أرشيف شهر نوفمبر 2005

كشك المطار

25 نوفمبر 2005

تخيّل أن هناك معتمرين يرغبون في السفر إلى بلادهم وينتظرون أربعة أيام كاملة في مطار الملك عبدالعزيز في جدة، هذا المطار العجيب تصاب أنت فيه بالحكة لو مكثت فيه أربع ساعات! فكيف بأربعة أيام؟ من جانب آخر تجتهد الجوازات في تحذير المعتمرين من البقاء بعد المدة المحددة لهم، طرفا هذه المعادلة المتضادان أحد أسباب تخلف المعتمرين، الشركة المكلفة بالمهمة واسمها “تسهيل”! تلقي باللوم على جهات أخرى، ووزارة الحج تحذر وتجمد تصاريح وتمنح أخرى، وليس هناك من تطور فهي حال موسمية مشهودة، الحديث عن هذه السحابة الموسمية أصبح مملاً، والأفضل أن نتحدث عن المطار.
في الطابق الأرضي من هذا المطار يوجد “كشك” صغير مخصص لركاب الانتظار للرحلات الداخلية، ولأن الاسم لا بد من أن ينطبق على المسمى فإنك ترى جموعاً من المنتظرين، فجأة يركضون ويتجمهرون حول “الكشك” الصغير ثم يتفرقون، ولا تسمع سوى توسلات: “الله يرحم والديك… تبوك”… “ممكن نجران… الله يحفظك”، مع التوسلات هناك إشارات إلى الأوضاع، راكب لديه حال طارئة، الجواب غالباً: احضر قبل ربع ساعة من وقت الرحلة، قيد اسمك وانتظر رقم الحظ، تماماً مثل حافلات “خط البلدة” التي زاد من شهرتها الفنان فايز المالكي، داخل “الكشك” يجلس ثلاثة من موظفي “الخطوط السعودية” وهم - الشهادة لله - يحاولون الرد على الاستفسارات، لكن هذا لا يعني  الحصول على بطاقة صعود، يمكن أن تصاب بنوبة من العطاس بسبب الروائح، وكأنك “نشقت” حفنة “صعوط”، اللون البني للكشك الصغير يزيد من حالة كآبة الانتظار، وليس هناك أمام المنتظرين سوى التجمع ثم التفرق، بحسب المناداة، والكل يلجأ إلى الجوال، فمن لا يعرف أحداً لا يعرفه أحد، وبحكم أن مصائب قوم عند قوم فوائد نشأ بجوار “الكشك” الصغير مطعم ظريف، يتلألأ بالأضواء والمصابيح، ملصقات الأطباق شهية على الورق، أما افتراس المنتظرين فيأتي من الأسعار، هنا استغلال أمثل لحاجة المنتظرين، وإذا تلفت حولك وجدت أن غالبيتهم من الطلبة، وهم بلا شك ينتظرون أيضاً مكافآت متأخرة شحيحة، لكنه “البزنس” الذي لا يرحم، حجم “الكشك” في مقابل حجم المطعم وأوضاعهما المتباينة توضحان لك كيف تفكر إدارة المطار العجيب، ولأن أمانة محافظة جدة تقول إنها تكافح غلاء الأسعار، ووضعت رقماً هاتفياً للتبليغ فضلت التبليغ عنه كتابة، لأن المشافهة لدينا لا قيمة لها، وننتظر النتائج.
قضية مطار الملك عبدالعزيز ليست قضية مبنى وإمكانات، بل قضية إدارة وموظفين.

