أرشيف شهر مارس 2005

“نور مياتي”

31 مارس 2005

يدفع الإنسان المال ليشتري صحته وراحته، ويوظف الخدم من سائقين وخادمات للغرض نفسه، لكن الخدم قد يتحولون إلى مشكلة، أقول قد، وهو احتمال، وعلاقتنا بالخدم علاقة عجيبة تحوي المتناقضات، بين الإفراط والتفريط، البعض يحاول صنع أصدقاء منهم فتتكسر الحواجز ويتجاوزون أدوارهم وتنشأ المشكلات، وبعض الناس يشتريهم بمزيد من المال، فتصبح العلاقة ملبدة بسحب متناثرة من “البخشيش” المتوقع، والبعض الآخر يعتقد أنهم عبيد وأن حاجتهم للعمل تبرر له الحصول على آخر قطرة من عرقهم.
ويبدأ التعارف بين العمالة المنزلية بسؤال “كفيل كويس!؟” والإجابة تحدد مدى راحة العامل أو الخادمة، وكثير من المواطنين والمقيمين تضرروا من تصرفات بعض العمالة، إما لأنهم أصلاً غير محترفين للأعمال التي استقدموا لأجلها أو لمشكلاتهم التي تنشأ لاحقاً من سرقات وممارسة سحر وانحرافات أخرى، ومكاتب الاستقدام ملأى بكثير من القضايا، وهناك ظلم يقع غالباً على أحد أطراف العقد.
هذا هو شكل العلاقة بين مجتمع لم تستوعب الشريحة الكبرى منه أسلوب التعامل الأمثل مع العمالة المنزلية من طرف، وعمالة تدفع أموالاً في ديارها للحصول على فرصة عمل قد لا تكون قادرة على أدائها، لكنها بمثابة الحلم الجميل، والحلم دائماً يزين ويملح الصورة ويستبعد التشوهات والتوقعات السلبية.
مهما كان شكل العلاقة والنتائج منها فإنها لا تبرر الظلم إطلاقاً، في تأخير رواتب أو سوء معاملة، وتأتي حادثة الخادمة الآسيوية “نور مياتي” وما تعرضت له من التعذيب والضرب كصورة بشعة لما يحدث بين ظهرانينا، والبشاعة وحدها لا تكفي لوصف ما تعرضت له المسكينة، ونحن لا نعلم حتى الآن وجهة نظر الكفيل وزوجته، لكنها لا يمكن أن تبرر ما فعلوه بخادمتهم، فحتى لو سرقت أو اعتدت على الأبناء كل هذا لا يبرر تلك  الوحشية، ولا يمكن التفكير في الانتقام من السائق أو الخادمة، وأعرف قصة لخادمة لم تستطع الصبر بعد أيام قليلة من بداية عملها وطالبت بالسفر، وقيل لها أن تنتظر إلى حين إنهاء الإجراءات، لكنها من فرط سوء التقدير وضعت مبيداً في الأكل، وسلم الله تعالى واكتشفت العائلة الأمر، فتم ترحيلها من دون أدنى ضجة. يشتري الإنسان راحته بالمال إلا أنه يقصر دون ذلك ببعض “الفراطة” وهو قادر،  وقد يضع رأسه برأس العامل لديه، بدلاً من أن يكون كريماً مسامحاً، حامداً الله تعالى على المقدرة على العفو، وقصة “نور مياتي” حالة شاذة لا تعبر عن واقعنا وأجزم أنها لن تمر مرور الكرام.

