أرشيف شهر أكتوبر 2003

شفافية أم تشفيه!

8 أكتوبر 2003

من الواجب على الجهات الرقابية في بلادنا أن تحقق فيما حصل يوم الاثنين الماضي في سوق الأسهم، لقد تم إيقاف تداول سهم شركة الكهرباء من دون إحم ولا دستور، هكذا ، وأصبح السوق مناخا خصبا للشائعات، بين متفائل ومتشائم، وجلس المتداولون في ظلام دامس ، ثم أعلن على شاشة الأسهم أن لدى شركة الكهرباء إعلاناً ستبثه ومن ثم يعاد التداول، ولم يحدد ماهية هذا الإعلان؟، فهل هذا هو فهم ساما للشفافية؟،
والإعلان الذي ظهر قال “إنه تم إيقاف التداول..الخ”، خبر قديم للمتداولين فهو بظهوره بهذا الشكل المتأخر والمحتوى الفارغ يؤكد أن من يدير الشاشة بعيد عنها،بل إن الخبر وصل للصحف وتداوله الصحفيون بعد ظهر يوم الاثنين ولم يبث في تداول بعد ساعات من وصوله للصحافة!؟.
كثرة حركات من هذا النوع وعلى أسهم شركات قيادية في السوق تستدعي سرعة التحقيق وإعلان نتائج هذا التحقيق وتشير مثل هذه الممارسات إلى خلل كبير في هذا السوق المهم،
حسنا من أين يستمد هذا السوق أهميته في هذه المرحلة؟
يستمدها كما يعلم الكثير من اتجاه الدولة إلى التخصيص، والذي يوصف ويقدم حاليا على أنه الحل الناجع والوحيد لكل مشاكلنا الاقتصادية!، إذا كان لدينا سوق أسهم “بهلواني” بهذا الشكل فهل سينجح التخصيص؟، إن ما حدث يوم الاثنين وما حدث قبله على فترات مختلفة يضعف الثقة في الاستثمار، لنترك تضرر صغار المساهمين والمتداولين “على جنب” ، فمن سيهتم بالصغار!؟، لكنه يفقد الثقة ويعلن أن سوق الأسهم غير صحي ننصحك بالامتناع عنه.
باستمرار هذا الوضع لن تنجح خطط التخصيص وسيتم لإنجاحها العمل بأسلوب تخصيص شركة الاتصالات، والدعاء الحار للتسهيلات البنكية..للكبار!.
أطرف ما في موقع تداول الرسمي التابع لساما هو هذه الجملة التي تتصدره “مرحبا بكم في موقع تداول. وهو الموقع الرسمي لسوق الأسهم السعودي. وهو المصدر الوحيد لمعلومات السوق، ومعلومات الشركات، والمعلومات الأخرى الخاصة بسوق الأسهم السعودي والشركات المدرجة فيه”. لاتنظر إلى ركاكة الأسلوب انظر إلى أن المصدر الوحيد لمعلومات السوق ليس لديه أية معلومة إلا بعد أن “تمص عصاصها”،حينئذ تبث على الهواء، كان الأولى بإدارة السوق أن تعلن عند إغلاق الأحد عن ماذا ستقدم عليه شركة الكهرباء وتخبر الناس بإيقاف التداول، ليوم الغد، ويبقى الإعلان على الموقع الرسمي طول الفترة، والذي تابع البيع والشراء على سهم الكهرباء طوال الفترة الماضية يستطيع توقع تسرب خبر “رسملة المبالغ المتبقاة في ميزانية شركة الكهرباء”، لصالح المساهمين، وبدلا من أن تكون هذه المبالغ احتياطا لشركة تبحث باستماتة عن التمويل لمشاريعها الضخمة و الملحة ذهبت هكذا،”الله يرزقنا و ياهم ..آمين”، الغريب أن الشركة نفت هذا الخبر قبل اشهر!؟، و”تكرفس” أناس كثر بسبب ذاك النفي.
نعود إلى سوق الأسهم التي ستتحول قريبا إلى بورصة ،لنطرح سؤالا بريئا يقول هل ستحمل هذا البورصة نفس الأمراض المصاب بها سوق الأسهم؟، دعونا نتفاءل ونتمنى أن تكون بورصة جديدة شكلا ومضمونا، هذا إذا أردنا تحسين المناخ الاستثماري، وجذب مزيد من الأموال المهاجرة، ومثلما بدأت هذا المقال بطلب التحقيق فيما حصل حفاظا على الثقة في السوق التي تضررت، أطرح سؤالا على المجلس الأعلى للاقتصاد، عن الفائدة التي جنتها الدولة على المدى المتوسط والطويل من هذه الرسملة، لتعم الفائدة؟.

