أرشيف شهر سبتمبر 2005

إعصارهم وإعصارنا

17 سبتمبر 2005

تصور أن دولاً ضعيفة وفقيرة مثل ألبانيا أو بنغلاديش عرضت أو قدمت مساعدات للولايات المتحدة الأميركية إثر إعصار كاترينا، حتى الغابون وجيبوتي قدمتا تبرعات لأكبر قوة عظمى على وجه الأرض، كل دولة على قدر إمكاناتها. الدول الفقيرة تقدم “الكاش” بالدولار، في حين قدمت دول متقدمة اقتصادياً مثل اليابان تبرعات عينية مثل الخيام والمولدات، أما “الكاش” القليل منها فقد خصص للصليب الأحمر الأميركي! هولندا أرسلت غواصات وقوارب ومؤناً، فنلندا أرسلت 30 شخصاً من طواقم الإغاثة و300 خيمة وتجهيزات أخرى ذكر فيها حتى القفازات، ألمانيا أرسلت أغذية ومؤناً ومضخات وما إلى ذلك، بريطانيا أرسلت 500 ألف كيس نوم!
ما ذكرته أعلاه ليس كل قائمة المتبرعين، ونحن نعلم أن كثيراً من الدول العربية تبرعت بالدولار وبأرقام كبيرة، لكن المراد من تقديم هذه المعلومات توفير عينة عشوائية تضم دولاً فقيرة وغنية، الملاحظ أن الأغنياء قدموا تبرعات عينية أكثر من المالية، في حين حرص الفقراء على “الكاش” على قلة ما في الخزانة، التبرعات العينية تفيد اقتصاد الدول المتبرعة وفي الوقت نفسه تشير إلى المشاركة وتقديم يد العون، ليس في ذلك عيب بل هو دليل وعي اقتصادي، هذا من الناحية الاقتصادية التي يفهمها الغرب جيداً ويتأخر في فهمها العالم الثالث.
من الناحية الإنسانية التي تتجمل بها دائماً الحكومات الغربية، على رأسها حكومة بوش ورامسفيلد، فإن دول العالم الصغيرة والكبيرة وقفت وقفة إنسانية رائعة مع مصاب السكان في الولايات المصابة بالإعصار الساحق، وهو مصاب أليم ومحزن لقلب كل إنسان.
تصور أن دولة مثل فيتنام التي عانت الويلات من الجيوش الأميركية وأسلحتها الكيماوية والتقليدية التي تمت تجربتها على شعبها في حرب طاحنة، هي أيضاً تقدمت وتبرعت للمصابين.
  هل يحق لنا أن نتوقع أو نتمنى أن يتحول هذا الزخم الإنساني إلى شرارة توقظ الضمير الحكومي الأميركي، فيتوقف عن زيادة آلام البشرية تحت ستار الديموقراطية وحقوق الإنسان؟ هل نتوقع أن تستفيد الحكومة الأميركية من حملة التضامن الكبيرة والعفوية التي وقف معها العالم فيها، أم أن هذه المشاركة الإنسانية ستذهب أدراج الرياح مثلما ذهبت مشاركة العالم لأميركا في أحداث سبتمبر؟
تصور أن الكارثة تسحق ولايات أميركية والقوات الأميركية تشارك بإصرار في إشعال حرب أهلية في العراق، تقوم هذه القوات بالدور الرئيس في مسرحية فضائية مكشوفة عنوانها: “كيف تصنع حرباً أهلية طائفية؟”، يعاد عرض المسرحية بشكل متتابع في مناطق عراقية مختلفة، إذا كان العراق بركة من الدماء إبان حكم صدام حسين فإنه تحول إلى بحيرة دم تكبر يوماً إثر يوم، النتيجة “شر خلف لشر سلف”.
الأماني طابع إنساني ليس له علاقة بالسياسة والشراهة للنفط وعقود ما يسمى بالإعمار، إعمار لمن وأكوام الجثث في بغداد وتلعفر ترتفع أكثر فأكثر لتتجاوز ناطحات السحاب التي هوت في أحداث سبتمبر؟! 
 تتجاوز الولايات المتحدة إعصار كاترينا وتزرع إعصار الطائفية في منطقتنا.