الرجل الحصان

24 نوفمبر 2005

في عدد مجلة “لها” الأخير حوار مع رجل يقول إنه يطرد الجن من أجساد البشر، وما لفت انتباهي روايته عن إحدى مريضاته التي تخيلت أن زوجها حصان!
أعاد الحديث عن الرجل الحصان إلى الذاكرة قصة ظريفة ساحرة للكاتب الساخر التركي عزيز نيسين، لم أعد أتذكر عنوانها لكن القصة القصيرة تدور حول رجل يستيقظ في الصباح الباكر ويلتفت إلى جواره فيجد أنه نام تلك الليلة بجوار مخلوق غريب، ويصف الكاتب ذلك المخلوق بصورة فريدة لا تخطر على البال، منها أن له رأس سلحفاة ورقبة قنفذ، إذا كان للقنفذ رقبة!، ورجلاه رجلا ثور وله ذيل تمساح وعلى هذه الشاكلة. وما أنقله عن القصة غير مطابق لكنه قريب مما كتبه الكاتب، يصاب الرجل بالفزع فيهرب من السرير وعندما يخرج من الغرفة يقابله مخلوقان صغيران يصفهما الكاتب بأوصاف لا تختلف كثيراً عن ذلك المخلوق الغارق في النوم، يخرج الرجل إلى الشارع فيجد تراكيب مختلفة لمخلوقات تروح وتغدو ليست موجودة سوى في مخيلة الكاتب الرائعة، ويبدأ بطل القصة بالصراخ والركض، فهو قد اعتقد أنه في عالم آخر أو أصيب بالجنون، إلى أن يتمكن منه مخلوقان ويذهبان به إلى طبيب لا يختلف في الصورة عنهما كثيراً، فيسألهما الطبيب أهي الحالة نفسها فيرد أحدهما بالإيجاب، ونلاحظ أن الطبيب لا يستغرب الحالة ويتعامل معها بهدوء علاج الزكام، يخرج الطبيب مرآة من درج مكتبه ويضعها أمام وجه الرجل ليرى صورته، ثم يصف لنا الكاتب صورة الرجل التي لا تختلف كثيراً عن تلك التراكيب المسخية، المهم أن بطل القصة بعد أن رأى صورته وتمعن فيها يعود إلى حالته الطبيعية ويبتسم بهدوء، معتذراً بخجل من الإزعاج الذي سببه، ويعود إلى منزله ليقابل تلك المخلوقات ليس بصورة عادية بل بالأحضان.
والرمز واضح في القصة وكنت أتعجب من هذا المدى الجامح الذي وصلت إليه مخيلة الكاتب التركي لأكتشف من خلال قصة المجلة أنه يحدث في الواقع، تصور حالة هذه الزوجة وهي تتخيل أن زوجها حصان، لم تحدد هل هو حصان سباق أم حصان لنقل الأحمال الثقيلة.
هناك من القصص والأحداث الواقعية ما يبز ويتجاوز ما يقدمه الكتاب والمؤلفون، حسناً هل يحدث لأحد منا مثل ذلك الشعور أو التخيل ولو للحظة، كأن تدخل على مكتب رئيسك في العمل فتجد طاووساً جالساً يصيح بصوته الحاد العالي فتصاب أذناك بالصمم، وعندما تطلب منه أمراً ما يفرد ذيله الملون في وجهك، أو أن تراجع إدارة فتجد موظفاً شبيهاً بالدب الظريف الكسلان وحوله تجمعت مخلوقات غريبة، بعضها اكتفى بالفرجة وبعض آخر “ينق” مثل الدجاج، أو أن تقود سيارتك فتتحول السيارات من حولك إلى وحوش تريد التهامك، إذا وصلت إلى هذه الحالة فأنت لا تحتاج إلى طارد للأرواح الشريرة، العلاج يكمن في قطعة مرآة صغيرة.

“ترقيص”