حفرة البنك الدولي وشقيقه ترحب بكم ( 2من 2)

7 أكتوبر 2003

بالتأكيد المملكة ليست دولة فقيرة، إجابة على سؤال يوم أمس، لسنا فقراء لا في المال ولا في الرجال، لاننسى أن المملكة من الدول المانحة!، ولديها أكبر مخزون نفطي، لكن بلادنا تعاني من مصاعب في الإدارة والتمويل، وتعاني من بطء في اتخاذ القرارات، وآخر مثله في تنفيذها وإشكاليات متعددة في آليات التنفيذ، لكن كل هذه المصاعب يمكن التغلب عليها بدون الاعتماد على الوصفات الجاهزة والمميتة للبنك والصندوق الدوليين، والتمويل وأساليب الخصخصة متوفرة بطرق عديدة الثمن المدفوع لها أقل خطورة مما سيزرعه البنك والصندوق في اقتصادنا، والاستئناس بطروحات البنك الدولي والصندوق الدولي أو تجاربهما أمر مفيد لكن الخطر من قبول الوصفات الجاهزة على علاتها، إن ذلك مثل حشر الجسد في ثوب على غير المقاس لأنه تمت خياطته بأصابع خياط أجنبي لا يعرف مقاسات هذا الجسد، بل لبسه أكثر من جسد وعانى منه، قد يخنقه أو يسبب له إعاقة دائمة، ومن معرفة بواقع الحال فإن الخبير لدينا خصوصا إذا كان بعيون خضر أو زرق يعطى قيمة كبيرة ويسلم الخيط والمخيط، ولاتنزل استشارته الأرض، بل إنه يصبح حلال المشاكل وصاحب اللمسة السحرية لبعض المسؤولين، وحتى لو لم تكن عيون الخبير زرقاء ولكنه يقدم نفسه باسم البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي فهو يحصل على نفس المستوى من الإصغاء، ومن مشاكلنا أننا نحب التصوير، النسخ، حتى في الدراسات، وما أكثر الدراسات والخطط لدى البنك والصندوق، التي يمكن نسخها على ورق رسمي لهذه الوزارة او تلك الهيئة، لتظهر مثل ابن شرعي لها، ويظهر أن مقولة العرب لايقرأون صحيحة للأسف فيما عدا قراءة الروايات وكتب السير الذاتية المتعرية، وهي تنطبق علينا نحن السعوديين للأسف، لماذا أقول ذلك؟، لأن أحد كبار الاقتصاديين في البنك الدولي نشر كتاباً عن سلبيات العولمة العام الماضي، وعن البنك الدولي وصندوق النقد، يقول جوزيف ستيجليتز، إن هاتين الهيئتين ظلتا أسيرتين للإرادة الجماعية للدول الصناعية الكبرى، وتنفذان ما يتفق مع مصالح هذه الدول . والكتاب الذي لم يترجم لدينا للأسف حافل بالمعلومات المهمة لنا في هذه المرحلة. أقترح ترجمته ولا أعرف لمن أقدم الاقتراح!؟.
إن المتتبع لأحوال دول أمريكا اللاتينية يعلم علم اليقين أنها كانت ولاتزال أكبر محطة لتجارب، يسمونها نصائح، البنك الدولي وصندوق النقد، وأنهما كانا أداة سياسية بثياب مالية اقتصادية، أي المشورة وتوفير القروض وضبط الاستقرار النقدي الخ..، والأعمى يرى أوضاع تلك الدول من كافة النواحي، والأصم سمع صراخ المتظاهرين في الأرجنتين وفي كل مكان يحل فيه اجتماع للبنك والصندوق.
والذين يفكرون ويعملون ويجتمعون الآن لإصلاح الاقتصاد والخصخصة وتوفير تمويل لمشاريع المملكة من الخارج أو بوساطات خارجية مكلفة، عليهم أن يتذكروا أن هناك أموالاً سعودية في الخارج لا تقل عن سبعمائة مليار دولار في حالة تيه خارجي، وفروا لها الفرص والضمانات والشفافية الحقيقية وليس المصطنعة، وستعود إلى الاقتصاد الوطني، ثم إن المتابع لسوق العقار والأسهم يرى أن هناك سيولة ضخمة تغطي كل ما يطرح بسرعة البرق، هي أموال تبحث عن منافذ استثمارية، إذاً ابحثوا عن المعوقات وأزيلوها، بدلا من الوقوع في حفر تجارب سقطت فيها دول أخرى، وتكبلت بديون خارجية وأعباؤها معلومة على البلاد والعباد، يكفي أن تنظروا وتقارنوا بين ماليزيا والأرجنتين.

