أرشيف شهر مايو 2005

صقر في زمن الدجاج 2-2

19 مايو 2005

الصقّار المحترف يعلم أن نشاط الصقر ينخفض في هذا الوقت من السنة، فهو يدخل في ما يمكن تسميته البيات الصيفي، لك أن تتصور عزيزي القارئ أن صقرنا المسكين سيضطر على رغم “منقاره” الأشم، إلى تبديل ريشه في حبس وأمام دجاج وديك.
في وقت “قرنسة” الصقور يحرص المحترفون على عدم إزعاج الصقر في مبيته الصيفي يزورونه مرة واحدة أو مرتين في اليوم لإطعامه وتفقده في أوقات محددة، ويتم تجهيز مكانه برمل وأحجار من نوع معين تكون عليها طبقة من الملح يحضرونها من الصحراء، الهواة من غير المحترفين يخطئون كثيراً في هذا الوقت، حيث يبقون الصقر على وكره فيصاب بأمراض يصعب الشفاء منها، مثل مرض “السدة” وهو التهاب يصيب منطقة حساسة من باطن كف الصقر، الأحجار الملحية والرمل وترك الصقر حراً يتحرك تقيه من هذا المرض بإذن الله، وعلاجه فيما لو أصيب بالمرض مكلف وطويل، وللعلم فإن بعض خبراء الصقور الخواجات في بلادنا لم يعلموا أسباب هذا المرض والوقاية منه وتعلموها من الصقّارين، “وانظر إلى الفرق بين راتب هذا وراتب ذاك… جعل الشر يتعداك”!
 بعدما يبدل الصقر ريشه مرة ثانية يسمى “قرناس ثاني” أو “ثني”، وهكذا، وتختلف التسميات الشعبية من منطقة لأخرى، ومنذ بداية شهر أكتوبر واعتدال الجو يكون الصقر أكمل تبديل ريشه ويصبح مستعداً لفترة التدريب وما يطلق عليه “الدعو”، والعمر الافتراضي للصقر في المتوسط ما بين خمس عشرة إلى سبع عشرة سنة، وما يتعداها وهو قادر على الصيد والكر والفر، يعتبر حالة نادرة، وعندما يتقدم الصقر في السن ويحال إلى التقاعد يستمر صاحبه في إكرامه، وتستمر العلاقة الحميمة ولا يتركه يمشي على عكاز، يقوده ابنه المراهق باحثاً عن تحويل راتبه التقاعدي من فرع أحد البنوك إلى فرع آخر وأمامه طابور طويل، ولا يرضى أن “يتمرمط” أمام أبواب الضمان الاجتماعي ، بل تصله حاجته إلى وكره معززاً مكرماً، ويستمر صاحبه كل مساء وبين صحبه في التغني بأمجاده وإنجازاته أيام الشباب والعطاء، ولا يمكن أن يحبس مع دجاج حتى ولو كان عاطلاً عن العمل، والكاتب ليس مولعاً بالصقور ولا بالصيد ولله الحمد والمنة، ولكن “دم الحر يحن”، إضافة إلى أنني مهتم بالخبرات المحلية، خصوصاً في شؤون بيئتنا وأجد أن الاهتمام بها لا يرقى للكنوز المدفونة في رؤوس رجال ونساء هذه الأرض الطيبة، وكلما جاءت مناسبة وتوافرت معلومة أكتبها فربما تكون هناك استفادة لا اقصد من الجهات الرسمية طبعاً بل من القراء، لأن لدى الجهات الرسمية مفكريها  ومستشاريها الذين لا يحوجونها لأي فكرة جديدة لهذا تجد أن ما يطرح في الصحافة قليلاً ما يجد صدى.

