أرشيف شهر فبراير 2005

توقعات

18 فبراير 2005

قال لي صديقي “المشهور” إن بلادنا هي بلد النجومية السهلة، نسيتُ الآن ما كان يعلق عليه، إلا أنني أتذكر هذه المقولة كلما رأيت نجماً يصعد ثم يختفي بسرعة صعوده، ولم أستأذن الصديق وإلا لذكرت اسمه، وسأعود للنجومية في مقال آخر.
الآن أستطيع أن أضيف للمقولة فأقول:
 إن بلادنا أيضاً هي بلد التوقع السهل، يمكن لك أن تخمن أو تتوقع حدوث كثير من الأمور قبل وقوعها، ولا يستلزم الأمر منك لتصبح من “المتوقعين” ذكاء أو بعد بصر أو بصيرة، ولا معلومات سرية أو خاصة، كما لم يعد الأمر يحتاج إلى ذاكرة من نوع نادر، إنه يحتاج إلى متابعة وبعض الاهتمام بما ينشر في الصحف خلال عام، وتحدد خلاله المواسم وأبرز أحداثها وتقوم بتقسيمها على حسب الأهمية، ثم يأتي دورك في توقع الأحداث للعام المقبل، وستحدث بالنص، والاختلاف سيكون بسيطاً وغير ملحوظ، وبالتالي ستكون نجما تقول للناس ما يعلمون وهم سعداء ومندهشون من ألمعيتك.
أقول هذا بعد مشاهدة صور الحجاج الأفارقة التي نشرتها جريدة “الحياة” على صفحتها السادسة يوم الثلاثاء الماضي، وقد كتبت أتوقع حدوث هذا الشيء لأنه يحدث سنوياً ومنذ سنين فما الذي سيتغير هذه السنة، والحجاج النيجريون قضوا في العراء أياماً جنوب جدة وفي البرد، والسبب يتكرر كل سنة مرة مع عبارات مائية ومرة مع شركات طيران، ولا نعرف أين دور شركات أو مؤسسات الطوافة، ولا أدري ما فائدة دعوة المديرية العامة للجوازات الحجاج إلى المغادرة إذا كان الآلاف منهم كل سنة ينتظرون على الأرصفة لا يجدون من ينقلهم إلى بلادهم. إذا كان الذين يرغبون في السفر إلى بلادهم لا يجدون من تعاقدوا معهم فكيف بأولئك المتخلفين عن السفر وقد اختبأوا هنا وهناك، ولا يعلم الإنسان ما أسباب هذا التكرار، فهل هناك مستفيد مما يحصل ومن أين تأتي الاستفادة؟.
إن تكرار حدوث ذلك كل سنة بل وتكرار التصاريح الصحافية نفسها يدل بوضوح على فشل الأجهزة المعنية وعدم قيامها بواجباتها، إنها ترسب وتسقط “بتعبير الامتحانات” في المواد نفسها كل سنة ومع ذلك تستمر على مقاعد الدراسة على رغم ندرة الأخيرة، وإذا كانت تتعامل بأسلوب حمل المواد فهي قد حملت تلك المواد بشكل تراكمي على مدى سنين حتى لم تعد ترى طريقها.
هل يعقل هذا؟
طبعاً لا يعقل إلا في بلادنا، لذلك يمكنكم الاستفادة منه بالتوقع.. توقعوا وستجدون أن توقعاتكم ستحصل السنة المقبلة.

