أرشيف شهر ديسمبر 2003

الشيك الذهبي وشيك “البلاكاش”

30 ديسمبر 2003

مثلما أن هناك بند الساعات ،هناك بند الخواتم والمشالح، لكن بند الساعات هو أتعسها، فهو مربوط بالساعة من طرف واحد يتقلب بتقلباتها ،رقبة موظف الساعات معلقة بالعقارب، كان للساعة شنة ورنة ثم أصبحت تباع بالكيلو غرام في سوق البطحاء، ثم جاء بند الساعات ليوجد صيغة جديدة للرق، رقيق حنطي أو أسمر أرجو أن لا تكتب “دقيق”، ونحن في البرد والدقيق يزداد إاستهلاكه وينتج منه أكلات شعبية متعددة كلها من مصدر واحد، مثل موظف بند الساعات ينتج كل شيء بمكافأة واحدة ثابتة وبلا أية حقوق تماثل حقوق الموظف الرسمي الذي يجلس إلى جواره،
بند الساعات صيغة مؤقته تحولت إلى دائمة اعتمادا على “سوف” مثل كثير من “أفكارنا” وحلولنا.
قبل أيام عقدت في تبوك ندوة لأربعين شخصية من قيادات شركة الاتصالات تحت عنوان ” بيئة العمل وأثرها على الأداء”، تناولت دور “القيادات” الإدارية في إيجاد بيئة عمل “مثالية”.
“ياملح هالعناوين”!،.. بيئة مثالية و”دور” القيادات،صحيح دور عليهم يمكن تلقاهم.
مثل هذه الندوة هل طرحت موضوع حل وضع الآلاف من موظفي بند الساعات في شركة الاتصالات، إذا كانت القيادات تحصل فعلا على بيئة عمل مثالية، حسب قرارها الذي تنفذه بيدها، ويكفي أن لديها طيب الذكر الشيك الذهبي ذو الطعم الذهبي، فهل فكرت هذه القيادات في أوضاع هؤلاء الشباب وإلى متى وهم يعملون سخرة، وضع لا ترضى به أية جمعية للرفق…بالإنسان. شركة الاتصالات تحقق أرباحا “خرافية” بل و”بعارينية”، ليس لديها مشكلة مالية فلماذا الاستمرار في مص عرق الشباب، واستغلال حاجتهم للعمل بأبخس الحقوق في حين تتسنم القيادات على بند الخواتم والبشوت والشيكات الذهبية.
لقد تم استغلال حاجات الشباب والشابات عن طريق البنود للعمل في القطاعين الحكومي والخاص لكنه في الخاص أبشع ولازال مستمرا، فالموظف هنا معلق في الهواء عليه كل الواجبات وليس له أية حقوق، كان عقد موظف هذا البند في الاتصالات يوقع لثلاثة أشهر ثم أصبح لستة أشهر وهو يحصل في الشهر على مبلغ عشرين ريالا على الساعة، مقسم إلى التالي:
17ريالا واربعون هلله أجرة الساعة شاملة بدل النقل وبدل السكن!!!،ريال وثماني وثلاثون هلله تعويض إجازة!!، إثنتان وسبعون هلله، أكرر هلله.. تعويض مكافأة نهاية خدمة!!، نصف ريال فقط لا غير بدل علاج!!.
أعجبني نصف ريال بدل العلاج، فهو يشير إلى اهتمام بصحة الموظف في بيئة عمل مثالية، يظهر أنها بيئة عمل “تمثيلية”.
لا يحصل الموظف على إجازات فهو “فريره”، ماكينة، الإجازات الرسمية الحكومية تخصم من راتبه!، الإجازة المرضية غير معترف بها، موظف بند الساعات يجب أن لا يمرض ولماذا يمرض…وهل هو خط هاتفي!؟. في عرف شركة الاتصالات فإن موظف هذا البند داخل نطاق الخدمة في كل دقيقة من الساعة بعكس الجوال أو خدمة الأنترنت!.
كل موظف من هؤلاء الآلاف يعني أسرة سعودية، عندما ينبش كبار المسؤولين هذا الموضوع بعدما تصلهم الشكاوى يقال لهم أنهم من الطلاب، كأنها وظيفة جانبية لا يعتمدون عليها مصدر رئيسيا للرزق، وهذه معلومة غير دقيقة ،فليس كلهم طلبة، ثم حتى لو كان بعضهم من الطلاب هل يجوز هذا؟ أليس هناك طلاب يقومون بعائلاتهم.
حتى الخدمة لا تحتسب ، والدورات لا يحصلون على شهادات عليها ، وفوق هذا فإن موظف بند الساعات هو الذي يقوم بالعمل الثقيل، استقبال الجمهور في المكاتب والرد على هواتف الخدمة.
ولا يطلب هؤلاء شيكا ذهبيا ولا خشبيا لكنهم لا يستطيعون العيش بشيك “البلا..كاش” !، هم يطالبون بأبسط الحقوق الإنسانية..العمالية، واستمرار هذا الوضع نقطة سوداء كبيرة في جبين وزارة العمل التي لم تستطع حمايتهم، وهو أيضا نقطة سوداء أكبر في جبين قيادات شركة الاتصالات، وهو أمر لا يرضي الله تعالى وفيه ظلم واستغلال كبير.

