أرشيف شهر نوفمبر 2005

هل “ينساب” الكفاف أم الفقر؟ (1 من 2)

30 نوفمبر 2005

تصور أن سهم إحدى الشركات المتداولة تجاوز سعره متوسط الدخل الشهري للفرد السعودي، بمعنى أن هذا الفرد إذا “حلم” بشراء سهم واحد من أسهم هذه الشركة عليه أن يصوم لمدة شهر كامل عن الأكل والشرب، ويستلف فوقها أربعمئة ريال ليحصل على سهم واحد!
هذا نموذج يحكي حال سوق الأسهم السعودية، ولن نكتب هنا عن عدم المساءلة عن أسباب هذه الارتفاعات الضخمة لبعض الأسهم، لأننا تعلمنا أن هيئة سوق المال تصمت عن ارتفاعات وتتوقف عند ارتفاعات، في صورة من صور معايير الهيئة المزدوجة!
لكن ما دخل هذا بمشروع “سابك” العملاق المسمى “ينساب”، الذي نريد له الانسياب فاحتل عنوان هذا المقال؟
“ينساب” أو شركة ينبع الوطنية للبتروكيماويات هو اسم المشروع الجديد لشركة سابك، وهو مشروع ضخم احتفظت “سابك” بالنسبة العظمى من رأسماله، وقدمت نسباً أخرى لعدد من الشركات المساهمة، ثم أعلنت أنها ستطرح أكثر من 39 مليون سهم للاكتتاب العام بسعر خمسين ريالاً للسهم الواحد، ومنذ طرح أسهم شركة الاتصالات السعودية للاكتتاب العام يعتبر طرح أسهم “ينساب” أكبر طرح جديد في سوق الأسهم السعودية، ولأن “سابك” هي تجربة الصناعة السعودية المميزة، وقائدة هذا القطاع، ومن كبار منتجي البتروكيماويات في العالم، واستطاعت أن تحقق نجاحاً مشهوداً في السعودة، لكل هذه الأسباب وأخرى غيرها لا تتسع لها المساحة أقترح أن تبدأ وتبادر بسن سنة حسنة، فتضع شروطاً وأحكاماً للاكتتاب في أسهم شركتها الجديدة، والهدف هو إتاحة الفرصة العادلة وأقول العادلة وأكررها، لأننا لم نشاهدها حتى الآن في الاكتتابات الماضية، الفرصة العادلة مطلوبة لذوي الدخل المحدود، وأصحاب رؤوس الأموال الصغيرة.
 كيف يتم ذلك؟
تعمل “سابك” مع وكيل الاكتتاب على أن يحصل المكتتبون الصغار، من خمسة آلاف ريال إلى عشرة آلاف ريال – مثلاً - على كامل الأسهم المكتتب بها، وتطبق هذه المعادلة صعوداً بالتدرج إلى رؤوس الأموال الكبيرة.
تتدخل “سابك” لمنع التسهيلات الكبيرة التي تمنحها المصارف لأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة في الاكتتابات، والتي تحد من فرص ذوي الدخل المحدود، وتحد من أحلام تحسين أوضاعهم الاقتصادية.
تمنع “سابك” الشخصيات الاعتبارية من شركات مساهمة وصناديق مصارف من الاكتتاب، لفتح مجال أكبر لذوي الدخل المحدود.
بهذا النهج يمكن لـ ”سابك” التي غيرت واقع الصناعة في المملكة العربية السعودية أن تسهم في تغيير واقع اجتماعي اقتصادي لا نرى أمامنا بصيص أمل في تغييره، على رغم اعترافنا بواقع الفقر في بلادنا، وغداً بعون الله تعالى نكمل.