الناس يتساءلون

17 فبراير 2005

الآن لدينا رجال معلقون في صالات الأسهم، وإذا دخلت إلى صالة أسهم ورأيت المتداولين جلوساً بكامل قيافتهم على المقاعد فلا يغرك هذا المنظر، لأن كثيراً منهم في الواقع معلقون، بعض معلق من رقبته وبعض من قدميه.
أسباب التعليق كثيرة، والمقصود بها التورط في الأسهم بأسعار مرتفعة، هذه هي حال سوق الأسهم، وازدادت حال هذه السوق سوءاً بعد إدارة هيئة سوق المال لها، للأسف أقول هذا، في حين كان المتوقع أن يحدث العكس.
 في السابق لم يكن هناك جهة نوجه لها الانتقاد على اعتبار أن “ساما”،… “لا جهة”، ولا يؤثر فيها القلم، فهي لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم، ولديها جلد سميك، وعندما جاءت الهيئة رأينا العجب العجاب، واستمر مشوار التجريب، وبلغ ذروته في ذلك التصرف العجيب مع سهم شركة الكهرباء وتحقيق “بيض الصعو” الذي لم يعلن عنه حتى الآن، ونقرأ يومياً عن رحلة أموال إلى أسواق مجاورة، ولا نقول سوى لا للإرهاب.
الآن لدينا حكاية جديدة ولنقرأ سوياً ما جاء في إعلان البنك للاكتتاب،
 في النشرة المختصرة المنشورة في صحيفة “الرياض” قال بنك البلاد: “تم إعداد هذه النشرة اختصاراً من نشرة الإصدار المعدة طبقاً لأحكام ومتطلبات هيئة سوق المال، ولا تعتبر هذه النشرة توصية من جانب الهيئة للاكتتاب في أسهم بنك البلاد المعروضة” وهذا أمر مفهوم ومهني.
لنقرأ الآن التحذير الوارد في صفحة الإعلان الرئيسة التي يعلن فيها البنك عن طرح 30 مليون سهم للاكتتاب العام، يقول التحذير: “هذا الإعلان للعلم فقط ولا يشكل دعوة أو طرحا لامتلاك الأوراق المالية أو شرائها أو الاكتتاب فيها…
إخلاء مسؤولية: لا تتحمل هيئة السوق المالية والسوق المالية السعودية أي مسؤولية عن محتويات هذا الإعلان، ولا تعطي تأكيدات تتعلق بدقته أو اكتماله، وتخلي نفسها صراحة من أي مسؤولية مهما كانت عن أي خسارة تنتج مما ورد في هذا الإعلان أو الاعتماد على جزء منه”. انتهى.
ومن المفهوم أن القرار الاستثماري هو مسؤولية المستثمر، والنتيجة يتحملها هو، خسارة كانت أو ربحاً، ومن المفهوم ان مكانة الهيئة ومسؤوليتها تحتم عليها أن لا تدعو أو تحبذ أو تشير الى ذاك الاتجاه أو اتجاه آخر، لكن هذا التحذير وإخلاء كامل المسؤولية بتلك الصورة الجامعة المانعة، يدفعنا الى التساؤل عن ماذا بقي من أمر له قيمة في الإعلان، وهل التاريخ صحيح!.، وبالتالي من هي الجهة الحقيقية المعنية بطرح الاكتتابات ومن هي الجهة التي تم إعداد النشرة طبقاً لأحكامها كما ورد أعلاه.
الناس يتساءلون..، ويخسرون وبأموالهم يسافرون ومن الهيئة يتحسرون.