أطفال وخادمات

16 سبتمبر 2005

إذا كان لديك أطفال صغار يمكثون كل صباح مع الخادمة لأنك وزوجتك  تذهبان إلى العمل، فإن هذا المقال يهمك، بل انه من الواجب عليك أن تشاهد مقطع الفيديو المنتشر حالياً على شبكة الانترنت، يصور المقطع خادمة آسيوية تضرب طفلاً عمره سبعة أشهر على رأسه ضرباً مبرحاً تسمع صوته من دون مؤثرات صوتية، ويظهر أن بكاء الطفل أزعجها وهذا هو العلاج الوحيد الذي تجيده، القصة ومشهد الفيديو يتم إرسالهما من طريق البريد الالكتروني وهو موجود أيضاً في رسالة من أم الطفل على موقع للتربية والتعليم، وعلى هذا الرابط http://alsedeg.net/a.htm شكوى الطفل وأخيه الأكبر (سنتان) من الخادمة بلغة الطفولة جعل الأب يضع كاميرا مراقبة وسجلت الكاميرا مشهداً مروعاً ينم عن صفات غير إنسانية في تلك الخادمة، خصوصاً أن أهل الطفل قالوا انهم يتعاملون معها بإنسانية ومودة ولم يلاحظوا عليها قسوة في معاملة الأطفال أثناء وجودهم في المنزل وكانت المفاجأة، والقصة كما وصلتني في البريد وشاهدتها في موقع وزارة التربية والتعليم حديثة العهد بل إن عمرها أسبوع واحد فقط.
هذه الحادثة المؤلمة حدثت في المدينة المنورة، وهي قد تصيب الطفل وأخيه بعاهات نفسية وجسدية عميقة، ربما يحدث مثلها لكثير من الأطفال الذين أهاليهم ليسوا على درجة من الإحساس والانتباه، فهم في ركض يومي محموم، قصة مثل هذه ألا تجعلنا نعيد النظر في أمور كثيرة، مثلاً هل تستحق الوظيفة ترك الأطفال نهبة للخادمات والسائقين، ونحن نرى الإجرام يقفز على الأسوار ويكسر الأقفال، أم أن الواجب على من يوفر الوظيفة تجهيز البيئة المناسبة لها، بحيث يتم نشر رياض الأطفال بجوار مدارس البنات تحت إشراف وبرسوم، هل ستعتبر مثل هذه الحوادث خارج نطاق صلاحيات ومسؤوليات التربية والتعليم، كما قيل عن حوادث المعلمات على الطرق السريعة والطويلة، على رغم أن مسمى الوزارة تم تغييره من المعارف إلى التربية… والتعليم، وبالله عليكم كيف يمكن لمعلمة أن تعطي لأطفال الآخرين في الفصول الدراسية وأطفالها في أيدي غير أمينة، ألا يكفي قلقها عليهم ليجعل منها صورة في الفصل من دون مضمون يذكر، وتبقى القضية الأساس في أعمالنا هي الحضور والانصراف وفوق الخط الأحمر أو أسفل منه.
أعتقد أن كل جهاز حكومي في بلادنا في حاجة إلى إدارة يطلق عليها إدارة التفكير، مهمتها لا تتعلق بتصريف الأعمال اليومية، بل تكون المهمة الأساسية لها استنباط الأفكار الجديدة لحل القضايا والإشكالات التي تعوق العمل أو تؤثر في العاملين، أرجو ألا يقال لي أن هناك إدارات للتخطيط والتطوير، لأن مثل هذه الإدارات توضع غالباً بجوار الأرشيف، وتعلمون ماذا يعني الأرشيف.

