أرشيف شهر يناير 2005

أسواق “دبر عمرك”

31 يناير 2005

هناك حالة خصام بين مدينة الرياض ومواقف السيارات، وهي مشكلة مرشحة للتفاقم مع ازدياد عدد السكان ومركباتهم، وقد يأتي يوم تستأجر فيه سائقاً لساعات ليقوم بالدوران بسيارتك حتى تنتهي من شراء غرض أو مراجعة وزارة، والعمالة السائبة متوافرة ولله الحمد لا ينافسها إلا المتسولون، وقد يزداد عدد السائقين فيكون هناك سائق للعائلة وآخر لرب العائلة وثالث لسيدة العائلة، والسيارات متوافرة بالأقساط والخسارة في البنزين.
 وتجد عمارات شاهقة ومخططات كبيرة ولا وجود لمواقف تستوعب المتوقع سكناهم أو زيارتهم هذا الصرح الشامخ، والسبب أن التخطيط يتم على الورق ولا توجد سيارات على الورق، كما ان المكاتب الهندسية عندما يزور مهندسوها الموقع ميدانياً للتخطيط لا يرون كثرة سيارات تستحق وضعها في الاعتبار، وعندما يصنعون نموذجاً مصغراً للمشروع يضعون أربع أو خمس سيارات بألوان مبهجة وهذا هو الحد الأقصى المتوقع، والأمور دائماً عند توقيع العقود تكون “وناسة”، وأخيراً فإن الحكومة هي المسؤولة والشارع يتبع لها وهو لا بد من ان يستوعب، وإذا فاض بما فيه فهي مسؤولية السائق “دبر نفسك” إما على رصيف أو بالاستمرار في الدوران إلى أن يتاح لك موقف.
وأصبحت بعض المجمعات التجارية والوزارات الكبيرة في مدننا عند الذروة مثل الشوارع المحيطة بالحرم المكي في شهر رمضان المبارك.
وأذكر أن أحد البنوك الرئيسة افتتح فرعاً جديداً له في زاوية وعلى أهم شوارع العاصمة وفي اليوم التالي للافتتاح فاضت الشوارع من حوله بالسيارات وأصبح المرور بجواره صعباً.
وأمام هذا العجز الكبير في المواقف يستمر الوضع التخطيطي على ما هو عليه، ولا تجد أن هناك أفكاراً جديدة لحل هذه المعضلة المقبلة،
 بل إن الأمر يتجاوز هذا الحد في بعض الأسواق التي قامت إداراتها بقضم مواقفها في الأقبية لأغراض أخرى، وخير مثال على ذلك أسواق المعيقيلية وسط مدينة الرياض، التي حولت فيها أجزاء من المواقف إلى غرف للعمال أو محلات جديدة، ولم أصدق إلا بعد ان رأيت بأم عيني ثم سألت، فاكتشفت أن جهة معينة لها نصيب أو مساهمة في المعيقيلية، فقلت في نفسي ومن دون أن يسمعني أحد “يا بخت من له في العرب ولد عم”.