في عينه عود - 2

16 فبراير 2005

في أيام الطفولة كنا نردد أهزوجة تقول: “الحسود في عينة عود”، وبعقولنا الصغيرة آنذاك كنت أعتقد أن عين الحسود عليها علامة فارقة وهي العود، لم نحدد وقتها هل هو عود تنظيف الأسنان أم من عيدان الكبريت، ثم اكتشفنا أن لا وجود للعيدان.
ويشتكي صديقي من زميل له ويقول إن له عيوناً مثل جهاز “السكانر” تمسحه يومياً، ويطلق بعد الفحص تعليقات مثل، “وجهك اليوم زين وش عندك”، أو “أنت مصفّر العداد”، والمقصود عداد المسافة في السيارة، والمعنى أنه في العمر يعود إلى الوراء، أما إذا ما اشترى أو لبس صديقي شيئاً جديداً فإن قضية اليوم في المكتب تصبح مجموعة من شكاوى الزميل عن حاله المستمرة في الميلان، على رغم أن كل من حوله تحسنت أحوالهم، ومرة نصحت صديقي بأن يقوم بإهدائه بعضاً من جديده فرد قائلا إنه فعل، فكان التعليق: “من قدك تغرف من بحر”، وحذرت صديقي من الإصابة بالوسواس وأن يستعين بالله تعالى ويصرف ذهنه عن هذا الزميل المتعب، فقال إنه لن يتمكن من ذلك وهو يقضي معه وقتاً أكثر مما يمكث في المنزل. وعلى عادة الموظفين اجتمعوا مرة على وليمة، والوجبة كانت شهية وصديقي جائع لذلك أخذ راحته أمام صحن “الكبسة”. وغاب عني ثلاثة أيام لا يتصل ولا يرد، وفي اليوم الرابع رد على هاتفي بصوت مخنوق وقال إنه مريض منذ ثلاثة أيام، حتى إن الأطباء احتاروا في مرضه، وزرته بعدها وإذا به أفضل حالاً بعد أن ذهب إلى راق يعالج بالقرآن الكريم، ونصحه المتخصص في الرقية بأن يأخذ شيئاً من زميله فوسّط أناساً لذلك، فقيل له إنه أخذ إجازة بعد سماعه الخبر.
ومن باب التخفيف على صديقي قرأت له خبراً نشر في صحيفة الرياض عن الطفلة مارغريتا (8 سنوات) وهي ابنة لأشهر طباخ إيطالي اسمه جيورجيو لوكاتيلي يظهر في التلفزيون، فمنذ بلوغها السادسة أصبحت “مارغريتا” تصاب ببقع حمراء في الحنك والذراعين، ولم يكتشف أطباء مستشفى كلية طب لندن السبب، وخلال ثمانية عشراً شهر ساءت حال الطفلة، انتشرت القروح في جسدها وتعفنت بشرتها، وبعد الفحوصات شخصت حالتها على أنها حساسية ضد (680) نوعاً من الأطعمة وعلى رأسها السمك المدخن الذي يشتهر والدها بطبخه.

في عينه عود - 1

15 فبراير 2005

أولى مراتب الحسد تبدأ بالمقارنة، فلان يقارن نفسه بفلان، إما بوضعه الوظيفي أو بحاله الاجتماعية والمادية، أساس المقارنة هو وضع فلان الذي حلق في العلالي، فيما بقي هو في أسفل السلم، وهذا ليس من العدل بحسب رؤيته وإن لم يقال، لكنها في المضمون شكوى وتذمر وغيرة تقطع الأكباد.
والقصة الشهيرة في الحسد لاثنين من الأصدقاء جلسا يتمنيان، قال الأول إنه يتمنى قطيعاً من الأغنام وآخر من الإبل، كل قطيع يملأ وادياً كبيراً، فتمنى الثاني قطعاناً من الذئاب يسلطها على قطعان صديقه والعياذ بالله.
 ومجرد تمني الشخص حاجات أو ادعاء حصوله عليها تجعل جذوة الحسد تشتعل وتلتهب عند الحساد، فيقولون ويعملون كل ما من شأنه خسارة الآخر او التقليل مما وصل إليه، وللحساد أدوات أبرزها العين واللسان. وقد يكتفى بالأخير في حال العميان… يكفي أن يحركوا حواسهم الأخرى، وهناك قصة مشهورة عن رجل أتى أعمى معروفاً بداء الحسد وقدرته على الإيذاء من بعد، وهي قدرة خارقة لا يعترف بها البعض وهذا شأنهم وسأعود إليهم في آخر المقال، طلب الرجل من الأعمى أن يقتل ماشية جار له لا يحبه بضربة عين، فطلب الأعمى أن يدله إليها ويبين أوصافها، ذهبا سوياً إلى طريق تمر به الماشية المستهدفة، وأخبره الرجل أنه يرى الماشية في المكان الفلاني من الطريق، وبسرعة رد الأعمى قائلاً: وكيف تستطيع أن تراها من هذه المسافة، فأصيب الرجل فوراً بالعمى.
والإنسان طماع ولا يملأ جوفه إلا التراب، لكن العاقل يحاول قمع هذا الطمع والحد منه بذكر الله وقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله، والتمني وحده من صفات الكسالى والعاجزين، فهو لا يستلزم جهداً ولا تفكيراً، يكفي أن تبحلق في من حولك ومن خيالك قم بإكمال كل صورة ناقصة، وضع الألوان التي تعجبك.
وينقسم الذين يقولون إنهم لا يؤمنون بالحسد والعين إلى أقسام، فئة تخفي حسدها بهذا الإنكار على رغم علمها بحقيقته وهم أولئك الذين لا يمكن أن تخرج من أفواههم جملة ما شاء الله إلا بشق الأنفس، وفئة أخرى جاهلة ترى أن الإيمان بمثل هذه القوى من التخلف وتعلن عن تحضرها المزيف بإنكارها، والمؤمن لا يحتاج إلى إقناع بأثر الحسد وقوته، فهو موجود في الكتاب والسنة، ولكن كيف يحصل؟ فهذا موضوع آخر، وغداً نكمل.
قل ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

