أرشيف شهر مايو 2005

“خلك مع السيولة”

31 مايو 2005

والسيولة هنا هي المال، ولأن معظمه اتجه إلى الأسهم فإن الكل منشغل بشاشته السحرية، الموظف في مكتبه والمعلمة في مدرستها، وحتى أكون واقعياً أقول النسبة الكبرى منهم، حتى العسكريين في وظائفهم المهمة. أصبحت هذه الشاشة تنافس شاشات التلفزيون بل تركتها وراءها بعيداً. اشترى البعض سيارات بالتقسيط بحثاً عن السيولة، وآخرون باعوا “أباعرهم”، وبين هؤلاء كثر من الرجال والنساء استثمروا مدخراتهم، كثير منهم يعتمد على التوصيات، والجملة الشهيرة هي “عليه توصية”، ولا أحد يعلم من هو الذي أوصى، قد يكون “هاموراً” أو ثعلباً، و”الهامور” الآدمي يمكن أن يكون ثعلباً، أما الهامور فهو كما يعلم البعض نوع من الأسماك الوافرة اللحم والطيبة الطعم، لذلك هو مسمى لا ينطبق على بعض كبار المضاربين في سوق الأسهم ممن يرفع المؤشر بقدمه اليمنى ويطيح به باليسرى، الأفضل أن نطلق عليه سمك القرش، لهذ السمك قدرة عجيبة على شم رائحة الدماء، ويشهد لأسنانه بالقوة والحدة، وفيه من الشراسة والنهش ما أخبرتكم به البرامج الوثائقية.
 وقبل انخفاض مؤشر الأسهم الحاد يوم الأربعاء الماضي سادت وانتشرت التوصيات، وعليه أو عليها توصية، يمكن لك بحثاً في سلوكيات البشر معرفة سهولة النقل والإيمان بما ينقل من عبارة “عليه توصية”، من السهل استخدام كثير من البشر مندوبين لنشر الإشاعة و”عليها توصية”، يستخدم سمك القرش أسماكاً أصغر لنقل الإشاعات، في عالم البحار هناك أسماك صغيرة ترافق سمك القرش مثل عمال النظافة والموظفين ينظفون جلده وما بين أسنانه ويأكلون من الفتات، لست أعلم إذا كانت تلك الأسماء الصغيرة في البحار تذهب سابحة إلى مجتمعات الأسماك الأخرى وتعلن أن ذلك الفخ عليه توصية، لكنه يحدث في عالم البشر.
في خضم حمى الأسهم هذه ما حال الإنتاج في المجتمع والدولة؟ الأجساد في المكاتب وفي المعامل، والعقول هناك معلقة على شاشة الأسهم.
الإنتاج في البلد في حال خطرة وينصرف الناس رويداً رويداً عن كل عمل منتج موفر للوظائف الجديدة ولدخل إضافي وللتطوير والتحديث، بسبب العقبات الإدارية المعروفة والجهد المطلوب، وأيضاً بسبب الأرباح الخرافية في سوق الأسهم، وهي خرافية لأنها تذهب بالسهولة نفسها التي تأتي بها، والمؤشر الحقيقي هو الطمع، مؤشر الطمع سريع الارتفاع ويصل في ساعة إلى مليون نقطة وينهار في دقيقة لما دون الصفر.
الإنتاج في بلادنا في خطر، يدور في حلقة مفرغة من خطورة التربية الاستهلاكية إلى خطورة الأرباح السهلة المحتملة، والأمر في حاجة إلى تقنين وتنظيم ولعل المسؤولين عن التقنين والتنظيم ومستقبل الاقتصاد الوطني يقرأون مقالي فهو لن يشغلهم كثيراً عن متابعة شاشة الأسهم.