هل من استجابة؟

30 مارس 2005

وضع مجلس منطقة الرياض يده على ورم خطير يتزايد حجمه في مجتمعنا كل يوم، وفي اجتماع مجلس منطقة الرياض الأخير طالب المجلس المؤسسات المالية  الحكومية بـ”معالجة ظاهرة تزايد القروض الاستهلاكية ووضع الخطط اللازمة لترشيد استخدام القروض الاستهلاكية بما يتناسب مع المصلحة العامة”، وفي التوصية التي نشرتها الصحف إشارة إلى أن “بعض هذه القروض يستخدم لأغراض غير ضرورية”. هنا من الواجب الإشادة بمجلس منطقة الرياض وعلى رأسه سمو أمير الرياض الأمير سلمان بن عبد العزيز، الذي عندما يتناهى إلى علمه أمر يكون قراره حاسماً وسريعاً في مواجهته، فله الشكر والتقدير على الاهتمام بهذه القضية الخطيرة التي هي أصلاً من صلب مسؤوليات المؤسسات المالية الحكومية وأستطيع أن أعتبر هذه التوصية بمثابة التحذير، وهو ما كتبت عنه أكثر من مقال، وغيري كثير من الإخوة الزملاء حاول ولكن..!
مجلس منطقة الرياض، في التوصية، يناشد جهات الاختصاص “المؤسسات المالية الحكومية” وهي هنا “بحسب علمي” وزارة المالية ومؤسسة النقد العربي السعودي، فهل تستجيب؟ سؤالي سببه أنها لم تستجب لما طرح في الصحف عن هذه القضية، واستمر الوضع على ما هو عليه، ولمعرفة خطورة الظاهرة أضع الأرقام المتوفرة أمام أعين القراء والمؤسسات المالية الحكومية وهي أرقام صادرة عنها ولا تمثل سوى جزء من سوق القروض الاستهلاكية.
خلال سبعة أعوام ارتفعت القروض الاستهلاكية بما فيها البطاقات الائتمانية، من قرابة 11 بليون ريال عام 1998 لتصل في الربع الثالث من عام 2004 إلى 90 بليون ريال، وبحسبة بسيطة “متوقعة” للربع الأخير من العام 2004 فإنها ستعانق رقم المئة بليون إن لم تتجاوزه، هذه هي الأرقام الرسمية لمؤسسة النقد، وهي لا تشمل التالي:
*قروض شركات التقسيط العقارية وشركات السيارات وغيرها، ورقمها غير معلن وقد يكون غير معروف “رسمياً” لكن المتوقع أنه أكبر مما نتصور.
* القروض “الإسلامية” لبعض البنوك، ولست أعلم هل هي من ضمن أرقام “ساما”، وإن كنت أشك في ذلك لأنها قد تصنف تحت عمليات أخرى غير الإقراض، على رغم أن الهدف الحقيقي منها هو الحصول على السيولة.
* القروض للمضاربة في الأسهم، التي تمارسها بعض البنوك، وهي أيضاً مثل سابقتها من غير الواضح أمر تصنيفها وهل تشملها الأرقام السابقة أم لا؟
* رابعاً ما يمكن أن أطلق عليه سوق الإقراض الشعبية من معارض السيارات “خارج خدمات شركات التقسيط”، ومن طريق شراء السلع مثل الصابون وغيره.
تضخم القروض الاستهلاكية مشكلة خطيرة ويزيد من خطورتها طريقة احتساب الفوائد المجحفة التي تمارسها البنوك، السؤال الملح والمعاد هنا هو هل تستجيب المؤسسات المالية لما صدر عن مجلس منطقة الرياض؟… لعل وعسى.

“مطبات للبنات”

