أرشيف شهر نوفمبر 2005

وحقوق الصبيان

20 نوفمبر 2005

لا أحد أحسن من أحد، هذا ما تريد إدارة الرئيس بوش أن تقوله لنا، من كشفها عن قضية تعذيب العراقيين للعراقيين، المثير في التسريب الخبري لقضية التعذيب الجديدة أن القوات الأميركية المحتلة كانت “يا حبة عيني” تبحث عن صبي مختف، هذا البحث الإنساني “المجنزر” قادها للعثور على وكر التعذيب المخزي، وهنا نكتشف جديداً وهو أن حرص الأميركان على حقوق الصبيان، هو سلسلة من الاهتمام بحقوق المرأة والإنسان، ولا تستغرب عزيزي القارئ أن هذه القوات هي نفسها التي جمع أفراد منها مجموعة من الصبية العراقيين وقدموا لهم الهدايا المدرسية لجذبهم وبعد أن غادر الجنود مسرعين انفجرت سيارة مفخخة في الصبية المساكين، كانت كارثة مروعة لم يتم فيها لا تحقيق ولا مساءلة وقيدت ضد الإرهاب المجهول، يمكن لك أن تقيَد على حساب هذا الإرهاب البغيض كل ما يخطر على بالك أو يحقق أهدافك، وفَر ابن لادن وجماعته الإرهابية كل ما تشتهيه الأنفس الاستعمارية، وبحكم أننا في مناخ أميركي عجيب لا ينطبق عليه سوى المثل العربي “شر البلية ما يضحك”، ولأن اللعب الدموي أصبح على المكشوف فإنه لا مجال للخجل من أن يشير الإعلام إلى مذكرة للحزب الحاكم في أميركا يتم تداولها عن أوضاع إدارة الرئيس الشعبية هناك وتتمنى هذه المذكرة هجوماً جديداً من ابن لادن على أميركا لعله يسارع إلى إنقاذ الإدارة الأميركية، ولك أن تتوقع شيئاً من هذا القبيل قريب الحدوث.
لكن ما سر هذا الصبي العراقي المختفي، الذي دفع بأكبر جيش في العالم للبحث عنه، هل تأثر الجنود لدموع والدته المظلومة؟ أم انه الوحيد الناجي من حفلة قتل عائلية، القوات التي دكت البيوت على رؤوس أصحابها، ودمرت العراق لأجل عقود الإعمار، ونفت ثم أثبتت أكثر من مرة استخدامها لأسلحة محرمة، وقتل جنودها كثيراً من المدنيين تبحث عن صبي مختف؟!
فهل نحن أمام دولة عظمى مصابة بانفصام في الشخصية، في المساء تتحول إلى قاتل وما ان يشرق الصباح حتى ترتدي معطف الطبيب!
إدارة الرئيس بوش التي تتحدث عن الطائفية هي من أسس لها منذ أن غزت العراق واستحدثت مصطلح المثلث السني، وهي تكرسه بحملاتها المركزة، كان أمام هذه الإدارة الغازية خيارات عدة، لكنها انساقت وراء حملات الثأر والتطهير أو قادتها وتسترت عليها، وبدلاً من أن تقدم أنموذجاً عالمياً للديموقراطية والأمن وتحث على خيار إنساني حقيقي، مثل خيار مانديلا، تدفع بالأمور إلى نموذج لا يختلف كثيراً عن نموذج رواندا.

حقوق “الأسنان”