عظَّم الله أجركم

30 مايو 2005

الصلاة على الميت والمشي مع الجنازة إلى المقبرة والعزاء لأهل المتوفَّى سنن أجرها كبير ولها مقاصد عظيمة، هناك من هو أفضل مني لتبيانها، وكلّما دخلت مقبرة “النسيم” في الرياض أجد أن أحوال المقابر وخدمات البلديات فيها في أدنى مستوى، وإذا أضيف إلى ذلك صعوبة اللحظة على أهل المتوفى والمعزين وحرارة الجو والفوضى التي “تنظم” الدخول والخروج وإجراءات الدفن والعزاء فلا يملك الإنسان إلا أن يقول: “الله المستعان”.
 طرحت أكثر من مرة أوضاع المقابر، وتحت العنوان نفسه، وما من مجيب! بعض الإخوة قالوا: دعنا نفكر في إصلاح أمور الأحياء، واترك عنك الأموات. وفي مثل هذا الطرح، بالحديث عن الأحياء وليس الأموات - رحمنا الله وإياهم - فنحن لا نريد زخرفة أو تشجيراً ومسطحات خضراء أو أرصفة للمقابر، الأمر المطلوب بسيط ويحتاج إلى جهد قليل ولا أجد بمعرفتي المتواضعة فيه أي ضرر أو مساس بالعقيدة.
يأتي للمشاركة في الدفن والعزاء ذكور من كل الأعمار، فيهم الأطفال والشباب وكبار السن، فيهم المرضى والمتأثرون نفسياً بموت عزيز أو صديق، إذا كان الدفن نهاراً أحرقتهم الشمس اللاهبة وخنقهم الغبار مع حركة السيارات الفوضوية، فلماذا لا توضع لهم مظلات يأوي إليها كل محتاج؟ ولماذا لا يكون هناك عدد من الكراسي يجلس عليها كبار السن وأهل المتوفى عند العزاء؟ ما المانع الشرعي - إذا كان هناك مانع - أم ان الأمر إهمال من الأمانة؟
 يجتمع الناس على أهل المتوفى في المقابر للعزاء بفوضى عجيبة، فإذا كنا لا نستطيع تغيير ذلك السلوك لأنه مثبت بتاريخ “1/7″ المدون في بطاقات الأحوال فلا أقلَّ من أن يكون هناك حد أدنى من التنظيم في المقبرة بوجود المظلات والكراسي التي يمكن نقلها، وإذا كان الدفن فجراً أو ليلاً اضطر الناس إلى اللجوء إلى مصابيح سياراتهم، لأنه لا توجد إنارة في المقابر، فهل يعقل هذا؟!
لا أتحدث عن منظر حضاري “مشرِّف” يجب أن تظهر به المقابر بل أتحدث عن حاجات الناس، من مرضى وكبار سن ومنهكين، لقد شاهدت بأم عيني أكثر من مرة رجالاً يصابون بالإغماء والإعياء بسبب الحرارة المرتفعة والحالة النفسية، والذي أعلمه أن الدين يسر إذا كانت البلدية تتعذر بذلك. وأناشد هنا مشايخنا - وفقهم الله لكل خير - أن يجتهدوا في حث البلديات على التيسير على الناس وعدم الإضافة إلى عذاباتهم عذاباً آخر.

الجرذان قادمون

28 مايو 2005

ينتظر سكان أحياء كثيرة في مدن السعودية شبكة الصرف الصحي، ولا يعلمون ماذا ينتظرهم! في أحياء مدينة الرياض التي انضمت إلى شبكة الصرف الصحي بدأت قطعان الجرذان في الانتشار، وأصبحت تشارك البشر في حياتهم، وإذا تذكرنا أن حملات تنظيف الرياض من الجريمة والمخالفات التي قادتها إمارة الرياض كشفت تسيباً كبيراً في عمل البلديات والأمانة على سطح الأرض، يمكن لنا توقع ما يحدث الآن تحت سطح الأرض، أحذِّر هنا من هذا القارض الخطير وما يحمله من أمراض وأوبئة، فهو عدو شرس لديه قدرة بارعة على التكيف والتكاثر، ولا يمكن التهاون معه، الجرذ إضافة إلى قبحه حيوان ذكي وخبيث، ومجرد ذكر سيرته أمر مزعج خصوصاً في أول أيام الدوام الرسمي للأمانة وبلدياتها الفرعية، وأطالب الأمانة بالتوعية بكيفية التعامل معه، إضافة إلى إعلان خطط للمكافحة وتطبيقها في الميدان، ومن تجارب بعض الإخوة القراء تجربتان تبينان خطورة هذا الحيوان القذر.
قرر الأب أن يقتل “جرذين” بحجر واحد، فاشترى لابنه المراهق “ساكتون” وهو بندقية صغيرة تستخدم لصيد الطيور، وكلفه قتل الجرذان والاستفادة من وقت الفراغ، لم تكن كل الإصابات قاتلة، والجرذ الجريح خطر مثل الحيوان المفترس الجريح، صار الجرذ الجريح يدخل إلى المنزل، ومن بين كل ملابس العائلة يختار ملابس الابن النظيفة المكوية، ويتفنن في قرضها، خاف الأب على ملابسه فقرر الهدنة إلى أن تتحرك البلديات، ويمكن للجرذ الانتقام من المواليد والأطفال الصغار.
قصة أخرى لمواطن “حنون مسالم” لا يريد قتل الجرذان بل إبعادها عن أطفاله ومنزله، فهو يضع لها مصائد، ثم يحملها إلى أرض بعيدة ويطلقها، غير بعيد من مكان اطلاقه لها بناية يعمل بها المواطن الحنون، في الصباح الباكر يكتشف أنه تم قرض الأسلاك في مكتبه، وكلما كرر العملية تكرر القرض، وهو مجتهد في استبدال التوصيلات والأسلاك. القصص من هذا النوع كثيرة، ويمكن اعتبارها بسيطة، لكن الأمراض التي ينقلها لا يمكن التهاون فيها، والجرذ لا يخيف الأطفال والنساء فقط بل الرجال الشجعان أيضاً، وهناك قصص في كتب التراث تحكي ذلك لكن من الطرائف ما يذكره الدميري في كتابه “حياة الحيوان الكبرى” نقلاً عن الزمخشري، أنقله بتصرف، يقول إن الجرذ هو الحيوان الوحيد - يقصد من الثدييات - الذي إذا تم خصي الذكر منه يصبح أكثر شراسة وشجاعة، ويتحول إلى قاتل، وقد يقتل بقية الجرذان فهل تفكر البلديات في ذلك؟!