صقر في زمن الدجاج 1-2

18 مايو 2005

اندهش صديقي أبو ناصر مما رآه في سوق الحمام، بداية أوضح لكم أنني أعتبر هذا الصديق مستشاراً لشؤون سوق الحمام والدواجن…
 ماذا أدهشه؟
 وجد أبو ناصر صقراً محبوساً في قفص مع دجاج وديك! روى صديقي المشهد بألم، قال أن الصقر كان مهيض الجناح ومكسور الخاطر، تماماً مثل عزيز قوم ذل، اضطرته الظروف إلى أن “يلبد” أي يحشر نفسه في طرف القفص برأس مطأطأ، وربما بدأت أمراض الضغط والسكري تفتك بجسده الممشوق.
قلت له قد يكون نوع آخر إما “شبوط” أو “باشق” على رغم أنهما لا يحبسان مع الدجاج لكن أبو ناصر أخبرني أنه سأل البائع عن نوع الطير فقال له إنه شاهين وأثنى عليه وأنه حر ليس له صنو، امتدحه مثل كل بائع يروج بضاعته. في الحقيقة  تأثرت كثيراً، صقر في قفص مع  دجاج وديك، تذكرت أن الكثرة تغلب الشجاعة، وأن معاناة الصقر السجين مع الدجاج لا توصف، يحتاج مثل هذا المشهد لشاعر وأنا لست بشاعر، اتصلت بصديقي أبو عبدالله مستشاري لشؤون الصقور والفيافي والقفار، ما أن سمع بالقصة حتى تملكه الغضب وطلب مني معرفة موقع سجن الصقر، توقعت أنه سيحاول فك أسره أو يفتديه “بغمطة” نقود، يقيل حراً من عثرته، حر في سجن وفوق هذا مع دجاج وديك ولك أن تتصور، اكتشفت أنه يريد تلقين السجّان درساً في احترام الصقور، رفضت أن أخبره بالمكان، ابتعاداً من المشكلات، ومعتذراً بأن أهل الصحراء وهو منهم يستطيعون معرفة المواقع “بالماجلان” أليس كذلك!؟ واتفقت وإياه أخيراً على أن نقدم درساً في التعامل مع الصقور… في سطور، فهذا من أضعف الإيمان.
المثل الشعبي الذي يقول “اللي ما يعرف للصقر يشويه” أصبح مثلاً قديماً يمكن لنا من واقع القصة المحزنة السابق ذكرها تطويره مثلما يطور التراث فنقول: “اللي ما يعرف للصقر يحبسه مع دجاج” فينتج لدينا “صقر داج”، ولك أن تتصور أن الصقور تباع في سوق الحمام، السوق غلب عليه اسم الفريسة وأصبح المفترس تابعاً بل ومسجوناً في قفص دجاج.
تنشأ علاقة حميمة عميقة بين الصقّار “مربي الصقور” وطيوره، يتعامل معها مثلما يتعامل مع أبنائه أو أكثر، تذكروا أنني أتحدث عن الصقار وليس عن المتطفلين على الصقور، والصقّار لا يمكن أن يضع صقراً في قفص، وفي مثل هذا الوقت من السنة عندما يشتد الحر يحرص الصقّار على العناية بصقره، يكرمه في مكان مكيف معتدل الحرارة، في هذا الوقت يقوم الصقر بتبديل ريشه يطلقون عليها “القرنسة”، هو فرخ وعند أول سنة يبدل فيها ريشه يسمى “قرناس بكر” والعهدة على المستشار. ومعلوم أن العقاب الأشد  للطيور هو حبسها مع غير جنسها، على العكس من البشر!! لذلك فإن صقرنا الأشم المحبوس مع دجاج وديك كما روى لي صاحبي الغاضب يعيش في ذل ومهانة، نعود إلى معاملة الصقّار المحترف لصقوره وإكرامها غداً بعون الله تعالى.

