أرشيف شهر يناير 2005

“بوشيات”

26 يناير 2005

“التبويش” في لهجتنا العامية هو خلل كبير يصيب المحرك، ويمكن وصف بعض الرؤوس به، إذا ما بدر منها أمر غير معقول أو منطقي، وبحذف النقاط الثلاث عن حرف الشين يصبح “تبويس”، وهو تخصص سياسي عربي برع فيه بامتياز الرئيس الراحل ياسر عرفات، وتلاحظون أن هناك علاقة قرابة بين “التبويش” و”التبويس”. وفي خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش الأخير بعد توليه الرئاسة لفترة ثانية، أكثر من الحديث عن الديومقراطية والحريات، ونذر الوعود بوقوف الإدارة الأميركية مع الشعوب المضطهدة، وخفف من احتمال استخدام القوة للدفاع عن تلك الحريات المزعومة.
ومن خلال تجربتنا مع الإدارة الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر، نجد أن هناك خللاً في فهمنا لبعض المصطلحات التي تطلقها تلك الإدارة، خصوصاً الحرية والديموقراطية والإرهاب.
خلال هذه الفترة شاهدنا بأعيننا انتهاكاً لحريات أخوان لنا في فلسطين والعراق وغوانتانامو والولايات المتحدة الأميركية نفسها، وكنا مندهشين نسائل أنفسنا هل هذه هي الحرية الموعودة، وأين هي الديموقراطية التي تلهج بها هذه الإدارة وجماعتها من المتأمركين؟
 هل فهمنا الرسالة خطأ أم أن الحديث والوعود موجهة لغيرنا؟
وبعد كثير من المآسي والقتل والتدمير وتسوية دولة كاملة بالأرض، وبعد كثير من عبارات الأسف التي يطلقها جيش الاحتلال الأميركي بين قذيفة وأخرى، عندما يدمر جنوده سيارات مدنية ويقتلون “بالخطأ طبعاً” أفراداً وعائلات بأكملها وهم مطمئنون في منازلهم، ويحيلون مراسم الزفاف إلى مآتم، حتى أصبح العراق سرادق عزاء ضخمة ينزف كل لحظة، وبعد اعتراف الحكومة البريطانية بالعار، لأن جنودها “عبروا عن مشاعرهم الصادقة” واستمتعوا بمهانة العراقيين العزل، وهو اعتراف لا يساوي شيئاً ولن ينتج منه أمر ذو قيمة، وسيتبخر مثل الأثير الذي حمله.
بعد كل هذا يتضح لشعوب المنطقة، أن هناك فهماً خاطئاً لتلك الكلمات، فالمقصود بالحرية هنا، هو حرية الجنود الأميركيين والمتحالفين معهم وعملاء الموساد بالتصرف في كل كائن حي يمشي على اثنتين في بلاد الرافدين، والديموقراطية هي أيضاً لهؤلاء الجنود وضباطهم، الذين يحصلون على حصانة، وقد يبرأون أو يحكم عليهم أحكاماً مخففة، في جرائم ضد الإنسانية، سيخرجون منها بعد ربع المدة، والحرية مكفولة فقط لجنود دولة صهيون وطائراتها لتقتل وتغتال كل ما أرادت واشتهت، فهي تحت لواء ديموقراطية الإدارة الأميركية.
كل تلك الوعود وتكرار الحديث عن الحرية ليست موجهة لنا، فقد شاهدنا بأم أعيننا وما زلنا نسمع عويل الثكالى، هذه الوعود بالنسبة لنا مجرد “تبويشات” لا تدل إلى أن المحرك يعمل بالصورة المثلى، إنها في الحقيقة موجهة لجنودهم ليتمتعوا بكامل حريتهم في التصرف بشعوب المنطقة وثرواتها.