حفرة البنك الدولي وشقيقه ترحب بكم ( 1من 2)

5 أكتوبر 2003

نبدأ من حيث تورط الآخرون!، هذه حقيقة شواهدها أمامنا، نرى الأرجنتين ومعها تجارب عشرات الدول التي سقطت و”تكرفست” في حفرة البنك الدولي وشقيقه الصندوق الدولي، ومع ذلك نذهب بأرجلنا لنفس الحفرة، وكأن معنا معدات تسلق خاصة، نرى الصعوبات التي تواجهها مصر اقتصاديا واضطرارها لتخفيض عملتها ورغم ذلك نؤمن بطروحات البنك والصندوق إلى درجة يصبح فيها البنك مسؤولاً حتى عن تخصيص الصوامع!!، وغيرها، مستشارو البنك والصندوق الدوليين في كل مكان، يختفون وراء مكاتب بعض الوزراء وكبار المسؤولين عن الشأن الاقتصادي ، ويُعتمد اليوم على طروحاتهم “السامة” لإصلاح الاقتصاد، وهذا الوصف ليس من عندي فقد طرحه(جورج مونبيت ) في صحيفة الجارديان ونشرت جريدة الاقتصادية ترجمة له، وهو يسميه الدواء المميت او القاتل.
صورة من صور تسليم المفتاح التي اعتدنا عليها ، دع الخطة لنا واستمتع بالرحلة أو التصاريح الإعلامية، لكنها أية رحلة تلك، وإلى أين تتجه؟، أي نفق مظلم ستدخلنا فيه، وما الذي يميزنا عن عشرات الدول التي عانت من هاتين الهيئتين ووصفاتهما، هل ستحمينا خصوصيتنا يا ترى من الانزلاق في وحل اقتصادي غرقت فيه دول عديدة؟، دول استنجدت بطوق النجاة من البنك وشقيقة الصندوق فدخلت في متاهة وكبل اقتصادها وتخلخلت اجتماعيا وسياسيا، فقدت الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ولم ينجُ منها إلا من أغلق الباب في وجه البنك والصندوق الدوليين، ولكن بعد دفع ثمن باهظ ،ولا نكتفي ..،بل نصر على إغماض أعيننا عن تجارب ناجحة لدول رفضت استشارات البنك والصندوق وشروطهما وقفزت وتقدمت وازدهر ت رغم مرورها بكوارث اقتصادية، بل تنوعت وتوسعت قاعدتها الاقتصادية التي دائما ما نحكي عن تنويعها لدينا، خذ ماليزيا مثلا ناجحا، خذ الصين مثلا ناجحا أخر، خذ روسيا مثالاً صارخا على حفرة البنك والصندوق العميقة المظلمة، لماذا نبدأ من حيث تورط الآخرون، و ما الذي يجعلنا نعتقد أنه لن يصيبنا ما أصاب تلك الدول، الأرجنتين أعلنت مؤخرا عدم قدرتها على تسديد ديونها وطالبت بجدولتها، يعني أنها أفلست، ومع ذلك نسلك نفس الطريق الخطر ، رغم كثرة لوحات التنبيه عن الأخطار، طريق منزلق،احذر صخور متساقطة، كأن لدينا حصانة خاصة، مناعة من نوع نادر، نرى كل مظاهر السخط الشعبي العالمي والنقد اللاذع لسياسات البنك والصندوق،ونصر على احتضانهما، ليدخلا، ليحلا ويربطا في اقتصادنا، يخصصان ويهيكلان. هل السبب أن المستشار خواجة، أو يشبه الخواجه لأن شبيه الخواجة في حكمه، وهذا من أحكامنا البيروقراطية نراها عيانا بيانا في التوظيف، “ياخبير خلصنا من هاللي صار”.
البنك الدولي يوفر استشارات و شهادات حسن السيرة والسلوك الاقتصادي، من وجهة نظره، التي عند تقديمها تتمكن الدول…الفقيرة و المحتاجة من الحصول على تمويل، بعد أن يضع البنك مع الصندوق الدولي شروطهما، لا تسألني عن ثمن هذا التمويل؟، ولا من أين سيأتي؟، المعنى الذي أريد الوصول إليه أننا لسنا دولة فقيرة.
فهل أصبحنا دولة فقيرة يا ترى؟.