أمانة ومفقودات

13 سبتمبر 2005

يعلق أحد الإخوة القراء على تطورات مؤسسة البريد السعودي، مشيراً إلى أمر في غاية الأهمية ألا وهو الأمانة، ويقول وأنا معه إن الأمانة هي رأس المال وفي البريد هي كل رأس المال، وليس في هذا اتهام لأحد لكن من تجارب سابقة فإن ضياع الرسائل، فضلاً عن تأخرها لم يكن أمراً مستغرباً، وأرسل لي أحد الإخوة القراء مجموعة من الأسئلة طالباً أن أوجهها لرئيس مؤسسة البريد السعودي الدكتور محمد بنتن، ويظهر أن القارئ الكريم توقع أن علاقة ما نشأت من ذلك الاتصال الذي نشرت تفاصيله في هذه الزاوية، أو أنني أصبحت “أمون”، واتصلت برئيس البريد على هاتفه ولم يرد، ولا بد من أنه مشغول وعذره معه، وإبراءً للذمة أرسلت الأسئلة إلى أحد الإعلاميين القريبين منه، ويحلو لبعض المسؤولين عندما يكتب الكاتب مقالاً عن جهاز يتولون إدارته أن يستغربوا عدم اتصالك بهم لمعرفة الحقائق، فتقول لهم إن الاتصال بكم أمر عسير المنال، ولديكم من المشاغل ما يكفيكم إلا أنهم ينفون ذلك، معاتبين الكاتب بأكوام من اللوم على عدم التقصي والاتصال ميسر، وسبب إيراد هذا في مقال هو الرسائل التي تتوقع من الكاتب قدرات لا يملكها.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد ذكرتني رسالة القارئ عن الأمانة ببرنامج وثائقي شاهدته عن أقسام المفقودات في بعض المطارات العالمية ومحطات القطارات في أميركا واليابان وغيرهما من الدول التي تعطي للإنسان وأملاكه قيمة، بصراحة ذهلت مما شاهدت وعلمت لماذا نحن في الدرك الأسفل من التطور، تصور أنهم في قسم المفقودات في مطار طوكيو يحفظون لمدة معينة أشياء لا تخطر على بالك، ساندويتش مأكول نصفه!، وبقايا مشروب غازي! ويسأل معد البرنامج الوثائقي الذي عرض على قناة mbc هل يأتي أحد ويسأل عن مثل هذه الأشياء فيكون الجواب بنعم!، والأمثلة الصغيرة تشير إلى اهتمام بالأمور الكبيرة، مثلاً شاب فقد آلة كمان لها قيمة كبيرة، ووجدها في قسم المفقودات سليمة، والمعاطف والحقائب والمجوهرات الغالية والرخيصة، وغيرها الكثير، تصنف هذه المفقودات في قسم خاص وترقم، ويكفي لصاحبها أن يصفها بدقة ليتسلمها، وجربت مرة أن أسال عن قسم المفقودات في احد مطاراتنا من باب الفضول الصحافي، وتهت من السؤال فتركت البحث، وفقد أحدهم “مسبحة” لها قيمة معنوية كبيرة لديه في أحد فنادقنا فاتصل بهم هاتفياً أكثر من مرة راجياً أن يبحثوا عنها، فوعدوه بذلك واخلفوا الوعد، وضحكت عليه، خصوصاً في مسألة “القيمة المعنوية”، ويلاحظ القارئ الكريم أنني أصبحت أكتب عن أحد الفنادق وأحد المطارات واحدهم من القراء والسبب أنني أحاول تخفيف العناء على الزملاء في الحياة الذين أكثروا من حذف الأسماء واكتفوا بالأحد حتى ولو كان اليوم يوم خميس.

شبان في مهب الريح

13 سبتمبر 2005

يجب أن تلتفت وزارة العمل إلى الوعود التي تقدم من بعض الشركات للشبان جذباً لهم للالتحاق بالوظائف، تستفيد الشركات من أسماء وتزين تقاريرها بنسب السعودة وهم لا يحصلون سوى على الفتات و”بنفس شينة”.
أخطر الوعود تلك التي تأتي شفهياً، لأنه لا يمكن إثباتها، وأجد أن كثيراً من أعمالنا المكتبية تتم شفهياً، يوجه المدير أو الرئيس موظفيه شفهياً والويل لهم إذا لم يثبتوا ذلك على الورق بأسمائهم. رسمياً المدير أو الرئيس غير مسؤول عمّا خطته أيدي موظفيه، وهو هنا يشبه حيوان الجربوع الظريف، إذ يحفر له في جحره أكثر من مخرج  للطوارئ استعداداً لأية أزمة محتملة، أما إذا كانت نتائج التوجيهات ايجابية فمن سيتجرأ منهم فيصيح بأعلى صوته أنه هو من تحمل مسؤولية ذلك الإجراء، إذا لم يطرد مثل هذا الموظف “البجح” فسيتم تهميشه، وكلما كان الموظف مطيعاً ومتحملاً لتدوين الشفهي إلى رسمي مكتوب تزداد قيمته لدى رئيسه غير الظريف، يعتبره الأخير مثل “منشفة” يتناولها وقت الحاجة ويرميها إذا ما أحدق به خطر كبير. إنه دمية ضخمة تستخدم للتنفيس والتلاعب وأحياناً للتجمل أمام الآخرين.
والوعود بالترقيات والعلاوات، خصوصاً للموظفين الجدد حافز لهم، لكنها إذا لم تصدق تتحول إلى عامل إحباط وتدمير نفسي ينعكس على إنتاجية العمل والولاء للمنشأة، وكثير من الشبان الذين ينضمون إلى سوق العمل لم يعودوا يطمعون بالعلاوات أو الترقيات همهم الأول الترسيم، هم يبحثون عن الوظيفة الرسمية، حكومية أكانت أم في القطاع الخاص، الترسيم يعني الاستقرار النفسي والمالي، يعرف الشاب ما له وما عليه، فإذا قبل العمل ومعه وعد بالترسيم بعد أن يثبت جدارته وقدراته فإن هذا الوعد يستغل استغلالاً بشعاً من جانب بعض الشركات والمؤسسات، وتمضي السنوات والوعد يؤجل إلى المستقبل، ويصبح الغد لناظره بعيداً، الغد عندما يأتي يصبح اليوم!، لذلك فإن غداً لا يأتي؟!
ولدي رسالة من شبان يعملون في شركات متعاقدة مع أحد البنوك - خدمات العملاء في الهاتف المصرفي، حصلوا على وعد بالترسيم على وظائف في البنك وما زالوا ينتظرون الوفاء بالوعد منذ سنوات، وبدلاً من ذلك يجبرون على توقيع مخالصة عن حقوقهم في الفترة الماضية ويتعاقد معهم من جديد “مكانك سر”، والمطلوب من وزارة العمل ومؤسسة النقد ألا تتركهم في مهب الريح. لا يجوز أن يستغل الشبان بشكل موقت وتقدم لهم الأحلام نظير الاستفادة منهم بأقل كلفة، خصوصاً أنهم أثبتوا جدارتهم خلال سنوات طويلة فلماذا لا يرسّمون ويحصلون على حقوقهم، والبنك، ما شاء الله لا قوة إلا بالله، “عيني عليه باردة” يحقق أرباحاً مضاعفة كل سنة؟ سبحان الغني الكريم.