مهرجان التسول - 2

30 يناير 2005

الأعداد الكبيرة من المتسولين في بلادنا، خصوصاً من أبناء اليمن أطفالاً وشبابا وشيوخاً، لا تسمح لك بتصديق انهم يأتون بواسطة التهريب، لأنه اتهام ظالم للعيون الساهرة على الحدود بعدم القيام بواجبهم وهو ما لم أصدقه إلى أن صرح المدير العام لحرس الحدود قائلاً أنهم يقبضون على خمسين ألف شخص كل شهر يحاولون التسلل إلى أراضي المملكة، كم يا ترى عدد الناجحين في العبور!؟ قائد الحرس توقع أن يكون سبب كثرة اليمنيين المتسولين هو تأشيرة العمرة المفتوحة.
 هل يعقل أن تمنح التأشيرة لمن لا يملك مالاً للسفر والعودة والمكوث مدة التأشيرة!؟.
والأقرب أن تجارة التأشيرات تحولت من العمالة إلى التسول، ما كان قائماً أصلاً تم تغيير بسيط فيه، وأستغرب عدم تحرك سفراء الدول التي ينهمر منها هؤلاء المتسولون مثل الجراد للحفاظ على سمعة بلادهم وإيقاف هذه المهزلة، ويعتقد بعض المواطنين أن هناك “اتفاقات” حول هؤلاء وهو أمر لا أصدقه، فكيف يمكن أن يكون هناك اتفاق لاستيعاب المتسولين او العاطلين في بلد يشكو من بطالة شبابه؟ إلا أن الناس يبحثون عن تفسير ومع استمرار الصمت في القول والعمل لا بد من أن تظهر مثل هذه “التفاسير”، الصمت مستمر وفي جوارنا بلاد تلتهب فقراً وأخرى تلتهب حرباً والله المستعان.
إقامة مهرجان للتسول في بلادنا سيدفع هؤلاء إلى تطوير أدواتهم، فلقد مللنا من الصكوك والوصفات الطبية المزورة ودموع الأطفال الكاذبة. ربما يأتون لنا بأدوات جديدة لنحافظ على الحسّ الإنساني من التشويه بل ومن الإرهاب الاجتماعي، وأطفالنا الذين يتعلمون التسول كل لحظة.
 كما أن المتسولين من المواطنين يمكنهم عند توافر مثل هذا المهرجان، تطوير أدواتهم، فهم أمام منافسة غير عادلة ولا شريفة لا تختلف عن المنافسة في الوظائف إلا بكونها أكثر قسوة.
ويمكنهم وقتها التسول علانية بفواتير الهاتف والكهرباء وتعذر سداد الأقساط، ويمكننا وضع الجائزة مبلغاً مماثلاً لما يستطع المتسول الحصول عليه في دورة واحدة على حضور المهرجان.
 وربما تحدث مفاجأة ويقدم بعض المتسولين أنفسهم الجوائز أو يصرون على رعاية هذا المهرجان، فنكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح للخصخصة.

مهرجان التسول -1

29 يناير 2005

هذا اقتراح مقدم لينضم إلى القائمة الطويلة للمهرجانات التي أصبحت سمة لبلادنا، وسبب اقتراحي أنه يكاد يكون هناك متسول لكل مواطن، بعد الشغالة والسائق وحامل “البشت” و”شيالة العباية”، حصل كل مواطن على متسول… أجنبي، وبحسب ثقافتي المحدودة، أتصور أنه سيكون أول مهرجان من نوعه في العالم، ويشكل هذا حدثاً فريداً وميزة جذب نادرة ويصب في “استراتيجيات الأولوية” التي نحرص عليها.
وكنا في زمن سابق لا نرى المتسول الأجنبي إلا في المواسم، وتحديداً في مكة المكرمة والمدينة المنورة، يأتون مع جموع الزائرين والحجاج بعضهم قد “استقر” هنا لا يظهر إلا في المواسم، كانوا يبرزون أمامك   بأيد مبتورة وأرجل مقطوعة، ويحرصون على إبراز عاهات لا نقول أمامها إلا “الحمد لله الذي عافانا من ما ابتلاهم به وفضلنا على كثير من خلقه تفضيلاً”.
 الآن امتدت الظاهرة الى المناطق الأخرى بل الى القرى والهجر في مختلف أرجاء البلاد وأصبح العام كله موسماً، ولم تعد تعرف المحتاج، فقد صاحب بصرك وبصيرتك بعض الارتجاج، كما أنهم لم يعودوا في حاجة إلى إظهار عاهة معينة، يكفي وجهاً بلا قطرة حياء وأجهزة ووزارات نائمة.
والمتسول يحرص على ملاحقة أبو شماغ احمر أو غترة بيضاء بالدرجة الأولى، ولديهم عيون لاقطة تترصد عند أبواب البنوك وأمام أجهزة صرف النقود، ويتركز نظرهم على ما يدخل وما يخرج من جيبك العلوي ولا يغفلون الجانبي، وهم أسرع إليك من المحافظين الجدد في انقضاضهم على المنطقة.
 وتنشر وسائل الإعلام عن “عصابات التسول”، وتدهش من السماح لعصابات بالتجول في الشوارع، ويقال إن هناك تهريباً لأطفال اليمن إلى أراضي السعودية لاستخدامهم في التسول، وأول خبر نشر عنهم في الصحف السعودية كان مصدره اليمن! حيث صرح مسؤول يمني أن السلطات هناك استلمت عدداً من الأطفال المهربين من شقيقتها السعودية،
ثم بعدها بدأت صحفنا المحلية وعلى استحياء في النشر عن ظاهرة المتسولين اليمنيين، ويبدو لي أننا نحرص على سمعة وأحاسيس الآخرين أكثر من حرصنا على أمن مجتمعنا، لكن هل يعقل أن كل هؤلاء جاؤوا من خلال التهريب؟ هذا كلام خطير نناقشه غداً مع الاقتراح الذي أدعو فيه إلى خصخصة التسول.