أمنا من الرضاعة

29 نوفمبر 2005

اطلعت مثل بقية القراء على إعلانات شركة “نستله” في عدد من الصحف المحلية، التي تطمئن فيها مستهلكي منتجاتها من حليب الرضع والأطفال في الشرق الأوسط، إذ أكدت أنها لا تسوق حليب الرضع والأطفال السائل في العبوات الورقية في جميع دول الشرق الأوسط.
 هذا النوع من الحليب جرى سحب كميات ضخمة منه تقدر بملايين اللترات في كل من ايطاليا وفرنسا واسبانيا والبرتغال، بسبب تلوثه بحبر الطباعة، وبثت وسائل الإعلام هذا الخبر.
وأنا بدوري، تفاعلاً مع إحساس الشركة مع مشاعرنا، أطمئنها وأقول لها انه في بلادنا أصلاً “ما أحد جاب خبر”، وسنستمر في استقبال منتجاتها من الحليب، سواء أكان بعبوات ورقية أم معدنية أم حتى من الخوص، وسيرضعها الكثير منا لأطفاله مثل ما رضع منها في طفولته، بل حتى في كهولته وفاء لسائل الحليب، فبيننا وبين “نستله” حليب، والحليب لا يمكن أن يتحول إلى ماء! وكثير منا يعتبر “نستله” أمهم من الرضاعة، وإيضاح الشركة بين لنا أنها تصدر لنا العبوات المعدنية في حين تصدر إلى أوروبا العبوات الورقية الجديدة، ربما ذلك ناتج من اختلاف الجهاز الهضمي بين البشر في أوروبا والبشر في الشرق الأوسط، وللذمة فإن عبوات “نستله” المعدنية استفدنا منها كثيراً، فعندما يتم تجرع ما فيها من الحليب يستخدمها البعض لحفظ السكر أو الملح أوما شابه ذلك، وهي تستخدم أيضاً طبلة عند الفقراء من الأطفال.
وقبل “نستله” كانت شركات السيارات تعلن في الخارج عن سحب موديلات معينة نتيجة لاكتشاف خلل في بعض أجزائها، ولم يكن أحد يتجرأ على التفكير في أن بعضاً منها قد يكون متوافراً في أسواقنا أو ينطلق مسرعاً في شوارعنا، وأتذكر أن الصحافة عندما بدأت في نبش هذا الموضوع، استناداً لإعلانات تلك الشركات، ويتصل الصحافي بوكالة السيارات في بلادنا، كان يأتيه النفي القاطع لوجود مثل تلك الموديلات المسحوبة في بلادنا، لأن أسواقنا معقمة أصلاً فلا يأتيها الرديء والعيوب المصنعية لا من أمامها ولا من خلفها، في أسواقنا لا يتم سحب منتج ما، هل تتذكر عزيزي القارئ منتجاً تم سحبه؟ لا أعتقد، لكنك تتذكر فضائح أطنان حليب الأطفال المنتهي الصلاحية التي تم الكشف عنها بجهود الصحافة من دون ذكر لأسمائها وأسماء مروجيها، ولا يعرف حتى الآن بعد سنوات ماذا تم في قضيتها.
لكن لم لا يتم سحب منتج من أسواقنا؟
السبب في تقديري أن المستهلك أصلاً مسحوب على وجهه وظهره، فهو الوحيد الذي يمكن سحبه في الأسواق، ولتطمئن الشركات وفي مقدمها “نستله”، “ترى ما عندكم احد”.

