أرشيف شهر يونيو 2005

المشعل انطلق من الرياض

14 يونيو 2005

كتبت في معرض إلحاحي على قضية سرقات السيارات، وطالبت رجال الأمن بالبحث عن المواقع التي تباع فيها المسروقات من مسجلات وإطارات سيارات… الخ، وقبل فترة نشرت “الحياة” عن كشف رجال الأمن في العاصمة محلاً لبيع قطع الغيار يشتري المسروقات، وتم الاعتراف، ولأن “رجل الديك تأتي بالديك والدجاج” تم التوصل إلى اللصوص، الخطأ الوحيد الذي وقعت فيه هو أنني لم أتصور بيع المسروقات إلى محل قطع غيار مرخص!! وهنا فتش عن يقظة البلدية الشهيرة، كنت أتوقع أن تباع المسروقات في الظلام، في أطراف المدينة في الاستراحات والمستودعات، دعنا نقول في “حراج ابن قاسم”، لكنها تباع إلى محل مرخص! هذا يشير إلى “كبر حجم الثقب في القربة”، المطلوب الذي نطمح إليه نحن سكان هذه المدينة المترامية الأطراف لن يقدمه لنا سوى إمارة منطقة الرياض، الإرادة الفاعلة والإدارة الحقيقية جعلت إمارة منطقة الرياض بقيادة أميرها المحبوب الأمير سلمان بن عبدالعزيز تطلق شرارة التنظيف بالحملات المستمرة، وكانت شرارة نور عرّت مواقع خفافيش الظلام، شرارة الضياء هذه انتشرت في كل أرجاء المملكة، بالأمس قرأت عن حملات في صبيا ونجران وغيرهما، نحتاج إلى حملات على محال قطع الغيار، هذه المحال تبيع قطع الغيار الجديدة، وأية قطعة مستخدمة أو منزوعة لا بد من أن تثير أسئلة بعدد السرقات.
لقد ثبت لنا في الحملات المستمرة أن البلديات أجهزة لا يمكن الاعتماد عليها، والدليل أن أكثر ما كشف من مخالفات يقع تحت مسؤوليتها، انظر فقط إلى كثرة مواقع حفظ اللحوم الفاسدة و”تلطم” حتى لا تصاب بالدوار، وإلى أن يتم إصلاح أحوالها بإذن وتوفيق رب العباد، الحاجة ملحّة لحملات على محال قطع الغيار فقد نكتشف أعاجيب، وقد نلمس انخفاضاً في عدد سرقات أجزاء السيارات ولا أقول السيارات، ومنذ بداية حملات الملاحقة وأنا أتابع بتمعن أنواع المخالفات والمصادرات، وكنت أستغرب عدم العثور على سيارات مسروقة، في الأيام الأخيرة أصبحنا نقرأ عن سيارات مسروقة أو مطلوبة تم العثور عليها، أعتقد أننا نتقدم خطوة خطوة، ومن نتائج الحملات معلومات كبيرة مهمة وقيمة لابد من تحليلها بدقة، كل هذه العمالة غير النظامية كيف وصلت إلى هذه المواقع واستمرت في هذه الأعمال، أين هم الكفلاء؟ وما الأخطاء التي وقعوا فيها؟ وماذا سنعمل تجاه الجهات المقصرة؟ ومتى يجري إصلاحها؟ الثغرات التي تسربت منها كل تلك المخالفات أصبحت معروفة… هل سيتم تلافيها؟ هذا هو منتهى الأمل، الإرادة الفاعلة تحقق المعجزات، تحية عبقة لأمير الرياض ولرجال الأمن على هذا الإصرار والاستمرار الذي تجاوز كل التوقعات فكشف كل هذه المصائب وبعد الكشف يأتي العلاج.