وثيقة مكة المكرمة

12 سبتمبر 2005

في الرد الذي نشرت أمس أجزاء منه، أشارت الإدارة الإعلامية في منظمة المؤتمر الإسلامي إلى جهود المنظمة في قضية المجاعة، التي يتعرض لها سكان النيجر، من خلال البيانات والنداءات التي أصدرها أمينها العام، ومن الرد هذه الفقرات المهمة: “انه من غير المنطقي أن نلوم أو نعيب على منظمات العالم الإسلامي، وعلى رأسها منظمة المؤتمر الإسلامي… عدم قيامها بواجبها أو اتهامها بالتقصير، من دون أن نلوم إعلاماً لا يولي هذه المنظمة ما تستحق من عناية واهتمام.
صحيح أن منظمة المؤتمر الإسلامي مرت بفترة ركود، وغابت عن الساحة الإعلامية طويلاً، بسبب ممارسات سابقة، تمثلت في الانعزال، وعدم إعطاء الجانب الإعلامي الاهتمام الكافي… لكن الحقيقة أيضاً أن هناك توجهاً جديداً - ضمن برنامج الإصلاح والتطوير الذي انتهجته المنظمة منذ بداية العام الحالي - يؤكد تأسيس علاقات تفاعل مستمر مع الإعلام ووسائله والاستفادة من تقنياته، للتعريف بدور هذه المنظمة، ومواقفها وجهودها في نصرة قضايا العالم الإسلامي”. انتهى.
فترة الركود التي عانت منها المنظمة ومثيلاتها، على رغم الأخطار والحروب والاستهداف الذي يتعرض له العالم الإسلامي دولاً وأفراداً، هي من الأسباب الرئيسة التي رسمت ورسخت انطباعاً عنها، لا يتجاوز الحقيقة، ونحن بانتظار ما سيسفر عنه برنامج الإصلاح، لكن هناك حقيقية معروفة عند التعامل مع الإعلام، وهي أنه لا يجب انتظار تفاعله مع جهود المنظمة بل يجب تسخيره، والوسائل والأدوات الإعلامية لتحقيق هذا الهدف أكثر من أن تعد، لن يكفي الاعتماد على الأخبار والبيانات الرسمية التي لا تهتم بها الصحف ووسائل الإعلام، وتشكو إدارة الإعلام في المنظمة من عدم مبالاتها. وفي قصة مجاعة النيجر وقبلها كارثة تسونامي، وغيرهما مما يتعرض له المسلمون، كان إعلام المنظمة متأخراً بل ومعوقاً حركياً.
 في مأساة مجاعة النيجر، كان يمكن لصورة واحدة منتقاة بعناية أن تدفع وكالات الأنباء، إلى وضع هذه المجاعة في قلب الحدث العالمي، لقد تجاوز الإعلام البيانات الرسمية، وخذ مثالاً طازجاً يحدث الآن في مكة المكرمة، إذ يجتمع 80 مفكراً إسلامياً، لمناقشة التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، ومن ثم صياغة توصيات لمؤتمر القمة الإسلامي المقبل، هذا الاجتماع نتيجة لدعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
تصور أن اجتماعاً مهماً مثل اجتماع مكة المكرمة، قد يختصر في خبر أو خبرين أو بيان بالتوصيات، إذا قدر لنا أن نقرأها، على رغم أن هناك عشرات الطرق لاستثمار هذا الحضور، وإرسال رسائل للعالم أجمع عن العالم الإسلامي وكيف يفكر.
انتظار وسائل الإعلام لن يجدي، بل يجب تحفيزها وجذبها وفتح الأبواب لمراسليها، لمقابلة هؤلاء المفكرين بكل حرية ومرونة، أو أن ركود المنظمة سيتسمر وتأثيرها سيبقى أسير الجمود.