أرشيف شهر أكتوبر 2005
“تشليح”
29 أكتوبر 2005في العراء شاهدتها تقف وحيدة أيام عديدة، وحتى لا تذهبوا بعيداً، اختصر وأقول هي سيارة قديمة لكنها مستورة الحال، وأنا هنا “شاهد شاف سيارة” وحيدة، من شكلها الخارجي أستطيع القول انها “تقضي اللزوم” أو كانت كذلك، استغربت وقوفها بكامل هيكلها العظمي مدة طويلة، قلت في نفسي ربما تكون كميناً وضعته الشرطة للقبض على لصوص السيارات المنتشرين في بلادنا، تفاءلت خيراً وقلت لعل الشرطة طبقت تلك الفكرة التي طرحتها في مقال سابق، لكن السيارة الوحيدة تم إيقافها في مكان عام ومكشوف في النهار على الأقل، ومن حولها طرقات رئيسة سريعة تصلح للهرب السريع مثلما تصلح للملاحقة السريعة، بل أن أحد هذه الطرق يلتف عليها مثل الأفعى وهي قابعة هناك، يمكنك هذا الطريق من مراقبتها بهدوء، أيام عديدة وهي متماسكة، و”ما عندها من الشيطان طاري”، وفي يوم من الأيام بدأت عوامل التعرية البشرية تغزو هيكلها البائس، تم فتح الأبواب، والشنطة الخلفية، وفي يوم آخر “شلحت” الإطارات، تمت سرقة أحذية السيارة الوحيدة واستبدلت بحجارة، تخيل سيارة تمشي بعجلات من حجارة، في يوم آخر فتحت أبوابها على مصاريعها، عوامل التعرية البشرية تعمل بهدوء وبالتقسيط المريح، ظننت وفي بعض الظن أثم، أن الكمين ما زال قائماً، وربما يكون الهدف معرفة من يسرق السيارة كاملة وليس أجزاءها، هناك فرق بين سرقة الأجزاء وسرقة كل المتاع، الأخير أكثر خطورة، ولصوصه لصوص جملة، أما لصوص الأجزاء فهم لصوص تجزئة، والمثل يقول إذا أردت أن تمسك فأمسك بعيراً.
لكن التشليح استمر، عوامل التعرية البشرية استمرت في العمل الدؤوب، هنا علمت أنه ليس كميناً، لا يمكن أن تضع فخاً ثم تتناساه، قد تكون سيارة مسروقة أو مطلوبة، لا أعرف من هو الصاحب ولا الطالب، لكني تعاطفت مع هذه السيارة الوحيدة، تعاطفت مع لوحتها التي ما زالت معلقة في موقعها، للمهتمين بالسيارة الوحيدة، هي ما زالت وحتى لحظة كتابة هذا المقال متكومة، تلعق جراحها، تحاول هذه الجمادة وهي منهكة أن تخفي عورتها، أو ما بقي من سترها، وعلى رغم كل شيء ظلت في مقاومتها لعوامل التعرية البشرية المتوحشة محافظة على أصلها، أقول للمهتمين مكانها بشرط أو رجاء، يمكن لهم أن يجدوها في الساحة المكشوفة أسفل تقاطع الدائري الجنوبي مع طريق الخرج القديم، أما الشرط/ الرجاء فهو أن “تسلملي عليها”.
“طاسة التبرعات”
28 أكتوبر 2005هل هي طاسة ضائعة أم مخرومة؟ يطلب من الجمهور التبرع العيني لضحايا زلزال باكستان ويخصص التلفزيون السعودي وقتاً ثميناً، ويشارك معه في الدعوة مشايخ فضلاء، الكل يطالب ويدعو ثم يجد الناس تبرعاتهم مهملة على الأرصفة! هل يعقل هذا؟ يمكن لك أن تراها على الرصيف المحاذي لأستاد الأمير فيصل بن فهد في حي الملز في الرياض، وجريدة الرياض نشرت صوراً وثائقية لأكوام التبرعات المهملة، وهي حال تبعث على الاستغراب، ومن هذه التبرعات أغذية معرضة للفساد، بل إن بعض المتبرعين لم يجدوا من يتسلم تبرعاتهم وعادوا بها، مثل هذا الوضع ألا يدعونا للتساؤل؟ أيضاً عن أحوال التبرعات المادية، إذا كانت التبرعات العينية التي تحتاج إلى عناية وفرز وحفظ يتم التعامل معها بهذا الشكل، فكيف بالتبرعات المادية ألا يمكن أن تقف البيروقراطية الورقية حائلاً دون وصولها بالسرعة الممكنة؟ ألا يمكن أن تهمل مثل شقيقتها العينية؟ مثل الحال التي رأيناها تعطينا الحق في طرح هذا التساؤل، ولم يكن العمل الخيري في بلادنا بحاجة إلى مثل هذا الإهمال فهو في وضع لا يحسد عليه، فهو بحاجة إلى الكثير من العمل والجهد ليستعيد ثقة الناس به، وسبق لي أن طرحت جملة تساؤلات، أهمها أرصدة الجمعيات الخيرية وضرورة أن تراقب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الموازنات السنوية لهذه الجمعيات وتعلن عن أوضاعها، خصوصاً أن كثيراً من التبرعات هي عبارة عن زكاة يستلزم سرعة صرفها، ولم أجد تفاعلاً أو اهتماماً يذكر، وهو أمر يثير في الكاتب تساؤلات حول جدوى الكتابة عن بعض الشؤون، يعتقد الكاتب أن لديه واجباً مرة بالتذكير ومرة بالتلميح وأخرى بالتصريح.