بيضة التوت

13 يونيو 2005

هل يبيض التوت؟! من الممكن ذلك على رغم أنه فاكهة، لا ننسى أننا في زمن العولمة، شراب التوت له قصة طويلة معنا، أتذكر أن بائع عصير التوت المتجول كان ينادي: “اشرب التوت قبل ما تموت”، لهذا ارتبط التوت في مخيلتي بالحياة! وكان حاضراً بقوة وما زال في شهر رمضان، أما لدى الأطفال فله وقع غير طبيعي، ربما بسبب اللون والطعم، وربما بسبب -  بحسب علمي - ما ظهر من أنواع الآيسكريم الشعبي، كانت الأصباغ والإضافات مستحبة، ولم يكن أحد يعلم أن بعضاً منها يؤدي إلى التهلكة. قبل عام ونصف تقريباً طرأت ظاهرة جديدة “عصير توت طبيعي” تنتشر محاله في العاصمة الرياض، محل كامل لا يبيع سوى نوع واحد من العصير، وانتشرت مطويات مدعمة بآراء خبراء تبين الفوائد الصحية للتوت، وكان أمراً عادياً، صرعة التوت مثل غيرها من الصرعات خصوصاً مع الإقبال على الطبيعي، واستغلال هذه الصفة لدرجة لن أستغرب معها لو ظهرت منتجات بلاستيك “طبيعية”!
بيضة التوت جاءت من وزارة البلديات، إذ نشرت الصحف وبثت وكالة الأنباء الرسمية “واس” تحذيراً شديداً من أنواع عدة من عصير التوت التي تروِّج على أنها طبيعية وغير مستوفاة لمعلومات البطاقة الغذائية، حيث يضع أصحابها أرقام الجوال، والملفت للنظر في التحذير شديد اللهجة أنه أورد أسماء تجارية مختلفة مثل” أرياف، عجائب التوت، أبو ساري، نايف”، وفي تقديري أنها محالّ صغيرة، التحذير كشف لنا تعاوناً وثيقاً بين وزارة البلديات ووزارة التجارة، الأخيرة أخذت عينات من أحد الأنواع واكتشفت أصباغاً وخمائر وبكتيريا هوائية، وتم إحالة صاحب المحل إلى لجنة الفصل في قضايا الغش التجاري.
هل نعيش بداية انطلاق حملات بلدية لمكافحة الغش التجاري؟ وهل سنرى أسماء شركات تجارية ومصانع مشهورة في ما إذا ثبت عليها غش تجاري، أم أن الأمر سينحصر في التوت والمحال الصغيرة؟
 من الواقع المعاش أتوقع أن الأمر سيبقى على ما هو عليه، وأن قضية التوت حالة استثنائية وجدت طريقها بهدوء وربما ببطء يشبه بطء السلحفاة في سباقها مع الأرنب لتصل إلى بيان تحذيري وعقوبات على المتسبب.
ومع بيضة التوت أفتقد صوراً لبعض المراقبين في وزارة التجارة التي كانت تنشر لهم بكثرة في الصحف وهم يحملون بعض المضبوطات المخالفة في مستودعات الحليب الفاسد والمعلبات المنتفخة. البطاقة الغذائية مهمة ولكن المنتجات المخالفة من العطارة إلى البقالة منتشرة وبحجم كبير بحيث يستغرب الإنسان الالتفات إلى عصير التوت، لذلك يمكن لنا استنتاج أن التوت يبيض أيضاً بحسب المواصفات القياسية السعودية.

الشعر والشعور

12 يونيو 2005

أسوأ أصناف القرّاء هم الذين يبادرون بالاتصال لطرح سؤال يقول: “وش قصدك!؟”، قرأوا المقال واستوعبوه، كما يفترض، لكنهم يبحثون عن قصة يروونها في المجالس يعتقدون أنها تزيد من أهميتهم، أما أسوأ أصناف الأصدقاء فهم الذين يسارعون للاتصال قائلين “وش في فلان عليك!؟”، قرروا وحكموا وبقي الاستماع إلى مستهدف غير موجود سوى في أدمغتهم المشوشة.
الصنف الأول أمره أكثر سهولة، يقول لهم الكاتب أقصد ما قرأتموه، إذا كان بعض القرّاء يحملون المقال أكثر مما يحتمل فهي مشكلتهم، يذكّرني هذا بمشهد شهير للممثل الكويتي حسين عبد الرضا في مسرحية لم أعد أتذكر اسمها وهو يقول: “الحين أنا اللي أنام وأنت اللي تحلم!!”.
الصنف الثاني أمره أصعب فهم يقدمون أنفسهم كأصدقاء، وأصر على وضع حرف الكاف، لأنه ليس لهم علاقة بالصداقة لا من قريب ولا من بعيد، هذا الصنف من البشر يعيش مثل الضفادع في المستنقعات، وقد يرى نهراً صافياً مثل عين الديك لكن الصورة المبرمجة في ذهنه هي صورة مستنقع يحلم بالسباحة فيه، أنفه لا يشم سوى رائحة المستنقعات فماذا يفعل؟
مقال “كل شارب له مقص” أحدث مثل ردود الفعل تلك، وهي لم تفاجئني بسبب الخبرة، من الجيد اختبار البشر من حولك ولو بمقال يحاول ملامسة ظاهرة منتشرة، تستطيع معرفة آفاق الناس من تعليقاتهم وأين يحرثون لزرع بذورهم أو عندما تلمع “محاشهم” جمع “محش” في توق لحصد ما يعتقدون أنه ثمار، البرمائيون من السهل اكتشافهم لديهم غدد ظاهرة لا تخطئها العين الثالثة.
من نافلة القول أن الإنسان كما أنه لم يختر صورته فهو لم يحدد تفاصيلها أيضاً، حتى لو هذّب هنا وعدّل هناك، ومن نافلة القول أن انعدام الشعر أو كثافته في الوجه أو فوق الدماغ لا تقلل كما أنها لا تزيد من قيمة الإنسان، هي صور لا نتحكم فيها، أما مسألة “حت” الشوارب وإطلاقها فهي من الحريات الشخصية تحددها رؤية صاحب الشعر أقصد صاحب الشأن، أما عند أصحاب الأفق الضيق فما زال الشكل وصورة الهيئة والسمات تحدد شكل العلاقة والأحكام لكنهم في الطريق إلى الانقراض.
لدي أقارب وزملاء وأصدقاء، وهم كثر ولله الحمد، رجال فيهم من قام “بحت” شاربه، و فيهم من أطبقت شعيراته على شفتيه ومن أرخى لحيته ومن حلقها، كل الأطياف متوافر لهم كل الاحترام والتقدير، ما ينقصني هو صديق له شارب معقوف إلى الأعلى، مثل الشوارب التركية القديمة.
الأهم من الشعر هو الشعور، ذلك الذي لا نراه بالعين ولا نستطيع تزييفه حتى ونحن ندعي الصداقة والحرص على فلان، الأهم هو الأخلاق والتعامل فإلى كل “البرمائيين” الذي خمّنوا واندفعوا طالبين القرب من بعض الأصدقاء والزملاء أقول لهم: عفواً لا يوجد لدينا مستنقعات.