“الشقيقة المجاورة”

25 يناير 2005

يمكن لي القول إن إعلامنا الرسمي هو الأكثر حرصاً على عدم التعرض للدول… والحكومات بالأخص العربية منها بما يسيئها، وتختفي كثير من الخلافات أو تخفى داخل سور هذه السياسة، وتتم إدارة هذه الخلافات بأقصى درجات الهدوء والاتزان والمحافظة، وهي سياسة نابعة من حسن النوايا، والقناعة بأن مثل هذه العلاقات هي علاقات قرابة وصلة رحم، كما يمكن لي القول إن إعلامنا الرسمي هو الأكثر استخداماً لصفة الشقيقة، عندما يأتي الحديث عن دولة عربية علاقتها متينة بالسعودية، على رغم ارتباط هذه الصفة بالصداع، والعلاقات مثل ما يأتي منها الارتياح، قد تأتي بصداع الشقيقة، عافانا الله وإياكم من كل أنواعه.
والشقيقة المجاورة جاءت أكثر من مرة في تصريحات لمسؤولين في دولة الكويت، بعد المواجهات المسلحة الأخيرة التي وقعت هناك، وآخر ما أوردته الأنباء، تصريح لوزير الداخلية في الكويت يقول فيه بالنص:
(ان التحقيقات التي اجريت مع من تم القبض عليهم، على خلفية المواجهات المسلحة، التي وقعت أخيراً أثبتت ان تلك العناصر الإرهابية تتلقى دعماً مالياً من “دولة شقيقة مجاورة”).
وإذا ما عدنا الى الخريطة لا نجد أشقاء مجاورين لدولة الكويت الشقيقة سوى السعودية والعراق. والعراق الذي يرزح تحت دبابات قوات الاحتلال الأميركي، لا يمكن اتهام حكومته بدعم مالي لتلك العناصر الأرهابية فلا يتبقى لدينا سوى دولة المملكة العربية السعودية، ولدي القناعة أن وزير الداخلية الكويتي لا يقصد أن الدولة السعودية هي من يقدم الدعم المالي، لكن التصريح يشير إلى ذلك للأسف. وقد يكون السبب هو ما تعودنا عليه من إلقاء المسؤولية على الخارج، ففي القناعة العربية أن المشكلات لا تأتي سوى من خارج الحدود، لأن الاعتراف بمسببات من الداخل، يعني الانتقاص من الإدارة الداخلية، أقول، كلي قناعة بعدم استقصاد الدولة السعودية، ولعلي لا أكون مخطئاً، ولكن في ظل الأحداث الجسام التي تعيشها المنطقة، واستهداف المملكة من دول وجهات خارجية عدة، يمكن أن يستخدم ما ورد في النص في هذا التصريح ضد المملكة وحكومتها، وإذا تناقلت وسائل الإعلام الأميركية المشبوهة ومراكز أبحاثها هذه التصريحات واستخدمتها ضد المملكة، فلن يفيد توضيح إلحاقي ولن يلتفت إليه. يأتي ذلك في وقت يحكم فيه قاض أميركي في محكمة أميركية برفض دعاوى مشبوهة، لا يمكن وصفها سوى بالابتزاز لشخصيات سعودية مهمة وجهات عدة في المملكة، حكم القاضي الأميركي ببطلان الدعوى، وفشل الذين قاموا برفعها في إيجاد دليل حقيقي على صدقية دعاواهم، وكان الأولى بوزير الداخلية الكويتي أن يكون أكثر دقة عند الحديث عن الدعم، ولديه وفر من كلمات كثيرة، يمكن استخدامها تفي بالغرض، ولا توفر الفرص للمتصيدين والمحاربين للمملكة وهم كثر.
 اللهم أحرس بلادنا وشقيقاتها المجاورة وغير المجاورة من كل شر.

“كشتة المراقبين”