ألو.. أنا البرادعي!

28 ديسمبر 2003

أصبح استقبال مثل هذا الاتصال أمراً مرعباً…مثلما صور لنا ذلك مسلسل مصري قبل سنوات، لكن البرادعي هذه المرة شخصية حقيقية ويريد تفتيش كل شبر إلا دويلة العدو الصهيوني.
لم تكن أسلحة الدمار الشامل العربية إلا سلاحا في يد الحكومات ضد الشعوب، في غير هذا الاتجاه كانت أسلحة الدمار “الخامل”، لذلك لا يأسى أحد على قرار ليبيا الثوري، كانت المفاعلات النووية عند العرب “مو.. فاعلة” بامتياز،استخدمت مثل النياشين لتجميل الأنظمة، واستغلت لامتصاص خيرات البلدان، فكان تجار الأسلحة هم الفائزين، والشعوب هي الخاسرة.
جملة أسئلة يدفع إليها قرار ليبيا الثوري الجديد، فهل هو قفزة غير محسوبة في الهواء؟.
الرد البارد من الولايات المتحدة الأمريكية جعل الإجابة صعبة على هذا السؤال، احتفظت إدارة بوش بالعديد من الأوراق على الطاولة والحبال حول العنق،والمؤكد أن الدافع لقفزة الجماهيرية العظمى هو حالة من القلق والتوجس والاتعاظ، وهي خطوة استباقية لمواصلة البقاء، ومثلما شاهدنا رأي العين سقوط حزب البعث فكرا وأسلوب حكم، نشاهد الآن مشهدا جديدا من سقوط فكر الأنظمة الثورية، إذا كان لديها فكر، لكن الثورة تبقى ليس مهماً في أي اتجاه فالمهم هي الثورة، لذلك كان القرار الذي تلي على “لسان” وزير الخارجية الليبي ثوريا بكل معنى الكلمة، أستطيع أن أعتبر هذا القرار أول توابع زلزال صدام، بدأت هذه التوابع في السر قبل تسعة أشهر، وفي نفس الاتجاه الثوري تأتي مغازلة بارد القلب الأمريكي قفزاً باتجاه دعوة “محور الشر”! ووضعه تحت المجهر للتخلي عن أسلحته، كأنما هو القول بأن الأسلحة هناك..نحن لم يعد لدينا شيء، وكأن مبدأ المزايدة “الثورية” هو الأصل.
والجماهيرية العظمى تعيش حالة ثورية مستمرة، وبعد ثورة تعويضات تكاد تصبح معها أكبر “معوض” في التاريخ الحديث، تأتي ثورة التوقيعات، هاتوا كل ما لديكم يا سادة سنوقع اليوم وليس غدا، نحن من يتصل بالبرادعي، لم يعد هناك عدو إمبريالي، بل أصدقاء يطلب منهم علنا الحماية.