النصب على الحجاج

28 يناير 2005

أتوقع أن تحفل الصحف بعد أيام بأخبار الافتراش، وستنشر صور لحجاج أهملوا من جانب من تولى مسؤولية خدمتهم وهم يفترشون الأرصفة انتظاراً لوصول عباراتهم التي تقلهم إلى بلدانهم، وستحصل مدينة جدة على النصيب الأكبر منهم. يدفعني إلى هذا التوقع حصوله كل سنة فما الذي سيغير الأمر هذه السنة، سنقرأ تصريحات لمسؤولين في وزارتي الحج والداخلية عن الموضوع وعقوبات “سوف” تطبق بحق المهملين من شركات السفر والحج والمطوفين، ثم ننتظر إلى العام المقبل ليعاد بث المشهد. والأخبار عن حجاج الداخل الذين تخلت عنهم شركات دفعوا لها لتوفر لهم الخدمات كثيرة وهم بالآلاف، وإذا كان هذا هو حال حجاج الداخل الذين يعرفون الأنظمة ويستطيعون الوصول إلى الصحافة، فما هو يا ترى حال حجاج الخارج؟ من المؤكد أن بعضهم يقعون ضحايا لشركات ومطوفين آخرين وقد لا تصل أصواتهم لصحافتنا اللهم إلا عند افتراش الأرصفة في جدة. وفي كل عام تعلن وزارة الحج أنها ستطبق عقوبات صارمة وتكشف عن مكاتب وهمية لخدمة الحجاج، من دون ذكر أسماء أو عقوبات تم تطبيقها، ومسلسل النصب على الحجاج واستغلال حاجتهم مع ضيق الوقت والازدحام يستمر، وهو يذهب كل جهود الدولة في خدمة الحجيج من إنشاءات جديدة واستنفار للعديد من أجهزتها وتسخير إمكانات ضخمة، كل هذا يذهب هباء بسبب استغلال بعض ضعفاء النفوس لهذه الفرصة” التجارية”. ويذهب حجاج الخارج ومعهم حجاج الداخل وليس في أذهانهم سوى صورة قاتمة عما تقوم به الأجهزة الحكومية والمملكة، والسبب هو تهاون عجيب لا تعرف له مبرراً. ومنذ أن تم فصل الأوقاف عن الحج ليستقل في وزارة متخصصة ونحن نتوقع تحسناً في تلك الخدمات، إلا أن الأمور في كل عام تتفاقم. إن ما يحدث غير مبرر على الإطلاق، والمفترض أن لدى وزارة الحج القدرة على إدارة موسم يتم الاستعداد له طوال السنة وتدعمها فيه مختلف الأجهزة الحكومية. فيا وزارة الحج لماذا لا تصدرين قائمة سوداء بأسماء الشركات والمؤسسات الفاشلة والمطوفين الذين خدعوا الناس، وفي وقت باكر، ولماذا لا تنشر أسماء أصحابها وصورهم في الصحف وعلى موقع  بالانترنت؟ ما الذي يمنع من إجراء سهل كهذا؟ إن في إجراء بسيط مثل هذا إبراء للذمة وتحسين لصورة المملكة التي تتحمل الكثير كل عام  للتيسير على الحجاج.