29 مارس 2005

عندما أشاهد طريقة خروج الطلبة والطالبات صغار السن من المدارس الابتدائية أصاب بالفزع، تستوي في هذه المدارس الخاصة والعامة، حال من الفوضى المنذرة بالأخطار تصيب الطريق والسائقين، وتتداخل المركبات من اليمين والشمال وترتفع الأصوات، ولو أتيح للبعض طريقاً من أعلى أو أسفل لسلكوه. ويكون الخطر أكبر أمام مدارس البنات، والأطفال في هذه السن قد لا تتجاوز أطوال أكثرهم ارتفاع إطار “كفر” الباص الذي سينقل بعضهم، وتخرج معلمة من المدرسة لتركب مع سائقها، ومن لحظة إغلاق باب السيارة تنتهي قضية التعليم والسلامة، وتتبخر معها الرزانة والقدوة. ولا تعلم من يقود المركبة هل هو السائق أم أن المعلمة تقوده هو والسيارة على طريقتها، ويكون الهدف الرئيسي هو الفرار… الفرار من هذا الزحام. ولا أحد يفكر جدياً بهذه الأرواح الصغيرة المتناثرة بين السيارات.
وأمام باب المدرسة يتم في الغالب التعامل مع الطالبات الصغيرات تعامل الراعي “الجلف” مع القطيع، هناك من يحشرهم من الداخل وآخر يردهم من الخارج، والتوتر على أشده والأعين زائغة تبحث عن ولي أمر أو سائق وسط هذا الزحام. هذا ما يحصل ظهر كل يوم دراسي أمام أبواب مدارسنا، يتحول من يوصفون بأنهم فلذات الأكباد.. وأجيال المستقبل، إلى هم ثقيل الكل يريد طرده عن وجهه.
أما عن السائقين واختيارهم وضبطهم فحدث ولا حرج، ومنذ لحظة الفرار من باب المدرسة يبدأ مشوار السرعة يقوده السائق، وتتأرجح الأرواح الصغيرة مثل كرات في صندوق حديد مغلق، والوقوف المتشنج متكرر والتحرك المتشنج هو الآخر متكرر.
بعد هذا كله ألا تتوقعون أن تأتي أجيال متشنجة نزقة لا تعي ماهية الصبر والرفق، تتعلم في المدارس أن في العجلة الندامة وتشاهد بأم أعينها الصغيرة أن من يعلمها والكبار من حولها هم أول المستعجلين على عجلات مطاطية.
فشلت المدارس والتربية والتعليم في إدارة خروج الطلبة والطالبات، هذا الفشل الذي نراه يومياً هو عنوان لفشل أكبر في داخل الفصول الدراسية.
ما هي فائدة التربية إذا لم تعلم النظام؟ ثم لماذا هذه العجلة؟ وهل المدارس خانقة في الداخل إلى هذا الحد ولماذا!؟ وهل للكبسة وملحقاتها دور في ذلك؟ هل يجب أن نغير موعد “الغداء” أو نبتكر وجبة جديدة ظهر كل يوم من البطيخ واللبن لتهدئة النفوس إلى حين.
نسيت في خضم هذه الحفلة اليومية مطالبات بعض مدارس البنات التي تقع على شوارع عمومية بوضع “مطبات” لتخفيف سرعة الجوعى، منها المدرسة الثالثة الابتدائية بإسكان القطيف المنطقة الشرقية.

الزئبق الأخضر

28 مارس 2005

وصلتني رسالة الكترونية “جماعية” من أحد الاخوة العرب قال فيها إنه زار مختلف البلاد العربية وعايش أهاليها، ثم كتب ملاحظاته عن طباع وسلوكيات شعب كل بلد على حدة، وما يهمني هو ما ذكره عنا نحن أهل هذه البلاد قال:
“يسهل خداعهم سواء عندما يسافرون للسياحة أو حتى في عقر دارهم”. وأجد أن ما قاله حقيقة جلية، ودعونا نحصر النقاش في “عقر دارنا”، نحن نقرأ ونسمع يومياً أصنافاً من القصص التي تؤكد هذه الحقيقة، حتى إنها أصبحت من الأمور الاعتيادية، وهو أمر يدعو إلى التفكير والبحث … أين الخلل؟، وما الأسباب التي جعلتنا نصنف من “المنصوب عليهم”، هل هو الطمع أم الطيبة والسذاجة!؟ أم أنهما اقترنا وكونا قرن استشعار نبت في رؤوس كثير منا يمكن التخاطب معه بكل يسر وسهولة، فأصبحت لدينا “القابلية للنصب” مجدية ومغرية للنصابين من مواطنين وغيرهم.
أحلام الثراء السريع هي أول خطوة للوقوع في شباك النصب، يتبعها في المرتبة الثانية أحلام الشفاء السحري من الأمراض الحقيقية والوهمية، وتأتي أحلام استعادة الشباب والجمال والحيوية في المرتبة الثالثة، وكل هذه الأحلام متوافرة بكثرة لدى ملايين البشر في أرجاء المعمورة، فلمَ يكون النصب هنا أسهل وبعائد مجز؟ ولمَ يؤخذ عنا هذا الانطباع الحقيقي للأسف؟
في قضايا شركات توظيف الأموال والمساهمات العقارية المتعثرة، الأمر جلي وواضح، الطمع هنا هو سيد الأدلة، ولا ننسى عدم توافر المعلومات عن النصابين وسوابقهم، إضافة إلى الفوضى في سوق الإعلانات، كثير من هذه القضايا تبدأ بإعلانات وحملات أي أنها لا تمارس تحت الأرض خلاف قضايا الزئبق الأحمر واستيلاد وإكثار النقود بواسطة “الكراتين”!!
القاسم المشترك بين كل حوادث النصب هو عدم الوعي من الأفراد وعدم التوعية من الجهات المعنية الرسمية، وإذا جاءت هذه التوعية تكون متأخرة ومبهمة، ثم إن الأحكام القضائية التي تصدر لا تعلن، ولا أشك لحظة واحدة في أن هناك شكاوى كثيرة من أفراد وجماعات تعرضوا للنصب تقدم للجهات الرسمية وتستهلك جهداً ووقتاً ثمينين، لذلك أقترح على الجهات الرسمية، خصوصاً وزارة الداخلية، أن تضع موقعاً على  الإنترنت يخصص للتوعية بأساليب النصب، وتضاف إليه قائمة بأسماء وصور الأشخاص أو الشركات ممن ثبتت عليهم تهمة النصب وتكرر منهم ذلك.
مثل هذا الموقع لو وجد طريقه إلى النور سيفيد أول ما يفيد الجهات الرسمية، لأن عدد القضايا سيتراجع ولا يقع أناس جدد دائماً في قبضة النصاب المختفي، ويكون الجواب على شكاواهم “أن عليه قضايا كثيرة”.