من ألمانيا إلى ألمانيا

11 يونيو 2005

كان المنتخب الألماني في موقعته الشهيرة مع منتخبنا الوطني سبباً في عزوف الكثيرين من أمثالي عن متابعة كرة القدم، تركنا المتابعة والمتعة والمشاهدة، فقد تم “سد أنفسنا” بامتياز، وبصناعة ألمانية ثقيلة موجعة، واسترحنا مع غصة كبيرة وتدثرنا بالحكمة القائلة “كم من حاجة قضيناها بتركها” استطاعت الكرة الألمانية صرف الكثيرين عن متابعة رياضة كرة القدم محلياً و”منتخبياً”، وانتعشت الفضائيات الناقلة لدوريات أوروبية ايطالية وإسبانية وغيرهما، وأصبح الشباب السعودي خبيراً في تلك المنافسات. الجمعة قبل الماضية انضممت متأخراً لمشاهدة مباراة المنتخب السعودي مع نظيره الكويتي، قد يكون السبب هو التنافس التقليدي بينهما، ربما لست أدري، وصلت إلى شاشة التلفزيون مع خلل الكهرباء الذي أصاب الملعب، وانتظرت طويلاً حتى يتكرم سعادة المعلق على المشاهدين ويخبرهم بالحدث، كان مشغولاً بملء الهواء بأي كلام، وبعد انتصار المنتخب السعودي مستوى ونتيجة، رأيت تباشير ألمانيا فتذكرت ألمانيا، وقررت الانتظار إلى نهاية الأسبوع حذراً واحتياطاً، فكان الفوز على أوزبكستان والتأهل إلى المونديال، فهل قرر شباب المنتخب السعودي مصالحتنا، هل عزموا على إعادة النضارة إلى وجه الكرة السعودية، وهل سيتمكنون من تجاوز فخاخ سقط فيها من قبلهم لاعبين ومدربين وإداريين.
تزدحم الصفحات الرياضية هذه الأيام بمقالات الإشادة والتمجيد والتهاني، وستظهر لنا ألقاب جديدة للاعبين الشباب ممن ظهروا بمستويات جيدة، ألقاب معظمها هجومية، تستخدم السهام والصواريخ والجرّافات!
 للجميع حق الفرح والابتهاج، لكن الشحن العاطفي المبالغ فيه الذي تمارسه وسائل الإعلام وفي مقدمها التلفزيون السعودي له تأثيرات عميقة، قد لا نتصور امتداداتها، لا على الشباب الذين نقلونا إلى ألمانيا فقط - ونحن ما زلنا محملين بألمانيا - بل على المجتمع، إنني أدعو إلى شيء من “الركادة”، وبعض الاتزان، لا يمكن أن تقوم بشحن الشباب ثم تمنعهم من الخروج إلى الشارع، لا يمكن أن ندعوهم بالأغاني والأناشيد إلى الافتخار بكونهم سعوديين ثم لا نتوقع منهم تصرفات سلبية بحق الآخرين، لماذا لا ندعوهم ليفتخروا بأنهم منتجون، خيّرون؟ لماذا لا نحثهم على الفخر فقط إذا ما كانوا منضبطين مضيفين لوطنهم؟ ألا يمكن استثمار إقبال الشباب من الآن وحتى نهاية تصفيات المونديال على البرامج الرياضية لنزرع في نفوسهم قيماً حقيقية؟ فيتعلمون كيف يصبحون مبدعين وأن الفخر حق لهم بقدر ما يقدمون من عمل مفيد للوطن، هذه دعوة لرئاسة الشباب ولوسائل الإعلام.