المنتدى الميت

27 مايو 2005

أندهش من محاولات بعض المسؤولين العرب نفي مصافحة أو لقاء مسؤولين في دولة العدو الصهيوني، آخر هذه المواقف تم خلال ما سمِّي المنتدى الاقتصادي العالمي في الأردن. المسؤولون في الدولة اليهودية يصرون على أنهم صافحوا والتقوا وناقشوا، وبعض العرب ينفون وبعض آخر يخفف من أهمية مصافحة… مجاملة، وتنشغل وسائل الإعلام، هل تصافحوا أم لا؟ وننسى أنهم على أرض دولة عربية، يقوم مسؤول فيها بتقديم وزير الخارجية العراقي لمسؤول إسرائيلي… للتعارف والتواصل وتجاذب أطراف المصالح، على حساب من؟ الله أعلم. وظيفة التسويق هذه لم تكن بدايتها المشاريع والمنتديات ولا المصافحات، تاريخها قديم، الدولة اليهودية مثل فأرة نجسة تمكّنت من الخروج إلى الفناء الأمامي بفعل عوامل وظروف يعلمها الجميع، وخضغ لها بعضهم بصورة مخجلة، هذه الفأرة تتقافز هنا وهناك مرة في شرم الشيخ ومرة في العقبة، في المنتدى الميت في البحر الميت، ينسى المسوقون لإسرائيل خلال المنتديات ذات الطابع الاقتصادي أنها لم توفِّ بالتزامات عليها أكثر من أن تحصى من قبل خارطة الطريق، متمثلة في القرارات الدولية الواضحة والصريحة من هيئة الأمم المتحدة التي صدرت وتناساها المسوقون، تركوا كل تلك النتائج والجهود وراء ظهورهم. القضية بالنسبة لهؤلاء إرضاء الأميركي من خلال الإسرائيلي باستضافة منتديات ومصافحات ومحاولات اختراق أكبر هنا وهناك، تسجيل نقاط لمصلحة العدو سابقاً الشريك “الاقتصادي” حالياً، السؤال الذي يقبع في ذهن كل عربي وكل حر هو لماذا يكون الجهد الكبير والخارق للعادة للمسوقين العرب مصروفاً تجاه كسر ما تبقّى من السور العربي؟ دعوة الباقين على العهد ومن ثم إحراجهم شكل من أشكال السمسرة المقيتة، أين مواقفهم الواضحة خلاف تلك التصريحات الهلامية من عدم انصياع إسرائيل للشرعية الدولية؟ وإذا كان الفلسطينيون مضطرين للتعامل مع الدولة الإسرائيلية فما هو وجه الاضطرار بالنسبة لهؤلاء؟ تحولت الكثرة العربية إلى نقاط ضعف امتلأت بالثقوب التي تنفذ منها الدولة اليهودية بدعم متين من أميركا وتسويق مخجل من دول عربية.
ومن المضحك أن يُستخدم المنتدى الميت لدغدغة أحلام الجماهير العربية بالدعوة إلى اصلاح أوضاعها الداخلية، نعم العالم العربي بحاجة إلى إصلاح كبير، وإذا لم تحتط الدول العربية وتبدأ في إصلاح أوضاعها الداخلية بالسرعة المناسبة فإن الثمن المدفوع سيكون كبيراً، يجب أن تمسك هي بزمام القيادة ومن خلفها شعوبها معتمدة على الله - تعالى - ثم عليهم، وإذا لم تسرع في التحرك فهي تضيف ذرائع كامنة ستُستخدم في المستقبل القريب. الإصلاح للأوضاع العربية الداخلية ضرورة ملحة لكنه لا يمر - بالضرورة - بمحطة الدولة اليهودية. المنتدى الاقتصادي العالمي أخذ النصيب الأكبر من البحر الذي أقيم على ضفافه، منتدى ميت سيقفز مرة أخرى إلى شرم الشيخ ثم يعود، دعونا ندعو المولى القدير أن يغرق هناك.

