أرشيف شهر مارس 2005

الرشوة وعلاج سلمى

26 مارس 2005

تأتي بين فينة وأخرى وعلى المستوى الإداري أخبار طيبة من وزارة الصحة، كانت أولاها الإعلان عن قضية الرشوة التي اتهم فيها أحد أصحاب الصيدليات، ثم أعلن لاحقاً عن تكريم أحد رجال الأمن في وزارة الصحة عندما رفض الرجل الأمين الرشوة ومنع سرقة كانت في طريقها الى التنفيذ، وتم شكره على أعلى مستوى إضافة إلى رفع مرتبه. ثم جاء خبر لا يقل أهمية نشرته جريدة “الحياة” الأسبوع الماضي قالت فيه أن المباحث الإدارية تحقق مع مسؤول كبير في وزارة الصحة والتهمة تلقي رشاوى من أطباء. ونشدّ على يد الوزير في هذا التوجه، لأني لا أشك لحظة في منفعة نشر هذه الأخبار فهي وسيلة من وسائل الردع والتحذير، كما أنها إشارة إلى اهتمام عملي من المسؤولين بمكافحة داء الرشوة وهو أيضاً ينبه إلى يقظة المباحث الإدارية. ولو كنت لا أزال أمارس العمل الصحافي الميداني لحرصت على لقاء المسؤولين عن المباحث الإدارية للتعريف بجهودهم والتنويه بها، فهذا الجهاز على أهميته لا يجد الاهتمام الإعلامي الذي يستحقه، كما أن متابعة نتائج التحقيقات في تلك القضايا ونشرها لهما أهمية قصوى.
وتوقفت أمام خبرين لهما علاقة مباشرة بوزارة الصحة، الأول التحذير الذي وجهته الوزارة الى الجمهور عن الخلطات الشعبية التي يدعي مبتكرها أنها تعالج السرطان. وسبق، منذ مدة، وأجرت معه احدى الصحف - لم أعد أتذكرها - حواراً قال فيه ما قال عن علاجه السحري، والخبر الثاني نشرته جريدة الوطن أكدت فيه أن السيدة سلمى الشمري عالجت نفسها من الغرغرينا بعدما شخص الأطباء حالتها وقرروا بتر قدمها وهي التي بترت أصابع قدمها سابقاً. ولم تذكر الصحيفة ما هو العلاج بالتحديد بل أشارت إلى أنه مكون من أربع أعشاب برية، وأخذت الصحيفة رأي رئيس قسم العقاقير في جامعة الملك سعود الدكتور جابر القحطاني الذي أكد أن الأعشاب غير ضارة ونصح باستخدامها تحت “إشراف طبي”، المهم أن السيدة شفيت تماماً من الغرغرينا بحسب الخبر، وأنها أبلغت طبيبها بالنتيجة وأعطته الوصفة وأصبح يستخدمها! وأصبحت تستقبل المرضى حتى من دول الخليج.
انني أدعو وزارة الصحة إلى إقامة ندوة أو مؤتمر عن طب الأعشاب الشعبي تمثل فيه كل الأطراف من الممارسين والجهات، وخصوصاً وزارة البلديات لنخرج من هذا النفق وتعدد الخلطات بين جهات تحذر وجهات تصمت.
وأدعو الوزارة أيضاً إلى تبني انتاج دواء السيدة سلمى إذا ثبت صحة الخبر لتعم الفائدة والشفاء من شبح الغرغرينا، مع حفظ حقوق السيدة سلمى وليكن اسمه “دواء سلمى”.