إن الوضع الذي شاهدنا فيه أكوام التبرعات العينية لضحايا زلزال باكستان، وهي المهملة على الأرصفة قد ينبئ عن وضع الفقر والفقراء في بلادنا، فهم فيما يبدو على الرصيف في حالة انتظاراً للخطط والاستراتيجيات الطموحة، ولو كانت الجمعيات المعنية نشطة ومنظمة لما شاهدنا ما شاهدناه، ولا يمكن أن يقال عن مثل هذا الوضع إلا أنه عيب معلن، وينبئ عن ضياع الطاسة، فالرجاء ممن يجدها أن يسلمها إلى أقرب صحيفة.
الولد المضروب
27 أكتوبر 2005ذكرتني مشاهد الطالب الصغير وهو يتلقى بألم ضربات سعادة الأستاذ المعلم بسلك الكهرباء بأيام الضرب في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وفي مرحلة دراستنا الابتدائية كان هناك درس في المطالعة عن الولد النظيف، هذه الأيام لا بد من أن هناك دروساً عن الولد المضروب في الفصل، والولد المطروح في الشارع، والولد المقسوم بين البيت والمدرسة، توجسنا حذراً من كاميرا الهاتف والبلوتوث، وإذا بهما يصبحان إدارة للمراقبة، ونعلم أن أجهزة المراقبة والتقصي لدينا ما زالت في مراحل المعاريض على ورق “فرخ” مسطر، وأخبرنا هذا الجهاز النادر، بكاميراته المتنقلة عن فضائح وسلوكيات في الشارع وخلف الأبواب المغلقة.
“لك اللحم ولنا العظم”، هذه المقولة التي تنسب لبعض الآباء في الزمن الماضي تعطي الحق لمعلم الصبيان أن يأكل بالعصا كل اللحم ويبقي هيكلاً عظمياً مصاباً بأمراض نفسية، إضافة إلى العصا استخدم لي الكهرباء (الجرجور)، وكما تعلمون كانت فترة تشييد وبناء! وسلك الكهرباء يستخدم حالياً لأننا في مرحلة الصيانة.
في فترة التبرع باللحم لأجل العظم لم تكن غالباً ترى طالباً بديناً، يظهر أن الضرب من أدوات التخسيس، من زرع حصد، تم ضرب المعلم فلا بد من أن يضرب الطالب وهكذا، وكلّ يضرب من يأتي بعده، ليس في الفصول فقط بل في الكراسي والمناصب أيضاً يتم الضرب تحت الحزام، واسأل المتقاعدين ومن ترك منهم كرسياً مهماً.