مبادرة للطلاب والخريجين

28 نوفمبر 2005

في يوم الخميس الماضي بدأت جامعة الملك سعود في تسليم مكافآت الطلبة لشهر رمضان! أي بعد قرابة شهر كامل من استحقاق الطلبة والطالبات لها، الموظفون في بلادنا يتسلمون رواتبهم قبل نهاية الشهر بأيام، والطلبة - الأقل قدرة وإمكانات - يتسلمونها متأخرة، أرجو ألا يفهم من ذلك الدعوة لأن يعم الظلم ويلحق بالموظفين!
إذا علمنا أن كثيراً من طلبة الجامعات ليسوا بين أهاليهم، وهم لا “يقلطون” كل ظهيرة على صحن العائلة في ظل منزل الوالد والوالدة، بل يعتمدون على تلك المكافأة البسيطة للمعيشة، إذا تذكرنا ذلك علمنا حقيقة أحوال كثير منهم، فلماذا يحدث مثل هذا التأخير ولمصلحة من؟
تأخر المكافآت الشحيحة هو نموذج بسيط، أريد به فتح ملف اهتمامنا الحقيقي بالطلبة والخريجين، في قضية خفض مكافآت طلبة طب الامتياز ومن في حكمهم من التخصصات الطبية المساعدة، اذ ما زالت وزارة التعليم العالي تصم اذنيها، وكأن كل ما كتب ويقال ليس من شؤونها، وكذلك في قضايا أخرى لخريجين وُعدوا بالتوظيف بعد التخرج، سواء من خريجي الجامعات أو كليات المعلمين، لكن الحال ما زالت على ما كانت عليه، وعلى المتضرر اللجوء إلى الصبر أو السلف والفراغ. هذه القضايا العالقة لماذا لا تحسم ويتم حلها بسرعة، الطالب الذي هُيئت له فرصة التعليم ترك الدرس وانصرف اهتمامه إما لأحواله المعيشية الآنية أو التفكير بمستقبل مجهول، الصرف الكبير الذي تتولاه الدولة على التعليم والجهود الضخمة التي تبذلها يمكن أن يتبخر لاختناقات مثل هذه.
نحن بحاجة لمبادرة تدرس قضايا الطلبة والخريجين الحاليين والمحتملين لتضع الحلول على أرض الواقع، كنت هممت أن اكتب “لتضع استراتيجية متكاملة مستقبلية”، وتذكرت استراتيجية الفقر فأحجمت!
في قضايا الإنشاء والتعبير والخطابة دائماً ما نسمع ونقرأ أن الشباب عماد الوطن، فما هو حال هذا العماد هل هو مائل أم ضعيف؟ هل تم تهيئته لحمل الراية ووفرنا له القدرة على تحمل المسؤولية، أم أن الأمر لا يتجاوز الإنشاء، وأيضاً في الإنشاء كثيراً ما نسمع ونقرأ أن الشباب “ثروة الأمة”، فما هو حال هذه الثروة؟ هل تستثمر وتدار بشكل سليم أم أنها في وضع سائب متناثر؟! ولنتذكر مثلاً شعبياً ونحرفه قليلاً ليصبح “المال السائب يشجع على السرقة”، فهذه الثروة يمكن أن تسرق من الوطن، يمكن أن تنزلق للانحراف، ويمكن أن تتبدد هنا وهناك… ويمكن لك أن تتخيل ما سيحدث لها أو منها إن بقيت على أوضاعها.

عين على الأذى

27 نوفمبر 2005

في الموقف المقابل لمكتب صديقي ينتصب أنبوب مهمل كان في يوم من الأيام حامياً لمضخة إطفاء حريق كما أتوقع، ذهبت المضخة وبقي الأنبوب شاهراً سلاحه للمارة والسيارات، بين فترة وأخرى تتعلق سيارة في أنيابه فتتحطم من الداخل، يميل الأنبوب قليلاً لكنه يبقى صامداً في انتظار فريسة أخرى، هذا الأنبوب نموذج للأذى المنتشر في طرقاتنا، والأمانات والبلديات معنية بنظافة الشوارع والطرقات من القمامة ومن الأذى أيضاً، ومشكلة هذا الأذى أن لا رائحة له فهو لا يزكم الأنوف ويعتقد البعض أن مضرته لن تصل إليه، في طرقاتنا كثير من المسامير المهملة والناتئة على سطوح الأرصفة وهي من الأذى ونحن قد أمرنا بإماطة الأذى عن الطريق، هذه البقايا التي تشهر مساميرها متطلعة لأرجل المشاة أو “دفرنسات” السيارات، هي بقايا للوحات دعائية أو إرشادية! الإرشاد هنا قد يكون لأقرب مستشفى، وتزيد الشركات من الأذى فترى أبواب محولات الكهرباء مكشوفة، وصناديق خطوط الهاتف مشرعة، ومع الأمطار تظهر عيوب كثيرة وأخطار متجددة، حتى من الناحية الجمالية التي تحرص عليها الأمانات، تقدم هذه الصناديق المكشوفة صورة بشعة عن المدينة وسكانها وإدارتها، والشركتان المعنيتان في المقام الأول، هما شركتا الكهرباء والاتصالات، ولو خصصتا بعضاً من حملاتهما الإعلانية لإصلاح صناديقهما المكشوفة لأحسنتا في حق الجمهور الذي تستهدفانه ولقدمتا صورة حضارية عنهما.
لقد تحسنت أحوال المشاة في طرقاتنا عن ذي قبل بصورة ملموسة، لكن هذا التحسن انحصر في مناطق محددة، في مقابل هذا التحسن ما زال كثير من المحال والمطاعم، يتعامل مع الأرصفة والجزء المقابل للواجهات على أنها من الأملاك الخاصة، وعلى رغم أن للرصيف وبلاطه مواصفات معينة رسمية تلتزم بها البلديات، إلا أن بعض المطاعم وحتى الحلاقين يقومون برصفه مرة أخرى بحسب أمزجتهم الملونة المتزحلقة، ونتحدث عن مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة وطرقاتنا مهيأة لتخريج المزيد منهم، الغريب أن مثل هذه المخالفات الفاقعة اللون لا تلفت نظر رقيب البلدية، فهو كما يبدو مشغول بـ ”فسوحات” البناء والبطحاء، وتجاوز الأمر لدى بعض آخر من المحال إلى وضع شراك حديد تنظم المواقف أمام واجهاتها.
نحن بحاجة إلى حملة لإماطة الأذى عن الطرقات، وهي أسهل من حملة عين النظافة، لأنها لا تحتاج إلى مطاردة، التجاوزات واقفة تنتظر عيوناً مفتوحة لا نصف مغمضة.