على حسن سلوكه

27 يناير 2005

القارئ العزيز “أبو ناصر” أرسل تعليقاً على مقال “العفاريت” الذي تناولت فيه الصعوبات التي نواجهها عند قيادة السيارات في شوارعنا، وحالة الانضباط المتردية، وحملت رسالته تشخيصاً، فيه من قسوة المحب وغيرة المواطن على سلوك كثير منا، وهو يؤكد أن الذوق وأخلاقيات التعامل في مجتمعنا في انحدار وتردي، وهنا أحاول التخفيف مما جاء في الرسالة حتى لا تفهم خطأ من بعض الذين لا يعرفون الوطنية إلا عند الجدل والتفاخر. ويشير أبو ناصر إلى أننا نعيش أزمة خطيرة وأنها موجودة في الشارع والمكتب والمسجد وحتى في أماكن النزهة. والحقيقة أنني أتفق معه في كل ما جاء به، الفارق الوحيد أنني أطرح ذلك بلغة أقل حدة، وأجزم أن هناك تغيراً كبيراً أصاب الذوق والسلوك، خصوصاً عند التعامل مع الآخرين، وأقصد بالآخرين الذين هم أنا وأنت وهو، أولئك الذين تقابلهم في الشارع، المسجد أو الأسواق… الخ ومن كل الجنسيات والمعتقدات.
والمدهش أننا عندما نتكلم عن أنفسنا نحرص على أبراز تمسكنا بالعقيدة الإسلامية وآدابها، ولكننا لا نرى في الغالب الأعم تطبيقاً لتعاليم الإسلام السمحة في ما بيننا، نتحدث كثيراً عنها مثل شعار نتمسك بترديده ولكنه لا ينعكس أولاً على تعاملاتنا مع بعضنا البعض.
والظاهرة ليست محصورة في المراهقين مثلاً وإن كانت لديهم تظهر أكثر صخباً وحدّة، ولكنها موجودة لدى مختلف الفئات العمرية والشرائح مهما كان مستوى تعليمهم.
وقيادة السيارة التي جئت بها في مقال “العفاريت” هي المثال الصارخ، وهي نموذج هنا لمختلف التعاملات الإنسانية اليومية، وفي هذا الصدد يحلو لي “أحياناً” الإشارة إلى سلوك بعض العسكريين في قيادة سياراتهم الخاصة، فهم “كما يفترض” تعلموا الانضباط ويمارسونه يومياً في عملهم، وهم “كما يجب” النموذج والقدوة فيه، لكننا نرى من بعضهم في الشوارع والأحياء، العجب العجاب، ومن الواضح أن عدم وجود “الضابط” هو أحد الأسباب.
ويقترح أبو ناصر “مشكوراً” أسلوباً طويل الأمد للعلاج وهو ما يحتاج إلى نقاش في زاوية أخرى، لكنني لا أنسى الإشارة إلى ما طرحه زميلي في هذه الجريدة الكاتب أحمد الشعلان عن الخطة الخمسية الماليزية لتحسين الأخلاق، وأضم صوتي إلى صوته في الاستفادة منها لتحسين سلوكياتنا، نحن بالفعل بحاجة إلى خطة طويلة الأمد.. والنفس، لكن إلى من نتوجه بمثل هذا المطلب يا ترى!؟.