بالطقاق

25 مارس 2005

“الطق” في لهجتنا المحلية هو الضرب والطرق، ويمكن ان يكون بين طرفين من البشر مثلما هو صوت الحجر على الحجر كما في مراجع اللغة، وتوسع استخدام البعض لهذه الكلمة حتى تحولت إلى جوكر. فيحدثك أحدهم عن فلان الذي “طق” سيارة آخر موديل، وآخر يروي لك قصة عن فلتان الذي “طق” له زوجة ثانية أو منزلاً جديداً. والذي لا يعلم المقصود لا بد من أن يفكر أننا مجتمع من المصابين بالسادية، نحب أن “نطق” كل شيء من السيارات إلى الزوجات والمنازل.
ويأتي التعبير فلان “طق” له سيارة مزداناً بعلامات تعجب ودهشة مشوبة بغيرة، تراها في ارتفاع  للحواجب مؤطر بابتسامة مؤثرة، فهو لم يستطع “الطق” إلا لمقدرة وإمكانات لا تتوافر للراوي، ولا يخلو الأمر من بعض الحقيقة إذا ما دققت النظر في لغة الجسد بالنسبة للدلالين والشريطية، خصوصاً في سوق السيارات المستعملة. كما ترى مثل ذلك عند بعض من يصر على إقناعك بما يقول بضرب أو “طق” الطاولة براحة اليد، وتكون هذه اللغة أخف حدة عند بعض آخر فيستخدم أطراف الأصابع أما على سطح خشبي أو على كتفك… أيهما أقرب؟
ولم يكن هذا الوصف معروفاً بحسب علمي، فقد استخدمنا “الطق” كتعبير عن الطرق وكأنه اختصار له، فكانت الأبواب تطق أو تطرق، ثم انسحب على خلافات الأطفال ومعاركهم، فيأتي الصغير إلى أبيه قائلاً:
“فلان طقني”!
 وبعدها استحوذ المعلمون على استخدام هذا الفعل لتربية التلاميذ، فإذا اشتكى الابن الى أبيه من “طق” المعلم قال له: “أنت وياه بالطقاق”، وحتى الآن لا أعرف ما هو الطقاق، فهل هو السجع، أم أن الطقاق مكان بعيد مثل “قريح” وضواحيها. وفي حفلات الزفاف تنتظر النساء، وتسأل إحداهن الأخرى عن حفلة الزفاف وهل “بيحطون طق”؟ أي هل هناك فرقة نسائية “تطق” الدفوف، بمعنى فيه “وناسة” أم لا؟ والذي جاء بفكرة المقال أن أحد المتصلين بقناة فضائية عربية من ربع “ممكن أشارك” استخدم في مداخلته هذا الفعل كثيراً، وتوقعت أن المشاهدين من مجتمعات عربية أخرى قد لا يفهمون القصد، ولا بد من التوضيح في جريدة دولية، خصوصاً أننا متهمون بالإرهاب.
ولي عودة الى الطق، فقط على الورق.

على ضفاف البطحاء 2-2

24 مارس 2005

يخلط رجل الشارع بين الحديث وجهاً لوجه والحديث من خلال الهاتف الجوال، وكلما وصلت إليه رسالة الاتصالات “المملوحة” قائلة: “أنت على وشك استهلاك حدك الائتماني المحدد لك”، بلع لسانه وصمت لأيام وليال، لكن رجل الرصيف أخبره أن هناك فرقاً:
رجل الشارع: “يعني أكيد الحد الائتماني ما له علاقة بالكلام الطبيعي..! أجل كيف وصلت الرسالة في هذا الوقت؟، ما تتوقع شركة الاتصالات تلاحق كلامنا”.
رجل الرصيف: أترك عنك الوسوسة.
رجل الرصيف: أي وسوسة كل الجهات تطالع وتراقب جيبك ومحفظتك  وكل يوم تمتد لها يد جديدة برسم جديد.
رجل الرصيف: لنعد إلى موضوعنا الأساسي، قلت حي مانيلا هل له علاقة  بمانيلا العاصمة الفيليبينية.
رجل الشارع: لا يا رجل… هذا حي خلف أسواق البطحاء استوطنه أهل مانيلا… دخلته مرة وأصبت بالخوف من الأعين الضيقة التي لاحقتني حتى إنني تذكرت مدرب المنتخب القديم “مانيلي”.
رجل الرصيف: “مانيلي” ما له علاقة بمانيلا لا تخلط الأمور، لكن هل يوجد في الحي مخالفات أيضاً.
نفض رجل الشارع أعلى ثوبه وقال:
ذمتي بريئة، ما أعرف! يحتاج الأمر إلى صحافي ليخبرنا التفاصيل… لكن ألم تلاحظ أن البلدية لا حس ولا خبر.
رجل الرصيف: “البلدية… خلها على الله يا رجال أنا ضحكت لما قرأت أنهم شاركوا في الحملة”.
رجل الشارع: يضيعون وسط الزحمة… إلا قل لي وأنت الخبير البلدي يا رجل الرصيف أين البلدية من كل تلك المخالفات.
رجل الرصيف: البلدية متخصصة في السعودة!
رجل الشارع: كيف؟
رجل الرصيف: البلدية تشمر عن ساعديها إذا ما شاهدت شاباً سعودياً يقف بسيارته ويعرض صندوق طماطم أو صرة نعناع.
رجل الشارع: ولماذا هذا الاستهداف؟
رجل الرصيف: لأجل المنظر الجمالي، والبطحاء ليست على طريق المطار.
رجل الشارع: لم أفهم.
رجل الرصيف: البلديات تحرص على أوضاع الطرق الكبيرة التي يمكن أن يمر بها كبار المسؤولين ويلاحظون تقصيراً ما ويحاسبون، أما في الداخل “فلا من شاف ولا من دري”.
رجل الشارع: ولماذا لا يذهب الشباب السعودي للعمل في البطحاء!؟.
رجل الرصيف: أنت في عقلك!؟ أنظر إلى كثرة الجهات التي اجتمعت لتدخل إلى هذا الحي، لو دخل شاب ومعه سلعة للبيع لنتف العمال هدب عيونه ولن يجد من ينقذه، وربما لاحقته البلدية وقد تفرض عليه غرامة. البلديات لديها حساسية من الثياب والأشمغة.
رجل الشارع: اهااا.. الآن فهمت سبب اتجاه كثير من الشباب إلى لبس “البناطيل”!؟