السيد “طاط”

27 مارس 2005

قرر السيد “طاط” أن آلة التنبيه في السيارة “البوري” هي بمثابة يده ولسانه وأحياناً قدمه، كما أنها تختزل جميع انعكاسات حواسه، وهي الأداة الأولى للتعبير عن حاله النفسية وصدى لأفعاله ورده على أفعال الآخرين، كل ذلك يتم بحسب مؤشر المزاج المتقلب، استطاع السيد “طاط” ويطلق عليه في المساء السيد “طوط” أن يقوم بتحويل “البوري” إلى جهاز “ريموت كنترول” مدمج، الضغط على زره مبرمج لتحقيق المراد بحسب النية “المطية”، وطول موجة “الطوط… طاط”.
وتجاوز السيد “طاط” قرع الأبواب “بالبوري” لحث الزوجة والصبية على الخروج. وأصبح من الماضي عنده استخدام “البوري” لإزالة وكنس العوائق من بشر ومركبات عن سيارته في الليل وأطراف النهار، كما تجاوز استخدامه لإلقاء التحية والاحتجاج والسباب وفي حالات نادرة إبداء الأسف، تجاوز كل هذا إلى خطوة جديدة، ألا وهي تناول الحاجات “بالطوط طاط”. وكانت طفرة نوعية فريدة، فهو يقف أمام أبواب المطاعم و”البقالات” ويضغط الزر فيقفز إليه عامل أو ثلاثة حاملين السندويشات أو طبق “المندي والمثلوثة”، “طوط” واحدة من السيد “طاط” تكفيه لانجاز العمل، وهو مرتاح “مسفهل” قابع في سيارته يرغي بجواله، ونجح السيد “طاط” في تربية ابنه المراهق “بيب” على هذه التقنية الفريدة، ولم يكن تعليمه هذه الخبرة بالأمر الصعب لأنه أنشأه، وهو الخبير، عليها فمنذ كان طفلاً يهديه “طاطه” واحدة أو عشراً كلما أراد إدخال البهجة إلى روحه الصغيرة، كان يمسك بيده الرقيقة ويضغط بها على آلة التنبيه حتى تعلم وبرع الصغير فأطلقوا عليه الابن “بيب”.
وكلما تناهى إلى سمع السيد “طاط” صوت “بيب” ابتسم و”اسفهلت” أساريره لأن “من خلف ما… مات”.
ويمكن لك أن ترى السيد “طاط” بسيارة خاصة أو رسمية وقد تكون سيارة أمنية، وربما كبيرة أو صغيرة فهو منتشر في الشوارع والأزقة، ولا يفقه السيد “طاط” شيئاً عن التلوث الصوتي وهو عندما يضطر إلى استخدام حباله الصوتية يرفع نبرتها إلى الأعلى مدعياً أنه مصاب بالصمم وثقل السمع.
ويفكر السيد “طاط” حالياً باستخدام ابهام قدمه لضغط زر آلة التنبيه “البوري”، حيث أصيب بالملل من استخدام ابهام وراحة يده اليمنى تارة واليسرى تارة أخرى وهو أيضاً تحسباً لأي طارئ.