19 نوفمبر 2005

من ذرائع الاستعمار الجديد استخدامه لقضايا الحرية وحقوق الإنسان، هذه القضايا في الأساس هي قضايا نبيلة، لكن القوى المهيمنة لا بد من أن تقدم ذرائع يسيل لها اللعاب حتى تحقق مخططاتها، ولا يعني هذا إطلاقاً تحقيقها للشعوب المستهدفة، الواقع يقول ان حقوق الإنسان وحرياته منتهكة في كثير من الدول والمجتمعات، وحتى في الدول المتقدمة التي تنعم بالحرية تجد أنها حرية عرجاء، خذ مثلاً قضية حجاب المرأة، أليس هو من أبسط حقوقها أن تلبس ما تشاء، هنا الحرية في التعري فقط أما عند رغبة المرأة المسلمة في ارتداء الحجاب فإنه سيعتبر رمزاً دينياً محظوراً، وحتى في قضية حرية الرأي تجد سلطات الدول المهيمنة في العالم تتعامل بمكيالين، فلا يستطيع جندي أميركي حر نشر مذكراته عن تجربته في العراق في الولايات المتحدة، ويضطر إلى نشرها في فرنسا، لكن عند الإساءة إلى الدين الإسلامي والرسول محمد عليه الصلاة والسلام فهذا مسموح به، وتجد أن مجتمعات كان يعتقد أنها مختلفة مثل الدنمارك سمحت بمثل هذه الإساءة، بل ورفضت السلطات هناك احتجاجات المسلمين، فهذا من الحرية، في هذه الجزئية أدعو الغيورين إلى مقاطعة المنتجات الدنماركية، خصوصاً الزبدة المتسيدة في أسواقنا، في الجانب الآخر من نظرتهم لحرية الرأي، يمكنهم استخدام ما يشاؤون مما يكتبه أو يقوله بعض المسلمين على أنه تحريض على الكراهية.
الحرية جزء من حقوق الإنسان، انظر إلى هذه الحقوق للإنسان غير الغربي وغير الأميركي تحديداً، في الفيليبين تظاهرات عارمة لأن ستة من جنود المارينز الأميركيين اغتصبوا فتاة فيليبينية، ولن يطاولهم العقاب لأن لديهم حصانة من خلال اتفاق موقع بين البلدين! انظر إلى إذلال بعض الساسة لشعوبهم في مثل هذه الاتفاقات، في العراق حصل الجنود وضباطهم الأميركيون على حصانة مماثلة، حقوق الإنسان الأميركي أو الغربي هي العنوان الحقيقي للدعوة إلى حقوق الإنسان، له الحق في القتل والاغتصاب والسرقة من النفط إلى الآثار.
إدارة الرئيس بوش التي تستخدم تقرير ميليس لتحقيق أهدافها في المنطقة، ترفض التحقيق الدولي غير المشروط في أوضاع  المعتقلين المسلمين في غوانتانامو، وينشر هذا المقال والمهلة الدولية لإدارة المحافظين الجدد تكون انتهت، وهنا تحية للسيد “مانفرد نوفاك” المقرر الخاص للأمم المتحدة حول التعذيب، التحية على موقفه وإعلانه مهلة لأكبر قوة منافقة على وجه الأرض.
الإنسان بحاجة إلى حقوقه من دون نقصان، لكن من الكارثة استخدامها ذريعة لسحقه وامتهانه، الطبعة الأميركية لحقوق الإنسان هي ترسيخ لحقوق “الأسنان” الأميركية الحادة، التي لا تشبع من الفتك هنا وهناك.

أحوال ومواقع

18 نوفمبر 2005

أصبح الانترنت متنفساً للكثير، فبعض للتصفح، وبعض لبث هموم مشتركة، الطلبة والموظفون على رأس القائمة، ولم تعد الجهات الحكومية ولا الخاصة في حاجة إلى وضع صناديق الاقتراحات والشكاوى التي ثبت فشلها، كما أن مسوحات الرأي تراجعت أهميتها إلى حد ما، يكفي فقط أن يبحث المسؤول في الانترنت ليجد ما يريد بل يستطيع معرفة رأي المواطن في أداء الجهة التي يشرف عليها ومستوى الرضا أو السخط الذي حققته إدارته، لكن هل هناك من يبحث ويقرأ بقدر ما يصرح لوسائل الاعلام؟ قبل أن نجيب عن هذا السؤال لا بد من استدراك، أشير فيه إلى أن صفحات الانترنت يمكن استخدامها بصورة سلبية ليس لها هدف سوى التجريح، لكن هذا ليس موضوعنا، فالعاقل يستطيع التفريق بين أصحاب الحقوق الذين يبحثون عمن ينصت إليهم ويستمع إلى شكواهم، لأنهم عجزوا عن ذلك بالوسائل التقليدية وبين الآخرين.
وها هم طلبة العلوم الطبية التطبيقية تحركوا واستحدثوا لهم موقعاً للمطالبة بحقوقهم، وهم وجدوا في زخم تحرك طلبة كليات الطب بعد تخفيض مكافآتهم قدوة لهم، لكن الجهات المعنية في مجلس التعليم العالي ووزارة الخدمة المدنية لم تهتم بما ينشر في الصحف! فكيف بمواقع الانترنت، وفيها آلاف المواقع؟
جاءت “الانترنت” بخدمة عظيمة لمن يريد العمل على إصلاح الخلل ورتق الثقوب، وهي وما يكتب فيها حجة على الجهات الخدمية، بل انها أكثر أثراً من أداء إدارات العلاقات العامة، لم يعد الأمر بحاجة إلى مراقبين ولا إلى فتح المكاتب لاستقبال الشكاوى، و ”المعاريض” أصبحت تكتب من خلال الانترنت علناً وأمام القاصي والداني، والجهة التي تريد ستر القصور والخلل في عملها يجب أن تتصفح وترد وتعمل على الإصلاح ومراعاة حاجات الناس، أما التي تضع في “عين طيناً” وفي “العين الأخرى عجيناً” فهو إعلان عن إفلاسها.