24 يناير 2005

كلما اقتربت النسبة من التسعين في المئة فأكثر زاد قلقي، وقد يكون لذلك سبب سياسي حيث تعودنا من الزعماء العرب الفوز في الانتخابات بنسبة 99 في المئة فلم يتركوا مساحة بعدها للحركة، وأصيب الوضع العربي بالشلل.
موضوع هذا المقال ليس سياسي بل غذائي، والنسبة هذه المرة 98 في المئة، والمنسوبة له هو المدير العام لصحة البيئة في أمانة مدينة الرياض، حيث قال لجريدة “الوطن” أن حملات التفتيش لهذه الإدارة جعلت التسمم الغذائي ينخفض بنسبة 98 في المئة من خلال التركيز على “الأحياء”، يقصد أحياء العاصمة السكنية وليس سكانها. ويوضح أن صحة البيئة استطاعت ذلك من خلال دورات وبرامج لتأهيل المراقبين الصحيين، وبعد أقل من أسبوع تنشر جريدة “الرياض” عن تسمم 12 شخصاً، ويضطر المواطن مطر الحارثي إلى زيارة الصحيفة لنشر شكواه، والسبب أن بلدية الشمال لم تتعامل مع الشكوى بسرعة، فلم يخرجوا لأخذ العينات من المطعم إلا عصراً على رغم أن الشكوى قدمت لهم صباحاً. واستقبل مستشفى الملك خالد الجامعي المضيف وضيوفه بعد تعرضهم لنوبات من الإسهال والقيء ليحلوا ضيوفاً على المستشفى ولا يخرجوا إلا في صباح اليوم التالي. وبحسب حديث المواطن مطر فإن العينات أخذت بعد 12 ساعة، ورفضت البلدية إقفال المطعم احترازياً، وربطت الأقفال بنتائج العينات.
ومن المعلوم أن حالات التسمم تكثر في فصل الصيف بسبب الحرارة وسوء التخزين لدى المطاعم، ويمكن فهم توقيت تصريح المدير العام صحة البيئة عن نسبة الانخفاض البالغة 98 في المئة داخل هذا النطاق، لأن البرد يستر أموراً كثيرة ومنها قدور المطاعم وأبوابها الخلفية، ولا شك في أن حالة التسمم التي تعرضت لها أسرة الحارثي وضيوفها ستدرج ضمن نسبة 2 في المئة، وهي نسبة لا يعتد بها ويمكن اعتبارها من الشاذ الذي لا حكم له.
وفي تصريح الـ”98 في المئة” قالت صحة البيئة انه تم التركيز على أطراف المدينة مثل الجنادرية والثمامة والأحياء القديمة مثل منفوحة وحي المصانع. ويظهر أن المراقبين الصحيين “كاشتين” هناك بحكم أن “الكشاتة” انتشروا خارج المدينة وتركوا الداخل لغسيل المعدة في المستشفيات، وبحسب التصريح هناك مئة وعشرون مراقباً صحياً في الرياض لا نعرف كيف يراقبون وهل يعتمدون على حواسهم فقط، كما أننا لا نعرف عدد المطاعم و”البوفيات” ومثلها البقالات.
ومثلما نصحت كثيراً بالابتعاد عن أفعال التفضيل أنصح أيضاً بالابتعاد عن هذا الجزم بالنسب المرتفعة لأنني أشعر بالأخوة في صحة البيئة وهم يقولون لأنفسهم “يا ليتنا من تصريحنا سالمين”.

من غشنا؟

23 يناير 2005

نسبة الغش التجاري ازدادت 80 في المئة في مكة المكرمة، والخسائر في موسم الحج فقط تقدر بثلاثمئة مليون ريال، هذا ما قاله لجريدة الوطن (يوم الاثنين الماضي) نائب رئيس لجنة التوعية لمكافحة الغش التجاري في مكة المكرمة. العجيب هو إشارته إلى أن النسبة في المدينة المنورة لا تتجاوز 3 في المئة، وسبب الانخفاض في طيبة الطيبة أنه يتم تطبيق الأنظمة بصرامة، حيث يتم “إقفال محلات المقلدين تجارياً وإبعادهم”، هكذا بالنص، وحديث المسؤول تركز على الساعات المقلدة، والسؤال هو: لماذا لا يطبق في مكة المكرمة ما طبق في المدينة المنورة، خصوصاً أنهما، ولله الحمد، تحت ظل دولة واحدة؟ ثم إلى أين يبعد المقلدون كما جاء في نص التصريح، هل يبعدون إلى خارج المملكة أم إلى داخلها!؟.
الحديث عن الغش التجاري حديث قديم جديد، ومع كثرة الحديث عنه إلا أنه يزداد، والتقليد جزء بسيط منه، لكنه مهم لأن الوكلاء يتابعونه ويحثون على التصدي له وهذا من حقهم، لكننا نتساءل من أي منفذ تأتي هذه الكميات الكبيرة من الساعات المقلدة وغيرها من السلع.
إن أحد أسباب رواج السلع المقلدة هو جشع الوكلاء وعدم التزامهم الحقيقي بالضمانات التي يحلو لهم الإعلان عنها في حملاتهم الترويجية، ومن هنا أطالب “لجنة التوعية لمكافحة الغش التجاري”، وهذا هو اسمها كما ظهر في الصحيفة، بأن تجتهد في توعية الوكلاء أولاً في ضمان حقوق المستهلكين الذين يتم استغلالهم أبشع استغلال. من هنا تأتي الخطوة الأولى لمكافحة الغش التجاري، ومن هنا سيكون المستهلك احد المساهمين في المكافحة. ومع هذا الغش في التقليد هناك غش آخر أشمل وأكثر تحقيقاً للخسائر الاقتصادية وهو هذا الطوفان العظيم من السلع الرديئة التي تشبعت بها أسواقنا، كل أنواع السلع حتى المعمرة منها أصبح هناك أنواع جديدة منها و”أنت وحظك”، فالإستراتيجية لدينا تعتمد على الاستفادة من خبرات المستهلك خصوصاً أن “الفلقات” عمت رأسه لدرجة لا يستطيع معها تحسسه.
والثلاثمئة مليون ريال التي دفعت الأخ الكريم للتحذير ليست بشيء يذكر أمام خسائر المستهلكين في أسواق المملكة من المشاوير لفروع الوكلاء وضماناتهم التي لا تساوي الورق الذي تكتب عليه وأوقات الانتظار الطويلة لوصول قطع الغيار، إلى السلع الرديئة التي تستقر آخر الأمر وبعد الخسارة الفادحة في مكب النفايات.

