وهم” يقول.. “طنش.. تعش”!!.