زيت الأسهم

17 نوفمبر 2005

صديقي سعيد هو أحد عيوني على سوق الأسهم، وهو ليس من أسماك القرش ولا “الهوامير”، بل يمكن تصنيفه على انه من فئة “سلطان إبراهيم” مع بعض الفكة، أستمع إليه فأكون على علم بما يجري داخل السوق، وفي كواليسها واستراحاتها، وكنت إلى وقت قريب أعتبره من المطلعين والخبراء في هذه السوق، ولأنه لا يحب الأضواء لم تشاهدوه على القنوات الفضائية مع المحللين والموجهين والمغررين للسوق والمتعاملين فيها، وكنت أعتزم ترشيحه لهذه المهمة، خصوصاً عند الصعود الحاد والهبوط المرعب، وأحمد الله على أنني لم أفعل ذلك، وإلا لانكشف المستور.
ولدى سعيد تعبيران يستخدمهما عندما يتحدث عن السوق، فهو إذا باع قال انه “طش” السهم الفلاني، أما إذا اشترى فهو يستخدم مصطلح “القحش”، وهو لا يعلم إذا ما كان “قحش” عقارب أو أفاعي، ويعتبر نفسه مضارباً ولكن من وراء الشاشة، والمضاربة في سوق الأسهم تتم يومياً بين عدد كبير من الذين يتضاربون، الفرق الوحيد بين مضاربات الأسهم والشوارع، هو أن النزيف في الأولى يكون داخلياً وبطيئاً.
أما المستور الذي أسهم شهر رمضان الكريم بكشفه، فهو أنني لاحظت مع بعض الأصدقاء على سعيد اهتمامه الكبير بزيوت دوار الشمس، فهو لا يشتريها للمنزل فقط، بل يسوق لها، ويجمع ما ينشر في الصحف من أخبار يقال انها طبية، تشير إلى انخفاض الكوليسترول في هذا النوع من زيوت القلي والطبخ، مقارنة بزيوت الذرة والنخيل، وفي رمضان زاد سعيد من وتيرة التسويق، وترغيب من حوله في زيوت دوار الشمس، وكان الجميع ما زال يعتقد أن السبب حرصه على صحته وصحة أصدقائه، إلى أن احتد مرة في النقاش فاعترف بأنه اشترى أسهماً في شركة اسمها “شمس”، ولذلك فهو يروج لمنتجها الوحيد كما يعتقد، وكانت المفاجأة التي أذهلته أن شركة شمس لا علاقة لها لا بزيوت دوار الشمس، ولا زيوت المعدات الثقيلة، لا من قريب ولا من بعيد، فهي شركة للخدمات، وعلى رغم إننا ضحكنا وكركرنا وقتها، وأصابه شيء من الحرج، إلا أن الأمور انقلبت علينا، خصوصاً عندما جاء سعيد نافخاً ريشه وتوسط المجلس وهو يخبرنا بالصعود الكبير لسهم هذه الشركة الصغيرة، ليصل إلى أرقام شمسية، وقتها فكر كل منا مثل سعيد، أحدهم توقع أن لدى الشركة استثمارات في الطاقة الشمسية، وآخر افترض أنها حصلت على امتياز حصري لأشعة الشمس، وفي لحظة تحولت التوقعات والتخمينات إلى توصيات من خلال الهاتف الجوال، وعندما استنكرت على الموصي هذه الرسائل ونحن نعرف “البير وغطاه”، قال انه ليس أقل ممن يحصلون كل شهر على ألف ريال، رسوماً لتوصيات “الجوال”.