العمل من الداخل

22 يناير 2005

شئنا أم أبينا الولايات المتحدة الأميركية هي القوة المسيطرة على العالم، وأياً كانت الشعارات التي ترفعها مثل الحرية والديموقراطية فإن هذا لا يعني أننا سنحصل على جزء يسير منها، أيضاً أصبحت قضايانا مادة خصبة لتحقيق الشهرة والنجاح للطامحين من الأميركان والمتأمركين، وصار في امكان قلم غربي في جريدة تصدر على بعد الآلاف من الكيلومترات أن يسبب الصداع لدول وسلطات عربية، ويمكن لتقرير صادر من مركز من مراكز التحريض خصوصاً في الولايات المتحدة وبريطانيا أن يشيد الأساس لقانون ملزم بسببه ستدفع البلاد العربية ثمن باهظاً ويظل سيفاً مصلتاً يستخدم وقت الحاجة.
في ظل وضع مثل هذا تقدر فيه دول قيمة أبناءها أحياء وأمواتاً وتقايض جثث الأموات منهم بأسرى أحياء من أخواننا، وفي وقت يطلق فيه سراح الجواسيس، وتحصر فضيحة سجن أبو غريب في حكم بائس على جندي وحيد، ويحكم على جندي يقتل جريحاً أعزل على شاشات التلفزيون بالسجن سنة واحدة ربما يقضيها في الخدمة الاجتماعية، في هذا الوقت نتذكر قصة الجندي المصري سليمان خاطر الذي أدين بقتل عدد من الإسرائيليين في الثمانينات من القرن الماضي، الذي حكم عليه بالسجن لأكثر من عشرين عاماً ثم مات شنقاً داخله، ونقارنه بما حدث قبل أشهر حيث قتل إسرائيليون مجندين مصريين على الحدود فقامت حكومة شارون بتعنيفهم فقط لا غير!؟.
هذا الصورة تعطي دلالة واضحة على قيمة الإنسان في البلاد العربية وخارجها. وما دمنا نعيش مثل هذه الأوضاع، فنحن في مسلسل من الانحدار المستمر.
لكن ما العمل؟
يجب أن نعيد النظر في قيمة الإنسان العربي داخل بلاده أولاً وأخيراً، لنعتبره نفساً بشرية كرمها خالقها عز وجل، فنحترمها ثم نتوقع من الآخرين أن يضعون لنا حساباً.
الشق الثاني هو العمل داخل القوة المسيطرة على العالم وهو ممكن متاح، وهنا أحيي ما تقوم به المنظمات العربية والإسلامية في أميركا، وفي مقدمها “كير” التي طالبت الخارجية الأميركية بتقرير سنوي عن ظاهرة العداء للإسلام والمسلمين في العالم وهو ما يجب أن نعمل على صدوره. وأستغرب أن جهات مهمة ولديها الإمكانات مثل رابطة العالم الإسلامية، تقف صامتة، وردود فعلها متأخرة، وليس لها مبادرات تذكر، فلماذا لا تصدر هذه الرابطة تقريراً سنوياً عن تزايد ظاهرة العداء للإسلام والمسلمين.