فشل الزعماء العرب في قراءة آثار سقوط الاتحاد السوفياتي على العالم،أخفقوا في تصور خريطة العالم والسياسة بعده، لكن يظهر أن الزعيم الليبي قرأ جيدا آثار سقوط صدام قبل تسعة أشهر، تمعن فيها ليلة سقوط التمثال، فبدأت المفاوضات، ويرى أحد الساسة العرب أن هذا القرار من “الواقعية السياسية”، لم يحدد هل هي فهم للواقع أم تحسب للوقوع، ولابد أن الشعوب العربية تضحك بألم على زعمائها بعدما بكت دماً كثيراً منهم، فلم يكن أحد يطلب من دول صغرى أن تقارع دولا عظمى، ولم يكن أحد يريد زيادة عرض أكتافه حشوا بالخرق وقطع الإسفنج، كانوا يريدون فقط العيش الكريم..كرامة البشر.
ولأن المنطق الثوري هو المبدأ الذي لا محيد عنه، فمن المتوقع أن تزداد وتيرة المزايدات السياسية الاستباقية الثورية، والمشكلة أن الأمريكي يحمل عصا في كلتا اليدين ومن دون جزر أو بصل، وشاهدنا صدام حسين قبل الحرب على العراق يقدم التنازل تلو الآخر، دخل المفتشون حتى القصور الرئاسية، وقبل هذا قدم صدام نفسه اعتذارا علنيا ولو كان ناقصا، ولم يجد ذلك كله، تأخر صدام في تلبس الدور الجديد، استنفد مهلة عقد من الزمان، لم يستثمره كما يجب في فقه سياسة الواقع، استمرأ دور البطل القوي ولم يستطع إجادة دور غيره، فكان أن غضب المنتج المخرج على تمرد البطل فتم إسقاطه، في السياسة كثير من فن التمثيل وسرعة لبس الأقنعة، الأمر الجديد أنه أصبح على الهواء مباشرة، ويا تلحق وياما تلحق. ولو وضعت إدارة بوش دوائر حمراء على مسميات الدول على اعتبار أنها الدولة العظمى الوحيدة تقريبا، وأن هذا الاسم لا يليق إلا بها لتغير في لحظة اسم الجماهيرية العظمى إلى الصغرى إنه فن الواقعية السياسية.
السؤال الساخن يقول ما هو الثمن لمثل هذه القفزة الذي ستبدأ في دفعه العديد من الدول العربية، في ظل تحول الصراع للعلن تأكيدا على الانقياد والطاعة ولو قفزاً.