الرفق بالكلاب

17 مايو 2005

توقعت أن تكون هناك ردود فعل للتحقيق الذي نشرته “الحياة” عن “مصارعة الكلاب” في المنطقة الشرقية ويظهر أن الموضوع مر بسلام وتحدث الناس عن العضة التي أصابت أحد المشاركين من البشر، حدثني أحد الإخوة أيضاً عن “بلوتوث” محلي، لم أشاهده، يصور مشهداً لكلب يجري والنار تشتعل في جسده، وأتذكر في الصغر أن بعض الفتيان كانوا يتلذذون بإيذاء الحيوانات، “مصع” رؤوس القطط الصغيرة، وربط معادن ثقيلة في أذناب الحمير فيستمر الحيوان المسكين في الجري خوفاً من الصوت الذي يلاحقه ويموت من الإنهاك إذا لم يلتفت إليه أحد المارة، ولا يتورع بعضهم عن إحراق جحور حيوانات أخرى. حالياً إذا تجولت بسيارتك في الطرق الداخلية في  بعض أجزاء منطقة الرياض مثل منطقة سدير وما حولها، وهي هنا مثال، تجد عدداً ملحوظاً من القنافذ الميتة على قارعة الطريق بفعل دهس السيارات، بعضه تم عمداً من جانب سائقين قد يكونون من المراهقين، وهذا الحيوان المسكين يتم دهسه بسهولة لكونه بطيء الحركة، على رغم أنه مسالم غير مؤذ وهو كثير النفع، ونعلم كثيراً عمّا يتم فعله بالضبان في مواسمها، على رغم التركيز الإعلامي على حمايتها من الانقراض والصيد الجائر، هنا أنا لا أتحدث عن الصيد بل أركز على الإيذاء لغرض التلذذ المرضي. توقعت أن يكون هناك رد فعل لتحقيق “الحياة”، لأن لديّ قناعة أن الذي لا يرفق بالحيوان لن يرفق بالإنسان، والذي تبرمج في الصغر على الإيذاء سيستمر معه هذا المرض في الكبر وقد يصل إلى أفراد العائلة والجيران ثم المجتمع، ومعالجته لن  تكون سهلة إذا افترضنا توافرها، سيسخر البعض من طرحي لموضوع مثل هذا ونحن نعيش قضايا ساخنة على مختلف الجبهات، لكني على يقين أن الصمت على مثل هذه الممارسات  غير السوية صمت على سوء في التربية وغض للطرف عن تشوه في الفطرة، ونحن نعلم جميعاً عن تعاليم ديننا الحنيف التي وجهتنا للرفق بكل كبد رطبة والإحسان إليها، ونعلم عن الهرة التي أدخلت المرأة نار جهنم، وسقيا الكلب العطش التي فاز بها الرجل.
في كتابي “لا ترم قشر الموز” تناولت قطعة قديمة من كتاب المطالعة عنوانها “الرفق بالحيوان” وعالجتها بصورة تحاكي الواقع الحالي، وباختصار اتضح في القصة أن المعلم الذي يلقن التلاميذ الرفق بالحيوان كان يحرص على إيذاء أحد التلاميذ بمناسبة ومن دون مناسبة، قد يكون ذلك المعلم وهو “شخصية خيالية” شب على إيذاء الحيوانات.
انني أدعو إلى سرعة إنشاء جمعية للرفق بالحيوان وإلى تجريم إيذائها، وأطالب بمنع مصارعة الكلاب وأي نوع يماثلها، فنحن لم نتأذ من هذه الحيوانات بقدر ما أصابنا الأذى من بعض بني البشر، وأجزم أننا نرحم الضعفاء من كل الكائنات.

تجارة الإرهاب

16 مايو 2005

أمهات في حالة يرثى لها قلوبهن معلقة أو شبه متوقفة، وأبناء يُستخدمون للتفجير، تحول بعض شبابنا إلى رجال آليين يمكن استخدامهم في المواقع الخطرة، حيث يستخدم الرجل الآلي من ضمن ما يستخدم لتفكيك المتفجرات. بعض شبابنا يستخدم للتفجير والانتحار، استخدم داخل بلادنا ويستخدم خارجها، الأسباب عدة والمستغلون كثر. أصبحت الذهنية العالمية جاهزة لتصديق حتى الشبهات وتحويلها إلى حقائق عندما يكون السعودي طرفاً فيها، وتحول الأمر من صفة التبذير المالي المستهجن إلى المشاركة في العمليات الإرهابية، وتحول بعض شبابنا لسلعة إرهابية، تم زرع شرائح الكترونية في أدمغتهم لا تستقبل سوى إشارات معينة من دون فحصها والتأكد منها.
الإدارة الأميركية أول من استغل الإرهاب للتجارة السياسية والسيطرة الاقتصادية، فولّدت لنا ما نشاهده بألم وحسرة في العراق وقبله أفغانستان، وسوء أساليب هذه الإدارة وفّرت البيئة المناسبة، وكان المضحك استخدام الشعارات… شعار “محاربة الإرهاب” على رأس القائمة، في المقابل نشأت أنواع وأشكال من المستفيدين من تجارة الإرهاب، من الكتاب إلى القنوات ليصل الأمر إلى عصابات استثمرت الظاهرة وشاركها فيها استخبارات من هنا وهناك، كل له هدف، وظل الشاب السعودي أحد الأدوات الأساسية، وتعلم الإدارة الأميركية أنها تنعش الإرهاب بالإرهاب الذي تمارسه، من غوانتنامو إلى تدنيس المصحف الشريف مروراً بما تعرض له سيدنا محمد - عليه الصلاة والسلام - من متطرفيهم، ويثبت ذلك تلك المحاكمات والأحكام الهزيلة التي تصدر محصورة في أفراد ورتب دنيا. وإذا جمعت تلك الممارسات التي تسربت تستنتج أنها ناتجة عن قناعات وتسأل هل وراءها تلقين وتعليم في المؤسسة العسكرية الأميركية؟
ماذا نفعل لشبابنا الذين أصبحوا سلعة إرهابية، يباعون لقيادة سيارات التفجير، وهل هم على علم بما ينتظرهم عندما يذهبون هنا وهناك؟ ربما يتم اختطافهم وبيعهم لمجموعات تستخدمهم بالإكراه، أجد أننا على المستوى الرسمي والإعلامي لم نعط هذه القضية حقها، ولم نقدم ما يجب لهؤلاء الضحايا المحتملين ولا لأسرهم، ونحن بالفعل قصرنا مع المعتقلين من اخواننا في غوانتنامو هذه حقيقة، وإذا كنا تقدمنا خطوات في مواجهة الفكر المتطرف فإن الطريق أمامنا ما زال طويلاً، وهو يحتاج إلى سند رسمي يضغط على تلك الدول التي أصبحت قناة توجيه لأولئك الشباب، ولماذا لا نتوقع أن يتم استخدامهم في لعبة سياسية إذ لدينا القدرة للتحرك في هذا الاتجاه، وفي الوقت نفسه لا بد أن نبحث بعزم في سبب استمرار تلك القناعات عند بعض شبابنا، ومن المهم تذكير الإدارة الأميركية دائماً أنها من الأسباب الرئيسة في ما يحدث، ومثلما قصرنا مع المعتقلين في غوانتنامو، نقصر الآن في البحث عن المفقودين من الشباب وحماية أهاليهم المساكين من تجارة المحامين.