23 نوفمبر 2005

احتاج مواطن لوساطة صحافية حتى يحصل على وعد باهتمام “طوارئ أنفلونزا الطيور” ببلاغه، والسبب حمامة ميتة. قبل الوساطة ظل الرجل ساعات طويلة يتصل بالأجهزة المعنية ولا أحد يجيب عليه، والسبب معروف فهم في حال طوارئ، الطريف أنه عندما تم الرد عليه قيل له إن الحمام لديه مناعة من الأنفلونزا، لم يحددوا أي نوع الذي يمتلك المناعة، يظهر لي - والله أعلم - أن النوع هو المسمى” الرقيصي”، وهو نوع جميل من الحمام، عندما يمشي كأنه يرقص، أما سبب المناعة في تقديري فهو أنه “يرقص” من “الترقيص” بفيروس الأنفلونزا، فإذا جاء الفيروس من اليمين مال برقبته إلى الشمال والعكس بالعكس، حتى يتعب الفيروس ويبحث عن دجاجة، ويرى بعض الباحثين في شؤون فيروسات الأنفلونزا أنها لا تنشط في أيام العطل لأن الازدحام يخف ويتضاءل عدد الضحايا المحتملين.
والذي قوبل به حرص المواطن هو نوع آخر من “الترقيص” تمارسه أجهزة خدمية كثيرة، خصوصاً في قضية البلاغات وكأنهم يقولون له عندما يتصل “والله أنك فاضي”، والمشكلة تنشأ من المواطن، لأنه يصدق كل ما يسمع ويقرأ ويجتهد لأنه مشحون بالمواطنة الصالحة ولا يعلم أن كثيراً مما يقال هو للاستهلاك الإعلامي، ثم إن المواطن صاحب البلاغ “الله يهدينا وإياه” لم يجد هذه الحمامة الميتة إلا يوم الخميس وهو يوم عطلة حتى للطيور، ويتوقع أنه يوم عطلة أيضاً للأنفلونزا، إضافة إلى أن الطقس يوم الخميس الماضي كان رائعاً، وهو عند من يربون طيور الحمام طقس جميل “للتحويم والتغييم”، المعنى أن الكل إما مجاز أو مشغول ولا يتوافر لأحد الوقت لأجل حمامة ميتة، ربما بسبب “نباطة”.
من الطبيعي أن لا نبالغ في ردود الفعل على أحداث مثل هذا الوباء، لكن ماذا يفعل مواطن يطالب بالتعاون بالبيانات والتصريحات في مختلف وسائل الإعلام، ثم يحصل له مثلما حصل لصاحبنا الذي نشرت قصته إحدى الصحف، النتيجة أن لا أحد سيأخذ طلبات ومناشدات التعاون على محمل الجد، وأصل القضية في تقديري أن المسؤول المعني بالأمر يصرح ويطالب من دون أن يكون اطمأن إلى جاهزية إدارته، بالنسبة إليهم ينتهي الأمر بإسكات الصحافة أو الجمهور بالتصريح، الأطرف من هذا كله أن خدماتنا الصحية لـ “طوارئ أنفلونزا الطيور” وصلت إلى الكويت وحسمت الأمر في قضية حالة أعلن عنها هناك. حتى في الأنفلونزا الخارج أهم من الداخل، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

احتفاء بالقلب الكبير

22 نوفمبر 2005

احتفاء أهالي الرياض بخادم الحرمين الشريفين، هو احتفال كل فرد من شعب المملكة بقائد البلاد، من أطراف مدينة حقل في الشمال الغربي إلى نجران. الرياض المدينة والمنطقة هما لوحة ملونة ناطقة معبرة عن كل شبر في الوطن، والاحتفال هو تعبير بسيط عما في القلوب من حب وولاء، لرجل اسر القلوب وأجمع الناس على محبته، وهو الرجل الذي يتفاءل به الشعب بعد الله عز وجل، ويترقب بابتهاج طموحاته الكبيرة في البناء والتطوير والتحديث، والملك عبد الله بن عبدالعزيز قبل كل شيء، كرّس مبادئ الوفاء، وضرب مثلاً نادراً في ذلك، وظهر هذا المثل للعيان طوال مرض الملك فهد بن عبدالعزيز، يرحمه الله رحمة واسعة، وهو الرجل الذي كشف حالات الفقر بشجاعة، وأصر على إظهاره على سطح المجتمع، وقرر مواجهته، وفي فترة دقيقة من تاريخ البلاد نجح الملك عبد الله بن عبدالعزيز في مواجهة الإرهاب البشع، وبقيادته استطاعت المملكة العربية السعودية أن تقطع أصابع الإرهاب، وتقلل آثاره إلى أقل حد يمكن الوصول إليه، والنجاح في هذه المواجهة لم يكن على حساب المبادئ والقيم، نجحت قيادة الملك عبدالله في تعرية الإرهاب وكشف حقيقته، على رغم أنه، زوراً وبهتاناً، ارتدى عباءة الدين الحنيف، والملك عبد الله هو الذي أوقد شمعة الحوار الوطني، فاستطاع كسر حواجز قديمة نتجت من سوء في الفهم والتفاهم، وترسخت بسبب الجمود وعدم اتضاح الصورة، وعدم توافر مظلة وأدوات للحوار، فكانت تلك الحواجز تعلو بين أطياف الشعب السعودي، وهنا، جاءت مبادرة الحوار الوطني المميزة، التي يترقب المواطن منها نتائج كثيرة طيبة تعم أرجاء الوطن، وبقيادة الملك عبد الله بن عبدالعزيز، منذ أن كان ولياً للعهد، استطاعت السعودية مواجهة الضغوط الخارجية في فترة صعبة مرت بها المنطقة، وشاهدنا دولاً تتساقط، وأنظمة تتسول الركوع، وشعوباً تعيش حالات الفوضى والانكسار.
وعندما يحتفل أهالي الرياض، بقيادة أميرهم المحبوب الأمير سلمان بن عبدالعزيز، بملك البلاد، فهم يعبرون عن الحب والوفاء، فهو احتفاء صادر من القلوب لصاحب القلب الكبير.