نصائح استثمارية عائلية

25 ديسمبر 2003

إذا كان لديك شركة عائلية فهذا هو أفضل الأوقات لطرحها للاكتتاب، ستحقق من وراء ذلك فوائد كثيرة لا تقدر بثمن، سوف تحصل على أضعاف قيمتها مع احتفاظك بالنسبة الكبرى من أسهمها.
تصور أن ذلك من السهولة بمكان، هذا ما يوفره لك اقتصادنا “الحر”، إنه يضمن لك أن تسعر سهم شركتك بالثمن الذي تراه مناسبا، وتضع علاوة الإصدار التي تراها أنت “منصفة” ، لن يتدخل أحد لأن اقتصادنا الوطني المتطور يقوم على مبدأ “أهل الشركات العائلية أدرى بشعابها”، ولأن شعاب هذه الشركات ممتدة و تسيل دائما، ضع السعر الذي يناسبك ولا تتردد ستجد قبولا وترحيبا، ومن المهم قبل ذلك أن تختار “صفوة ” من كل تخصص، تنتقيهم بعناية منظرين وأكاديميين وصحفيين ومسؤولين ليساعدوا في التعريف والتوعية الاستثمارية بمنجزات شركتك العائلية العملاقة، بعضهم سيعمل معك في العلن والعلاقات العامة والبعض الآخر في الظل يقدم خدمات لا تقدر بسهم .
ضع السعر الذي يناسبك وتذكر أن لا أحد يعرف قدر شركتك مثلك ، لا تقارن شركتك بشركات أخرى على الإطلاق ، لأن أهل الشركات العائلية أدرى بشعابها ، ومن الاكتتاب والطرح الذي هو في الحقيقة جمع ستحصل على أضعاف ما قدمته للناس، قد تصل إلى تسعة وتسعين ضعفا ، تذكر بصاحب التسعة والتسعين نعجة، ومع ما دخل جيبك من هذه “الأرباح” لقاء الجمع الذي يسمى طرحا ، ستبقى مسيطرا على كل شيء في شركتك العائلية، تعود إليك وهي أسمن وأكبر.
قد لا تصدق أن ذلك بإمكانك لكن نظرة منك إلى الخلف لشركات قامت بذلك قبل سنوات وأخرى تقوم به الآن سوف تساعدني في إقناعك .
حول شركتك العائلية الى مساهمة الآن، هذا هو أنسب الأوقات قبل فوات الأوان. ومن النصائح وأنت الآن تفكر في الطرح أن تزخرف دراسات جدوى وإمكانيات مستقبلية بأسماء شركات يفضل أن تكون أجنبية ولا مانع من “الوطنية”، فالأخيرة سلعة رائجة، واحرص على أن تكون هذه الشركات متخصصة جيدا في “الأصول” حتى تقدر أصولك بما تتمنى، تقدير الأصول هو الطريق الأمثل للوصول، وقبل أن تزف شركتك العائلية المساهمة إلى التداول ليصبح سهمها في التناول ويعم نفعها الجميع ضع طلبات لسهمك بسعر أعلى ، لا تنسى أن التداول حر مثل اقتصادنا، مثل هذه الطلبات ستقنع المشككين والمترددين ممن ينقصهم الوعي الاستثماري الحديث، وهي دليل على متانة الاقتصاد الوطني وقوته الجبارة.
هذا هو الاقتصاد الحر وهذه هي حرية الاقتصاد، والذين لا يتجانسون مع هذه الرؤية هم حساد ومتخلفون معرفيا ولا يفرقون بين الاكتتاب والكباب ولا بين الجمع والقسمة، لكن لا تتركهم يؤثرون عليك واطرح شركتك العائلية الآن.
ومن هذا المنبر أرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مؤسسة النقد العربي السعودي ومعها كل الجهات المسؤولة عن الشركات المساهمة و الاستثمار وتداول الأسهم، الشكر والتقدير والتهنئة لما وصل إليه اقتصادنا طوال هذه الحقبة الاقتصادية من نهضة مباركة، ومنجزات عملاقة تسجل أول ما تسجل لساما وللقائمين عليها، وسجلها ويسجلها التاريخ بأحرف حمراء ، حقبة اقتصادية متحررة من كل القيود والأغلال، وفرت طوابير العاطلين، ولهفت الادخار ، ودفعت الناس دفعا إلى السقوط في حفرة الاستهلاك وألزمتنا ببناء صندوق للفقر لم يحدد له طول ولا عرض ولا نعرف عمقا لقاعه .