مهنة المعلم من أصعب المهن، هي مهنة وليست وظيفة، لكنها تحولت في مجتمعنا إلى وظيفة كانت مجزية العائد، التحق بها كثير من الباحثين عن وظيفة، وتعاملوا معها على هذا الأساس، التعامل مع جماعة من الصبية مختلفين في كل شيء تقريباً ليس بالأمر الهين، وإذا كان بينهم أشقياء وكثيرو الحركة تزداد الصعوبة، وعانت دفعات المعلمين الجدد ممن يظهرون أصغر من أعمارهم معاناة كبيرة مع الطلبة غير المقتنعين بأن شخصاً بهذا الصغر أو لم يظهر له شارب كث يمكن أن يكون معلماً، كانت العصا هي أداة القوة والسيطرة، بعض المعلمين يستخدمها للتهديد وبعض آخر يذهب إلى آخر مدى، إلا أن المعلم الحقيقي هو من يستطيع فرض هيبته في الفصل من دون حمل عصا أو “جرجور”، ويعتقد بعض المعلمين والمعلمات أن الأطفال لا يفهمون، ولو جلست مع طالب أو طالبة من الصغار لأخبرك بتفاصيل مضحكة مبكية عن أحوال التعليم ومربي الأجيال الناشئة، تسأل المعلمة الطالبة “وش يقرب لك فلان؟”، سبب السؤال قد يكون البحث عن واسطة أو تخفيض! الطلبة والطالبات من الممكن أن يكونوا مفاتيح للأقفال المغلقة، ودرجة القرابة إما أن تقرب التلميذة أو تبعدها، وفي الواقع فإن معظم ما يلتقطه الطلبة والطالبات من أساتذتهم، هو سلوكياتهم وطريقة تعاملهم، والمثل الشعبي يقول: “هذا خبزك ياالرفلا خذيه”، و ”الرفلا” تقال للمرأة والرجل، يقال له “أرفل”، وهو من لا يجيد عملاً، سواء في المنزل أم المدرسة.
هندسة
26 أكتوبر 2005تراجُع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف عن قرارها خفض مكبرات صوت المساجد، ليس له سوى تفسير واحد، وهو أنها لم تستطع إقناع الرافضين لهذا التوجه، وأعتقد أن القضية فنية بحتة وليست إدارية، والمعنى أنها لا تُحَل بتعميم إداري يوجه إلى القائمين على شؤون المساجد، ويطالبون بالانصياع له، بل يتم التوصل فيها إلى حلول من خلال المهندسين المختصين بالصوت، وبالعقل الذي أنعم الله تعالى علينا به، فإن المراد من هذه المكبرات هو إيصال الصوت إلى داخل المسجد والمحيط حوله بوضوح للمستمعين، لذلك أطلق عليها مكبرات فهي تقوم بالتضخيم ومضاعفة الصوت، وهي مسألة فنية بحتة يمكن قياسها وبرمجتها، ولا يمكن التشكيك في نوايا الرافضين لتوجهات الوزارة فهم في تقديري متوجسون، وقد يعتقد بعضهم مجتهداً أن في ذلك مقدمة للحد من صوت المسجد وصوت الدعوة، وليس كل مجتهد بمصيب. ومن الواقع يتوجه المصلون إلى كثير من مساجد الجمع ولا يستطيعون الإنصات للخطيب بسبب ارتفاع الصوت المبالغ فيه داخل المسجد، ويتحول الصوت المضخم إلى أداة تنفير وتشويش وضغط نفسي على المصلين، بل قد يصل الأمر إلى درجة التلوث الصوتي، وكما أسلفت فإن القضية فنية بحتة، ويجب ألا تخرج من هذا الإطار، وفي جانب منها هي قضية توعية لكل من يقف أمام المايكروفون خطيباً أو ناصحاً فهو يجب أن يعلم أن هذه الأداة مهمتها تضخيم الصوت، ولا يحتاج الأمر منه إلى رفع صوته، ونحن جميعاً نعلم قيمة الرفق في شرعنا. وإذا نظرت إلى أحوال كثير من المساجد في بلادنا ترى أنها سلّمت بصورة أو بأخرى إلى العمالة خصوصاً البنغلاديشية منها، فهي التي تتحكم بالفتح والإغلاق وتجهيز المسجد وحتى دورات المياه فيه، وهذا تقصير لم تستطع الوزارة تجاوزه… فلماذا لم تتم السعودة هنا، وإذا نظرت إلى أحوال التكييف في المساجد في أوقات تغير الفصول وتباين درجات الحرارة تجد حاله شبيهة بأحوال مكبرات الصوت، يتحول التكييف إلى مصدر للأمراض، والمتضررون هم المصلون من أطفال وشيوخ، وأعتقد أن حضور وزارة الشؤون الإسلامية في ادارة المساجد من الداخل ضعيف، وسبق أن طرحت ضرورة وضع ممرات للمشاة داخل المساجد ومن أطرافها، للتيسير على المصلين، خصوصاً في أوقات الخروج بدلاً من الفوضى وقطع بعضهم صلاة بعض، وتخطيهم رقاب المصلين، إضافة إلى ضرورتها عند حالات الطوارئ، ووجدت أن عدداً قليلاً من المساجد طبقها، إلا أن بعض المتأخرين من المصلين وجدوا فيها مكاناً للحاق بالصلاة مثلما يفعلون بسياراتهم خارج المسجد، وبأحذيتهم في طريق المصلين، وإذا لم نتعلم الرفق والانضباط في المساجد وعند أبوابها فأين سنتعلمه يا ترى؟