على ضفاف البطحاء 1-2

23 مارس 2005

وهو يبتسم، طوى رجل الشارع الصحيفة وتوجه بالحديث إلى رجل الرصيف.
رجل الشارع: أخبار طيبة..، حملات أمنية في حي البطحاء… أخيراً.
رجل الرصيف: هل جعلتك هذه الحملات تشعر بالأمان؟
رجل الشارع: إلى حد ما!؟
رجل الرصيف: ولمَ هذا التشاؤم… تفاءل بالخير؟
رجل الشارع: هي حملات على اسمها ستنتهي اليوم أو غداً.. الحملات تحتاج إلى تحميل والأخير يحتاج إلى جهود وتنسيق لا يتوافر دائماً.
رجل الرصيف: أصبح رجل الشارع فيلسوفاً!؟
رجل الشارع: إطلاقاً لكن رجل الشارع يعلم تفاصيل صغيرة لا يعلم بها رجل ناطحة السحاب.
رجل الرصيف: أعطني مثالاً.
رجل الشارع: دعك من هذا وقل لي لماذا الحملات أصلاً!؟
رجل الرصيف: لتنظيف حي البطحاء من الجريمة والمخالفات… وهل هذا سؤال!! صحيح أنك رجل شارع.
رجل الشارع : لم تفهم قصدي..، اللجوء إلى الحملات والمداهمات جاء بسبب إهمال وتراخ أمني طويل جعل بؤر الإجرام والمخالفات تعشعش وتستوطن إلى أن بلغ السيل الزبى.
رجل الرصيف: حسناً أكمل؟
رجل الشارع: هل تعتقد أنه وطوال المدة الماضية وشرطة البطحاء لا تعلم عن هذه البؤر وخطورتها أم أنها تعايشت معها.
رجل الرصيف: كلا الاحتمالين وارد؟
رجل الشارع: إذا المشكلة الأساسية في إستراتيجية المكافحة وتواصلها.
رجل الرصيف: ربما الإمكانات وطول الإجراءات الخ…الخ.
رجل الشارع: الأمن أمر أساسي تسخر له الإمكانات، والإجراءات ليست عذراً… تصور لو لم تنشر الصحف عن أوضاع الحي… هل سيتحرك ساكن؟
رجل الرصيف: أبدا… وسأذهب وإياك إلى الحي ونشاهد التعايش.
رجل الشارع: كلامي معقول، إذن هناك خلل ما لا نعرفه فهل تعرفه؟
رجل الرصيف: لا… لكن لنجتهد ونحاول معرفته.
رجل الشارع: أعتقد أنه ينحصر في فقدان الهيبة وضعف وسائل الردع… ففي معظم الأحوال المخالف يجد ثغرة ما.
رجل الرصيف: حدد لي الثغرات.
رجل الشارع: لا أستطيع، لا بد من أن أتنكر في زي عامل وأجيد اللغات لكي أبحث ثم أخبرك بالنتائج… لكن هل تعرف شيئاً عن حي مانيلا!؟
رجل الرصيف: مانيلا… ما غيرها!
أستقبل رجل الشارع رسالة على هاتفه تقول: “حدك الائتماني على وشك النفاد”. تغير وجهه وعرف كثرة هذره، فصمت إلى حين التسديد.