أرحام مستأجرة

1 أكتوبر 2003

لعل من أعاجيبنا أن كثيراً من الأفكار تنشأ محلياً لتطبق في الخارج، وسيتم تصدير منتجاتها لاحقاً للداخل، يمكن لي القول إنها من خصوصيتنا، صحف ومطبوعات كثيرة، محطات تلفزيونية، بنوك إسلامية، جامعات أهلية، مصانع، كتب الخ، لك أن تعد في كل المجالات، كلها تشيد في الخارج، كان هذا الخارج بعيداً جداً ثم أصبح يقترب ببطء.
صحيح إنها أفكار ومشاريع للقطاع الخاص مما قد يعني أن وراء خروجها قراراً خاصاً وغير رسمي، وهذا كلام غير دقيق، هو القطاع الخاص أو من يراهن عليه الآن، مع هذا الرهان وليتحقق النجاح، لم لا يتم تغيير ذلك التوجه القديم؟ تجاوز الحذر المبالغ فيه والذي يجعل أي فكرة جديدة علينا تُرفض أو لا يُرحب بها ويتم تجميدها، لتفر هي وأصحابها إلى رحم خارجي، مع ما في ذلك من خسائر على الاقتصاد الوطني، وفرص مهدرة لتوفير وظائف للعاطلين، ونحتاج إلى عقود ومتغيرات عديدة لإعادة النظر في مثل هذه التوجهات.
نعم لهذه البلاد شروطها للاستثمار، لكن ليس كلما نشأت فكرة هنا ولم تستوعب في وقتها ونجحت أو أخفقت في الخارج لا تنطبق عليها هذه الشروط، مادام هناك احتياج داخلي لمنتجات أية فكرة أو مشروع، فلماذا لا نبادر في احتضانها داخلياً، ونحن الذين نسعى بكل ما أوتينا من نشاط لجذب الاستثمارات الخارجية! ونوفر لها كل ما تحتاجه، في حين تحتضن أرحام مستأجرة كثيراً من المشروعات سعودية رأس المال التي كان من المفروض ان تكون هنا بيننا، إنها من أعاجيبنا، خذ مثلاً آخر من أعاجيبنا، في الهيئات والمؤسسات العربية والإسلامية والدولية التي نشارك في دعمها بل بعضها تتواجد مراكزه الرئيسة في بلادنا ونحن آخر من يستفيد منها على كل المستويات! توجه أو هو طريق قديم ذو اتجاه واحد يجب إعادة هندسته ليتوافق مع المتغيرات والحاجات الملحة، ولأن الشيء بالشيء يذكر بل ان الأعاجيب تذكر بالأعاجيب فإننا نرى صوراً صحفية مبتسمة لبعض من مواطنينا من رجال الأعمال الميسورين، وهم يُشكرون “بضم الياء” أو يوقعون اتفاقيات على تبرعات “جزلة” في الخارج لجامعات ومراكز في حين لا نرى ولا نسمع عن تبرعات لهم تستحق الذكر في الداخل لا لزيادة عدد مقاعد جامعاتنا المتخمة، ولا لإنشاء مراكز تعليم مجانية أو ميسرة التكاليف، ولا لصندوق الفقر، ولا لفقير..، فهل هذه الأعجوبة الأخيرة من تلك الأعاجيب!؟