سرقة الظل

15 مايو 2005

أحب استعراض أمثلة صغيرة تشير إلى خلل كبير مما نعانيه، الأخ محمد العبدلي من الخبر تعرض لموقف صغير كبير، فيه شيء من الطرافة السوداء وكثير من رفع ضغط الدم، وعندما قرأ عن تشابك الصلاحيات بين الجهات الحكومية في مقال “فيروس البطء” قبل أيام، أرسل إلي شارحاً ما تعرض له.
داخل ملكية المواطن العبدلي موقف لسيارته قام بوضع مظلة عليه للحماية من أشعة الشمس، وعليه لوحة “موقف خاص”، في أحد الأيام وجد سيارة غريبة تحتل هذا الموقف، صبر اليوم الأول والثاني وعندما جاء اليوم الثالث… لنستكمل سوياً القصة من الرسالة:
(في الحقيقة ساورتني شكوك بأن السيارة قد تكون مسروقة، اتصلت بالشرطة على رقمهم الساخن 999 وشرحت لهم مشكلتي، فأجابوني بأن المختص بهذه القضية هو المرور، فاتصلت بالمرور على رقمهم الساخن 993 في الصباح وأجابوني بأنهم مشغولون بحوادث السيارات وأن مشكلتي بسيطة وسوف يحلونها لي ولكن بعد صلاة الظهر.
انتظرت بعد الصلاة واتصلت على المرور 993 وسألوني عن موقع مسكني ووعدوني بإرسال دورية وانتظرت ساعتين وبعد طول الانتظار أفادوني بأن مشكلتي يجب أن تحل عن طريق الشرطة، فقررت الذهاب بنفسي إلى المرور وقابلت مدير المرور الذي أحالني إلى ضابط مسؤول وبدوره أفادني بأن “الموقف الخاص بي يقع داخل حدود ملكية منزلك وعليه فإن صاحب السيارة المجهولة قد تعدى على حدود ملكية” منزلك وهذه قضية حلها لدى الشرطة 999 وليس بيد المرور 993، اتصلت بالشرطة وأرسلوا لي دوريتين لموقع بيتي وعند حضورهم قالوا لي بأن مشكلتي بيد المرور وليست الشرطة. في الغد ذهبت إلى مدير شرطة الخبر وأخبرته بالمشكلة وأجابني بجواب مبك مضحك، قال لي: نعم المرور محقون ونحن كذلك محقون؟ فقلت له إذن من عنده حل مشكلتي؟ فقال بيد الحقوق المدنية!!). انتهى،
هل علمت الآن أخي محمد لماذا يقال دائماً في الإعلام “الجهات المختصة”!؟ لأنه حتى من يكتب البيانات لا يستطيع تحديد الجهة المختصة، وهذا ما دفعني في يوم من الأيام للكتابة عن “الجهات المختصة”. وأنصحك بأن تضحك على ما مر بك حتى لا تصاب بمرض لا سمح الله، ولست مندهشاً مما حصل، بل المدهش أن المظلة لم تسرق وبقي الحديد غالي الثمن في موقعه وكنت أنتظر نهاية أخرى مثل أن يقال لك وأنت تسكن في مدينة ساحلية إن المؤسسة العامة للموانئ هي الجهة المختصة! والحمد لله أنك توقفت عن الركض عند هذا الحد، تصور لو أنك كابرت وذهبت إلى الحقوق المدنية فأعطوك ورقة إحضار  لشخص أنت تبحث عنه، ثم انظر لبعض البشر يسارعون للدخول إلى المساجد لأداء الصلاة ولا يستحون من إيقاف سياراتهم في وسط الطريق، يظهر أننا بحاجة لجهة مختصة بإماطة الأذى.