من تحت الطاولة

26 نوفمبر 2005

أصبح تعبير “تحت الطاولة” أكثر استخداماً من ذي قبل في عالم الأعمال السعودي، والطاولة وأجزاؤها دروع وسواتر يلجأ إليها الموظف المرتشي، ما فوق الطاولة يختلف عما تحتها، الذي فوق هي أوراق تتحرك بحسب النظام أو “المعتاد”، والنظام يمكن أن يكون مطاطاً فقط عندما تتزحلق الأوراق إلى تحت الطاولة، السرعة فوق الطاولة بطيئة والطريق الذي تمر به المعاملات ضيق ومتعرج وفيه إشارات حمراء وصفراء كثيرة، أما الطريق تحت الطاولة فهو سريع ومن غير إشارات توقف أو ازدحام، وأصبح بعض رجال الأعمال يضعون بنداً في موازناتهم وتكاليفهم خاصاً بأسفل الطاولة وكأني بالمراجع الراشي والموظف المرتشي وقد اجتمعا تحت الطاولة ولا بد أن يكون هذا الاجتماع هامساً ولا تسمع منه سوى الوشوشة، لكنه مكشوف حتى ولو لم يتحدث أحد بصوت مرتفع، الطاولة التي هي أداة من أدوات العمل استخدمت بصورة سلبية مثلما يمكن للنظام أن يستخدم بالصورة نفسها، وقبل الطاولة كانت التعابير الشعبية تتحدث عن “دهن السير”، كانوا يقولون: “ادهن السير يسير”، إذا لم يكن لديك دهن سيتعطل ويتلكأ السير وربما يتوقف ومعه تتوقف أحوالك، في ذلك الوقت كان للدهون قيمة كبيرة، ومع اتضاح أخطار الكوليسترول على الشرايين في ما يبدو استعيض عنها بمظلة الطاولة، وإضافة إلى تعبير تحت الطاولة هناك تعبير آخر يفي بالغرض نفسه، وهو “الدرج المفتوح”، يترك الموظف المرتشي درجه مفتوحاً ليوضع فيه الثمن.
ويستخدم بعض المرتشين تعابير مثل “ما يخدم بخيل”! على رغم أنهم يتقاضون على هذه الخدمة أتعاباً رسمية لكن اللقمة التي في يد الغير لها طعم آخر في أفواه هؤلاء.
ومن أساليب الرشوة الأعلى درجة مما سبق “التنفيع”، لا يحصل طالب الخدمة على فرصته إلا باقتطاع حصة مما لديه للموظف المرتشي، بعضهم يسمونها شراكة إذعان وربما يأتي “التنفيع” على شكل عرض من طالب الخدمة نفسه، بهذا العرض هو يؤمّن لمشروعه أو حاجته طريقاً مسانداً سريعاً وخفياً في الوقت نفسه.
وأجد أننا للأسف نكاد نتكيف مع هذا الوضع المزري على رغم أن ديننا يحرمه وعاداتنا لا تقبله، لكن يكاد يصبح عادة سرية لدى فئة مهمة من المجتمع، بل انه في الاجتماعات أو اللقاءات الجانبية ربما يشار للمرتشي بأوصاف الذكاء و ”الذئبية” من ذئب، والأخير من أوصاف المدح في بلادنا المعمورة! والواضح أن أداء الجهات المختصة ضعيف ولا يتواكب مع استشراء الداء، كما أن طرح هذه القضية وأخطارها إعلامياً أكثر ضعفاً هو الآخر، إنها من شبه المسكوت عنه، وهو ما يدفعني للمطالبة بإنشاء هيئة مستقلة للنزاهة ومحاربة الفساد الإداري.