نشرة الأحوال الأمنية

16 نوفمبر 2005

على صفحة كاملة نشرت “الحياة” قصصاً عن سرقات المناسبات يوم الأحد الماضي. استغلال الإجازات للسرقة ليس أمراً جديداً، المستجد فيه هو المساعدة التي أصبحت المطاعم والأسواق تقدمها للصوص بواسطة منشوراتها وإعلاناتها التي توضع قسراً على أبواب المنازل، كان اللص في السابق يضع أثراً على قفل الباب ثم يعود بعد فترة ليعلم هل في المنزل احد أم لا، حالياً تم إيكال المهمة لأصحاب المطويات. أيضاً سرقات الإجازات أصبحت موضة قديمة، النشل الذي لم نكن نعرفه إلا في الحج والعمرة أصبح يحدث أمام آلات صرف النقود وداخل صالات المصارف والأسواق. في جازان سجل طفل يمني رقماً قياسياً في عدد حالات النشل (257 حادثة نشل)، تخصص هذا اللص الصغير في كبار السن والمعوقين، أكبر مبلغ سرقه في عملية واحدة كان 25 ألف ريال، نشال آخر (تشادي الجنسية) حقق رقماً قياسياً، المضحك أنه سبق إبعاده وعاد لممارسة تخصصه. تهون السرقات عند حالات انتهاك المنازل والاغتصاب، قبل فترة نشرت الصحف عن شاب موريتاني في المدينة المنورة يترصد المنازل إلى أن يذهب رب الأسرة فيقتحم المنزل ويسرق ويغتصب النساء. في جانب آخر، تبحث شرطة المنطقة الشرقية عن مغتصب تسلسلي، ومنذ أربعة أشهر لم تستطع العثور عليه، على رغم فرز أكثر من 300 مشتبه بهم، المجرم يستخدم قناعاً وقفازات عند اقترافه جرائمه وكل ما لدى الشرطة من معلومات عنه أن بنيته رياضية وأنه اسمر البشرة وفي الثلاثينات من عمره، يترصد المجرم المنازل ثم يقلد صوت امرأة ويطرق الباب وتكون الكارثة. في بلاد أخرى يتم نشر رسم للمجرم المشتبه به ويقال للجميع: “ابحث معنا عن المجرم”، أليس كل مواطن ومقيم هو رجل أمن؟
صديقي القارئ، الذي يرفض ذكر اسمه، اقترح أن تنصب يدان مقطوعتان من البلاستيك في الساحات العامة ترهيباً لـ “الحرامية” واللصوص بحد السرقة، وكأنه يتساءل عن مرور زمن طويل لم نسمع عن إقامة هذا الحد، على رغم كثرة السرقات؟
 منذ زمن بعيد نكتب ونحذر من المتخلفين في مواسم الحج والعمرة، بعض هؤلاء ومع التراخي في معالجة أمرهم استطاعوا الاستيطان ونشأت أجيال جديدة منهم، الأمر وإن اختلف قليلاً هو نفسه مع العمالة السائبة، والبطالة للشباب ليست بعيدة عن الشبهة، نشرت بعض الصحف عن القبض على ثلاثة مواطنين ومقيم سوداني تورطوا في سرقة 15 سيارة، اللافت للنظر أن بينهم اثنين لا يتجاوز عمر الواحد منهما الـ 15 سنة!
نحن بحاجة ماسة لأمور عدة، أقلها إعادة توعية أفراد المجتمع بالواقع الراهن، الحال لم تعد مثل السابق، ولنأخذ دروساً مما حدث في فرنسا.