صوت الكهرباء الخافت

22 مارس 2005

رفعت شركة الكهرباء صوتها عالياً ضد مطالبة “أرامكو” بفروقات أسعار الوقود، وهذا من صميم حقها، ونحن المشتركين في تيار الكهرباء نعلم أن صوتها يعلو ولا يعلى عليه عند التعامل مع المشتركين منذ “سالفة” رفع كلفة العدادات وما لحقها، لكن هذا الصوت يخفت ويختفي وتبلع الشركة لسانها عن كل الاتهامات التي تطاول أداءها مقروناً بسعر سهمها وهل السهم يستحق هذا السعر أم لا؟ ومنذ مدة غير قصيرة دأب أحد المحللين أو المستثمرين على التصريح الى القنوات الفضائية “وبعضها قنوات رسمية أو شبه رسمية”، والى بعض الصحف المحلية، مركزاً القول على أن سعر سهم شركة الكهرباء غير منصف ويجب أن يخفض، وأنه لا يعبر عن أحوال الشركة، وفي الوقت نفسه التصريح يشيد بأداء إدارة الشركة، ومعلوم أن مستوى سعر سهم أي شركة هو انعكاس لأدائها، والأداء لا يأتي إلا من الإدارة سالباً كان أم موجباً، لكن إدارة الشركة ومجلس إدارتها الموقر استحليا المدح وغضا الطرف عن القدح، ويسألني بعض المساهمين في الشركة والمتداولين عن أسباب صمت الشركة على هذا الاستهداف، وكيف قبلت بأن يتم تحييدها وكل ما يصدر هو نقد لها في المضمون، وهل السبب أن الدولة تملك غالبية أسهمها!؟ على اعتبار أنه “حلال الدولة”!؟،
وليس لدي إجابة على هذا السؤال سوى طرحه على الشركة وإدارتها ومجلسها الموقر، وأضيف إليه تساؤلاً آخر يقول: هل يعوق وجود بعض أعضاء مجلس إدارة الشركة في عضوية شركات أخرى لسانها عن الخروج والرد على هذا الاستهداف الغريب والمتستر بالتحليل المالي والحرص على أموال صغار المستثمرين؟ ومن يجامل من؟ وعلى حساب من!؟
 ثم ألا يعتبر هذا الاستهداف تدخلاً سافراً في توجيه السوق والتأثير فيه بواسطة محللين أو مستثمرين؟ وأين هيئة سوق المال عن مثل هذه الخروقات؟ أم أن تقديم المديح المسرف لإدارتها يجعل عيونها الحادة تغض الطرف؟
وإذا ما كتب الكاتب مقالاً تناول فيه شركة، مهما كانت صغيرة، ينبري له القائمون عليها فلا يتركون شاردة ولا واردة ويستخدمون كل ما في إمكاناتهم لدفع كل نقد، أما شركة الكهرباء فهي مثل اليتيمة على رغم كثرة الآباء حولها.
وبحكم أن الأسلوب الذي ذكرته أعلاه  أثبت نجاحه، بل حقق نجاحاً كبيراً يمكنك من الظهور ليس على صفحات الصحف فقط بل وعلى الفضائيات، وتقول ما تريد مهما كان متناقضاً وغير منسجم مع بعضه البعض، فقط عليك أن تمتدح الإدارة  ثم قل ما تريد.