صرير أسنان

14 فبراير 2005

حصل مواطن يشكو من أسنانه على موعد طبي يحل بعد ثلاث سنوات، حصل ذلك في مستشفى بريدة المركزي، كما أوردت الخبر صحيفة “الوطن” يوم الجمعة الماضي.
 واستغرب المواطن ومرافقه من طول المدة وحاولا الاستفسار ولم يجدا “آذاناً” صاغية، لأن الموعد للأسنان فلا علاقة للآذان به.
 وأنا لا أستغرب من طول المدة لأن المواعيد الطبية التي تطول أعمارها إلى تسعة أشهر، هي المدة المتعارف عليها عند بعض المستشفيات الكبرى، ولاختيار التسعة أشهر حكمة تذكرك بصبرك أول خلقك، وصبر أمك عليك في بطنها.
الذي تعامل مع التسعة أشهر يمكن له أن يستوعب موعداً يحل بعد ثلاث سنوات، وقد يكون هناك خطأ، لكن المستغرب هو أن يتوافر تقويم “رسمي” بعد ثلاث سنوات، وأعلم أن التقويم الرسمي لا يصل إلى الموظفين إلا في أواخر الشهر الأول إلى بداية الثاني من كل عام، ومن المهم ألا ننسى العلاقة الوثيقة بين “التقويم” وطب الأسنان.
إطالة مدد مواعيد المستشفيات أمر قديم، لكن لثلاث سنوات قد تبدو جديدة ويحصل فيها “طقم الأسنان” كله على دبلوم انتظار، وقد يكون دبلوماً غير معترف به، مثل كل الدبلومات التي سرقت أموال الشباب  واستغلت أحلامهم.
وأول ما بدأت تفوح رائحة الطب التجاري في بلادنا، وتبرز على السطح بدأت بمراكز الأسنان وكان التقويم هو الهدف المنشود، وانتشرت هذه المراكز بصورة مبالغ فيها، وشمل ذلك إعلاناتها عن اللؤلؤ وتقويم المستقيم، ولابتسامات ناصعة البياض، للوصول إليها لا بد من شيك على بياض.
 وكانت الفرصة ذهبية لأن الأسعار بلا سقف وللمريض أربعة جدران ولكل مركز سياسته، ولم يكن من الممكن نجاح تلك المراكز تجارياً و”تجريبياً” لولا أن مواعيد المراكز الحكومية تطول وتطول، وهي في  قصة “مستشفى بريدة” تشير إلى أن المراكز التجارية وصلت إلى أرقام كبيرة تسمح للحكومي بتحديد موعد بعد ثلاث سنوات لم يذكر هل هي كبيسة أم بسيطة. وهي صورة من صور الترحيل أو “التطفيش”، وفيها دفع واضح للاتجاه إلى المراكز التجارية بأسعارها وأساليبها المعروفة،
ولو كنت مالكاً لأحد مراكز طب الأسنان لوجهت دعوة الى هذا المواطن وقمت بعلاجه مجاناً في مقابل خبر ينشر ويقول إن مركزنا عالج مواطناً قبل ثلاث سنوات من موعده الرسمي، ويأتي ذلك في تطبيق فعلي لروح التعاون الوثيق وتبادل الأسنان بين القطاع الخاص والقطاع العام.