إصلاح “ساما”

26 مايو 2005

حال احتقان “داخل الكواليس” تعيشها العلاقة بين مؤسسة النقد “ساما” وبعض البنوك السعودية، وأقول “بعض” لأن بعضها بدأ يتذمر في حين ما زالت بنوك أخرى في أفواهها ماء كثير، لا تريد الاصطدام بمؤسسة النقد مراعاة لمصالحها.
 سبب الاحتقان حال سوق الأسهم والتعليق المستمر لأوامر البيع والشراء وتأخرها، الأمر ليس بجديد لكنه هذه المرة طاول كبار المتداولين. في السابق كان التعليق والتأخير وعدم تنفيذ الأوامر محصوراً في الصغار، وهؤلاء تضيع أصواتهم في الفضاء الرحب ويمكن لرجال الأمن “السكيورتي” ردهم بفظاظة أمام أبواب البنوك، الأمر مع كبار العملاء مختلف، أصواتهم أعلى، والخسائر كبيرة ومرشحة للتفاقم، المشكلة في نظام التداول التقني فقد أصيب بالتخمة أو “كرش” كما ذكرت في مقال سابق. “ساما” تقول للبنوك إن المشكلة في أنظمتكم والبنوك تقول العكس، التقنية التي طالما تغنى بها القطاع البنكي تصيبه الآن بأزمة تنفسية حادة ومع من؟ مع الأب الراعي والأم الرءوم مؤسسة النقد. أقترح على “ساما” أن تبحث سريعاً عن الخبير أو فريق الخبراء الذي باع عليها هذا النظام، بودي أن أكتب “بااااااع” عليها، هكذا، حتى تصل السطور إلى القارئ، ثم أين تلك البلابل المغردة عن أكبر وأضخم سوق في المنطقة والأحدث تقنية والتريليونات من الريالات، ألا يغردون سوى في الأفراح؟ ألم تكن تصريحاتهم تلك من المخدرات الضارة بالجسم الاقتصادي الوطني؟
أقترح أن يعاد النظر في الاسم المختصر لمؤسسة النقد العربي السعودي من “ساما” إلى “تعليق”، القضايا المعلقة لديها كثيرة. كتبت هنا قبل أشهر عن شركة تأمين تجمع الأموال من المواطنين لغرض الاستثمار ولم يتحرك أحد في مؤسسة النقد، الآن وقعت فأس جديدة في الرأس ونشرت “الحياة” يوم الاثنين الماضي عن النزاع بين هذه الشركة وبين المواطنين الذين أسهموا معها، أمر يحتاج إلى مقال مستقل، الشاهد أن “ساما” لم تحرك ساكناً وكان يجب عليها أن تجمد أموال الشركات ومنها تلك الشركة مثلما جمدت أوامر المتداولين.
من الاختناقات التي تعيشها سوق الأسهم إلى توظيف الأموال والتأمين، قبلها صمت كبير ثقيل على استغلال المواطنين بقروض مجحفة من البنوك، كل هذا إلى ماذا يشير؟ إنه يشير إلى حاجة ماسة لإصلاح مؤسسة النقد العربي السعودي من الداخل، لقد فقدت هذه المؤسسة الكثير من الكفاءات الوطنية خلال السنوات الماضية، وما زالت على أوضاعها السابقة وكل شيء حولها ينمو ويكبر وهي تكابر، وهذه البنوك المتخمة الآن ترفض أموال المودعين الصغار من الراغبين في الاستثمار لأنها قليلة في رأيها، والشركات التي ستطرح للاكتتاب ومن ثم التداول تتزايد يومياً وإعلانات ودراسات عن السماح لغير السعوديين بالاستثمار في الأسهم… الخ، ولكم أن تتصورا أمام كل هذه التحديات ماذا يمكن أن يحدث؟
 إذا أصلحنا مؤسسة النقد من الداخل سنصلح أموراً كثيرة.