أحمد الله أنني لست أمريكياً

23 ديسمبر 2003

أحمد الله تعالى أنني لست أمريكياً،لا بالأصل ولا بالتجنس، ولا بالعلاقات العامة، ولا حتى بكتابة “الانطباعات” تطوعا أو تقربا بمكافأة مقطوعة أو مستمرة .
الأصل لم يكن متاحا لي لأسباب لا تخفى عنكم ، لكن التجنس لم يكن صعب المنال، وكتابة “الانطباعات” تعرض استماراتها للبيع في حفلات الاستقبال ، كل ذلك كان متاحا مثلما أتيح للبعض ممن تجنسوا بالجواز أو الزواج الفكري، السبب في حمد الله تعالى الذي يحمد في كل حال ولا يحمد على مكروه سواه ، السبب هو اعتقادي أن الأمريكي الذي يفخر بانتمائه لدولة عظمى تقول إنها تقود العالم، تصول وتجول في أرجاء المعمورة، تحدد الصواب من الخطأ، الشرير من الطيب، الإرهابي من داعية للسلام، الشرعي وغير الشرعي، هذا الأمريكي لابد أنه في مرة من المرات قد شعر بالخجل من علاقة حكومته الخاصة بالدولة الصهيونية.
وأحمد الله تعالى أنني لست سفيراً للولايات المتحدة الأمريكية في أي بلد حتى ولو كان بعيدا عن وسائل الإعلام مثل كوكب المريخ أو زحل، والسبب أنه ربما في حفل ما أو مناسبة قد يطرح علي سؤال عن سبب خضوع سياسة دولتنا العظمى لمصالح إسرائيل الصغرى، ولا أعرف كيف الإجابة، وسأشعر بالضعف والوهن وأنا ممثل للدولة العظمى التي تحكم العالم ، سأكون في حالة قلق دائم من سؤال يستقر على طرف كل لسان يقول، من يحكم بلادكم هل هو جورج بوش الابن أم شارون الأب؟.
وأحمد الله عز وجل أنني لست مبعوثا أمريكيا لا متجولا ولا “متسدحا” ، لملاحقة أية قضية، سواء كانت خفض ديون أو إغراء بعقود إعمار، أو تركيع وابتزاز دولة ما، لأنني لن أستطيع الإجابة عن علاقة حكومتي الأمريكية الخاصة والمريبة بدولة شارون، لن أتمكن من الإجابة على أسئلة من هذا النوع، وأنا محتفظ بكامل كرامتي ومن ورائي كرامة دولة عظمى تتسيد المعمورة وكرامة عشرات الملايين من الطيبين الفخورين بكونهم أمريكيين.
لن أستطيع الإجابة على أسئلة من عيار،
هل أمريكا دولة مستقلة بالفعل؟، ومن يقود الفيل والحمار؟، لن أستطيع مهما كان في جعبتي من ثراء دبلوماسي الرد على مثل هذه الأسئلة، كما أنني لو كنت أمريكياً لما أستطعت الإجابة على أسباب تراجعات القرارات الامريكية المنتقدة لإسرائيل قبل أن يجف حبرها، لن أتمكن من الرد على إهمال البيت الأبيض لمواطنين أمريكيين منهم شابة قتلتها بوحشية الجرافات الإسرائيلية في حين تهتز أركان هذا البيت إذا ما أصيب إسرائيلي بخدش، ويعلو صراخه لأجل مسلسل تلفزيوني بسيط.
لن أتمكن من تبرير الحرب على الإرهاب وجنودي يزرعون الإرهاب في العراق لا يفرقون بين المقاتل والنساء والأطفال وحكومتي لا تتغاضى عنه في فلسطين بل تضع له المسوغات .
لن أنجح في إقناع العالم برسالة السلام والديموقراطية وحقوق الإنسان التي تروج لها حكومتي بلسانها وتمارس نقيضها، لن أستطيع إقناع أحد كيف تطالب حكومتي بمحاكمة مجرمي الحرب وتستصدر قراراً بحصانة جنودها من مثل هذه المحاكمات، وتضغط قبل ذلك لإجهاض محاكمة مجرم حرب اسمه شارون.
لكل هذا ولكثير غيره أحمد الله تعالى أنني لست أمريكياً، ولا يقلل هذا من احترامي للشعب الأمريكي الطيب المسكين الذي ترتكب هذه الفظائع باسمه، الشعب الذي ينتظر منه العالم أجمع أن يقول كلمته.