وماذا عن نحيب مزنة؟

10 يونيو 2005

رسالة غاضبة من قارئ لم يذكر اسمه، يظهر - والله أعلم - أنه طبيب، عنوانها “أصوات أعياها النحيب”، يقول المرسل إن المرضى أصبحوا يتجرؤون على الأطباء بسبب ما ينشر في الصحف عن التجاوزات الطبية، وإن المريض صار يهدد الطبيب باللجوء إلى الصحف شاهراً سيف النشر، ومن الرسالة:
“سيدي الفاضل، إن مما يدمي القلب تهافت الجميع للخوض فيه وكأنه ليس لديهم ما يخوضون فيه، ولن تكون المرة الأولى ولا الأخيرة، نجد ذاك يكتب عما حصل له، وكأنه حصل من سفّاح مجرم لا من طبيب حاول أن يساعده! نحن هنا لسنا للدفاع عن حالات فردية، ولكننا نتمنى من الجرائد بصفة عامة وجريدتكم بصفة خاصة عدم نشر أي خبر أو مقال من دون بينة” انتهى.
 سلامة قلبك أولاً، وأخبرك أن النشر لا يتم إلا عن بينة، وإذا حدث خلاف ذلك فهو أقل كثيراً مما لا ينشر عن التجاوزات الطبية. يا أخي الكريم، أنت تعلم أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، وأن الصناعة متدنية الجودة تضر بالصناعة المتينة وتصيبها بالإفلاس، هنا يجب على كل الأطباء المخلصين الذين يعملون بجد واجتهاد ويراعون الله – تعالى - في أعمالهم أن يتوجهوا إلى هيئة التخصصات الطبية فهي مسؤولة عنهم وعن سمعتهم، إن مسؤوليتها لا تتوقف عند رفع الرسوم التي تؤخذ منكم، انظر إلى جمعية أطباء الأسنان السعودية، هل تذكر يا عزيزي مرة واحدة تدخلت فيها لتنظيف سمعة طب الأسنان من الاستغلال والتلاعب التجاري بأفواه الناس، لكنك تجد ختمها يزين معاجين الأسنان ويظهر اسمها في الإعلان، ألا يصيبك هذا “بالجنان؟”!، يجب عليكم معشر الأطباء أن تتوجهوا إلى وزارة الصحة لحماية سمعة الطبيب من الانحدار، وقلت هذا مراراً، أتعاطف مع كل طبيب مخلص أمين وأعتقد عن قناعة ومعرفة بأنهم الأكثرية، لكنها العملة الرديئة وهيئات تحتفي بالرسوم، و… وزارة تتوعد بالمراقبة والملاحقة، ننتظر على أحر من شمس الرياض بيانها عن مجريات التحقيق في قضايا الفساد والتجاوزات، وعلى رأسها قضية المواطنة “مزنة”.
وأقدم كل الشكر والتقدير لجميع الإخوة والاخوات القرّاء الذين بعثوا برسائلهم، سواء الذين ذكروا أسماءهم أو اكتفوا بكلمات ومشاعر كريمة  ستبقى محفوظة في قلب الكاتب، ومنهم الأخ محمد العبدالله الذي يدلل على النظرة القاصرة لدى بعضهم تجاه الاخوة غير السعوديين بتصريحات مكافحة التسول التي تخفف من حدة الظاهرة “التسونامية التسولية” بالقول إن غالبيتهم من الأجانب، هذا يا عزيزي من التذاكي الإعلامي، شعاره الهروب إلى الأمام، وهو “دقة قديمة” فلو تسولت كائنات فضائية ستبقى مسؤوليتهم الأولى إلا في حالة تغيير مسماهم إلى مكافحة تسول المواطنين فقط لا غير.