أنفلونزا الإعلام

21 نوفمبر 2005

تقول النكتة إن أحد البلديات أتلفت طناً من شاي الهدهد، خوفاً من إصابته بأنفلونزا الطيور، طبعاً لا يوجد - بحسب علمي - شاي بهذا الاسم في الأسواق، ولكن حقوق العلامة التجارية تمنعني من ذكر الاسم الذي ورد في الطرفة، الطرائف حول أنفلونزا الطيور انتشرت بين السعوديين، فكان الوصف للأعراض التي تشير إلى الإصابة، والتحذير منها، فإذا شعرت بمثل هذه الأعراض اذهب إلى أقرب مستشفى وأنت “متلطم”.
من هذه الأعراض الشعور بالرغبة في الطيران، والإحساس ببروز في مقدمة الرأس، تخيل أن الأنف يتحول إلى منقار، الإحساس بالحنان والدفء عند رؤية البيض، الخوف من القطط والأطفال، الفضول والحذر عند رؤية أي طائر كبير يحوم في السماء حتى ولو كان طائرة.
أعراض كثيرة تفنن السعوديون في نشرها هنا وهناك، وقريباً نستقبل فعاليات رسمية عدة عن خطورة هذا المرض وطرق انتشاره. في زمن مضى أصابت الأمراض اللحوم الحمراء، فاستفادت مشاريع الدواجن، وتدور الأمراض مع الأيام لتنعكس الأوضاع، ولأن لنا تجربة سيئة مع مرض حمى الوادي المتصدع التي أصابت الماشية في جازان، فإن التوجس يصيبنا من بعض أجهزتنا الرسمية في الاحتياط من هذا المرض، والشفافية في الإعلان عن حركته، وجاء العجب من تصريح لأحد المسؤولين في وزارة الزراعة، يقول فيه إن الإعلان عن حالة إصابة بأنفلونزا الطيور في الكويت غير صحيح، وأن وزارة الزراعة السعودية أرسلت فريقاً طبياً متخصصاً إلى الكويت، وبعد الوقوف على هذه الحالة تبين أن التشخيص الكويتي غير دقيق، بصراحة لم أكن أعلم أن الفرق المتخصصة الزراعية السعودية بهذه القدرات، قدرات تجاوزت أراضي الوطن لتصبح إقليمية، الكويتيون يعلنون على شاشات التلفزيون أن لديهم حالة إصابة بأنفلونزا الطيور، ويأتي النفي من وزارة الزراعة السعودية! أصدقكم القول ان لدي رغبة في تصديق وزارتنا الموقرة، لكن كلما هممت بذلك تذكرت حمى الوادي المتصدع، كلما فكرت بسلامة الطيور ظهرت لي هواجس التيوس والبربري المتصدع، فأصاب بالصداع، وبعد تفكير في الأمر وتقليب، حمدت الله تعالى أن بلاد الصين ليست مجاورة لنا.