أشأم من صدام

21 ديسمبر 2003

صعد صدام على سلم الخيانة والمؤامرات ، فسقط بذل عولمي أسفله، وبكى آخر عهده شاكياً من الخيانة، بدأ بخيانة الرفاق وانتهى بخيانة شعب العراق فخانته نفسه ، تهاوت بطانته، وكأن القدرة الإلهية العظيمة تريد أن يبعث أمين سر حزب البعث من قبره علنا و حيا ليكون آية للناس، انتظر صدام ثلاثة عقود من الحكم والسيطرة ليظهر للناس على الفضائيات ذليلا مهانا، وكأن القدرة الإلهية الجبارة أرادت أن يعم البيان والإنذار لأولى الألباب في المعمورة، فجر صدام بالعراق فقتله وأسره طوال ثلاثة عقود، أعاده إلى الوراء سنوات عجافاً، دفن و شرد شعبه واصطفى حزمة من المنافقين والأبواق التي تسبح بحمده.
ومثل ديدان تصول حول جثة متعفنة ، ينبت النفاق حول الدكتاتور كالأشجار المتسلقة تلتف أغصانها حوله ويتباهى بها يصنعها، يسقيها ثم يصدقها، أول ما ينبت حول الدكتاتور هو أول ما ينهار تحته ، تتحول الأغصان المتسلقة إلى قيود وأغلال، تمتص دمه ثم تتركه ما أن يجف. لطالما مد المنافق البساط الأحمر مزركشاً أمام سيده، لطالما هز رأسه موافقا، ولطالما قفز المنافق طالبا النجاة ما أن يسقط سيده.
قتل صدام وسحل وفرم بشراً لا نحصي لهم عدداً، وباسمه ولأجله قام بعض زبانيته بالقتل والإذلال والتشريد ثلاثة عقود لكن كل ذلك سيطوق عنقه وحده، وبالدولار اشترى صدام أقلاماً وألسناً فسبحوا بحمده ردحا من الزمن بعضهم توقف مع توقف الضخ، وبعض أستمر في عناد يشبه عناد سيده، غالبا ما يصاب التابع بأمراض المتبوع.
القائد الضرورة ستصبح الضرورة لرقبته غاية الضرورة، تبخرت كل الأوسمة والنياشين والألقاب، ضاعت الحكمة والإلهام التي طالما أوقفت عليه، مثل كل زيف وصدأ طارئ، لكنها الحكمة الإلهية، إراده سماوية، يدفع الله الناس بالناس، تعامل صدام مع البشر تعامله مع الحشرات، صال وجال مثل طاووس مغرور، علا واستكبر وطالما رفع يده بخيلاء وتكبر، طالما أستعرض الجنود مثل عيدان الحطب، لكنه في النهاية انتهى وحيدا في قبر ، حياً أشبه بالميت، وبقي تشبثه بالحياة في أعلى القائمة، رغبة قوية جعلته يستسلم لمن وصفهم بالخاسئين، لم يترك له صديقا ، فضل طريق الرعب على طريق الحب، ألبس الظلم رداء الحزم فنال كل شماتة الأعداء وما أكثرهم.
كأن ما أل إليه صدام عبرة لعرب لا زال بعض كثير منهم ينتظر فارسا ملهما، بطلا جامعا كل الخصال المعروفة وغير المعروفة، ولا مانع من أن يسومهم سوء العذاب ويحقق من على صهوات رقابهم وبجماجمهم ما عجزوا عنه، بعد يوم ذل صدام الذي يؤرخ في تاريخ العرب، بعد شؤم صدام الذي فاق شؤم داحس و البسوس، هل سيتوقف العرب عن تصنيم الأشخاص وعبادة الرؤساء، هل يتوقف العرب عن صرف كل الخصال الحميدة والخارقة لرجل واحد، هل يتوقف العرب عن زراعة الصور والتماثيل ،عن التقديس والمديح والنفاق الذي صار من سماتهم، هل يتوقف العرب عن جاهليتهم المعاصرة، و رفعهم صوراً لهبل و اللات على رؤوسهم بعيون مغمضة لا يعلمون على أية هاوية هم مقبلون.
سقط صدام مرة بعد مرة، طاغية قديم يسقط بيد طغاة جدد، صنعوه ، نفخوه وضخموه وبالتقسيط أسقطوه.