أرشيف شهر فبراير 2006

ذاكرة السمكة

13 فبراير 2006

“هات الزبدة” نقولها عندما نحث المتكلم على الاختصار، الآن تغير الوضع، فلا بد من أن نقول “هات الزبدة غير الدنماركية”!
 أقرأ وأسمع عن حرية التعبير، في كل بيان من الساسة الغربيين يأتي استنكار الرسوم الدنماركية، مع الحرص على التمسك بحرية التعبير، عندما أطالع مثل ذلك، أتذكر أن حرية التعبير تم شنقها بإصرار وعلناً على طريقة رعاة البقر، كان هذا قبل سنوات قليلة وعلى مرمى حجر منا، لكن ذاكرتنا قصيرة المدى، يخبرني صديق أن السمكة لها ذاكرة قصيرة لا تحفظ إلا ثواني من الماضي، لذلك هي تعتقد أن الحوض الصغير الذي تسبح فيه بحر هائج، فتتجول فيه سابحة ومعتقدة أنها في كل لحظة تكتشف الجديد، لست أعلم عن دقة هذه المعلومة، لكني إذا ما تذكرت قصة إغلاق مركز الشيخ زايد في الإمارات أعلم أن ذاكرتنا قصيرة، وأننا “ضعوف على باب الله”. عندما أعلن مركز زايد عن ندوات فكرية تناقش الصهيونية وأبناءها، قامت قيامة الغرب تقوده الولايات المتحدة، واجتهدت المندوبة الأميركية في الضغط وقامت قيامة الصحافة ووسائل الإعلام هناك، واتهمت الإمارات والمسلمين بمعاداة السامية والحث على الكراهية، وبدأت الحملة من فتاة يهودية أميركية سميت لاحقاً وبعد الإنجاز بطلة، تم إقفال مركز زايد أمامنا، ولا أنسى بعض الذين يقومون وينتقدون المقاطعة حالياً ويصفونها بالمبالغة، أنهم سايروا تلك الحملة الصهيونية وهونوا من إقفال المركز، لم تكن حرية التعبير والتفكير والنقاش سلعة رائجة تلك الأيام، فلم تكن هناك فائدة لهم  من استخدامها، أقول هذا والأخبار تتوالى عن أصل فكرة الرسوم السيئة وأن هدفها هو تحريك الرأي العام الأوروبي لمزيد من التضامن مع المحافظين الجدد في حملتهم على العالم الإسلامي، وأخبار عن صلات قوية بين القائمين على الصحيفة وبعض رموز المحافظين الجدد في أميركا، وأعلم أنني مع من يتفق معي سنُتَّهم مرة أخرى بنظرية المؤامرة.
وحتى لا نقع في نقاش لا طائل من ورائه، لا بد من أن نضع ذلك وراء ظهورنا، سواء كانت هناك مؤامرة منظمة أم مصادفة، لعلي أتذكر “مصادفة” تاريخ إعادة نشر الرسوم في النروج كان ذلك في ذروة موسم الحج!
حسناً… ماذا نريد من أصدقائنا العقلاء من الأوروبيين لنطوي هذه الصفحة؟  نريد منهم دعماً صريحاً  لإصدار قرار دولي يجرّم الإساءة للإسلام والمسلمين والتعرض لمقدساتهم… فقط لا غير.

العبرة من العبّارة

12 فبراير 2006

استيقظ النائم فمنع عبارة مصرية أخرى من حمل الركاب في ميناء ضبا السعودي، لكن حتى الآن لا أحد يعلم كيف تم السماح للعبارة الكارثة بالسفر وهي تحمل طاقتها القصوى من الضحايا، قيل إن المنع الأخير جاء بسبب الظروف الجوية، وقيل أيضاً إن خبيراً فحص العبارة فوجدها غير مطابقة لشروط السلامة، قد تكون هناك أكثر من عبّارة، لكن ما هي العِبَارة؟ أو على قول الإخوة المصريين “أيه العِبَارة”!؟
أكاد ألمس أننا تعاملنا إعلامياً مع كارثة العبارة المصرية وكأنها “قضية مصرية”، ليس هناك من حديث سوى عن جهود رجال خفر السواحل في الإنقاذ، وهي جهود محمودة ومشكورة، لكن لا إشارات إلى تحقيقات ومساءلات.
في مصر نواب البرلمان يطالبون باستجواب وزير النقل، في السعودية مجلس الشورى لم يحرك ساكناً، وكأن العبّارة الكارثة لم تخرج من ميناء سعودي، وتحمل بشراً بعيداً من جنسيات الغالبية منهم، موانئنا ومطاراتنا هي واجهاتنا واحترام قيمة الإنسان كل لا يتجزأ، فلماذا لا نرى تحقيقاً من وزارة النقل يخبرنا عن مسؤولية ميناء ضبا؟ وكيف تسمح الجهة المعنية بأن تتوافد إلى موانئنا مراكب هي عبارة عن خردة وتشليح من أوروبا؟ وما صدقية ما يقال عن احتكار هذا الخط الملاحي من شخصيات نافذة في مصر؟! نريد من مجلس الشورى أن يتحرك، نريد منه أن يدفعنا للإحساس بأنه يعمل، لماذا لا يطلب أعضاء مجلس الشورى استجواباً لوزير النقل، أخبروا الناس على الأقل هل يركبون عبّارات مستقبلاً أم لا؟ حتى اقتصادياً، هل يجوز أن نسمح بإساءة السمعة والتشويه لميناء واعد مثل ميناء ضبا بالصمت والتغاضي؟
الخبر الايجابي الوحيد الذي قرأته، هو أن مجلس الوزراء وافق على طلب وزارة النقل الانضمام إلى الاتفاق الدولي للبحث والإنقاذ البحريين، مجلس الشورى كان وافق عليه في الشهر العاشر من السنة الهجرية الماضية! هل هي مصادفة أن تتم الموافقة عليه في الأسبوع الماضي! أم أن ملفها هرول راكضاً نتيجة للكارثة، لكن هذا اتفاق للبحث والإنقاذ ونحن نبحث ونتقصى عن أحوال السلامة في موانئنا، هل هناك فساد وشهادات مزورة؟ ربما هناك تساهل، لست أعلم أبحث مثلكم عن الإجابة، ولنتذكر أن هذا من أبسط حقوق الإنسان، رحم الله الغرقى.

الدليل لدى معالي الوزير!

11 فبراير 2006

لو سألت راعي إبل في صحراء الربع الخالي عن الاكتتاب في أسهم شركة جديدة لبحث عن دفتر العائلة الخاص به، وسيكون أمام أمرين إما ان يعرض عليك شراء صورة من دفتر العائلة أو يذهب ليكتتب بنفسه، المعنى أن الجميع لم يعد بحاجة إلى دليل لمعرفة الرغبة العارمة لدى القاعدة العريضة من المواطنين السعوديين للمشاركة في الشركات المطروحة، هذا التوجه ليس وليد الأمس بل هو واضح منذ زمن بعيد، وهو واضح للعامة من أمثالي من دون دراسات ولا إحصاءات، لهذا فقد استغربت أن معالي وزير المالية اكتشفه اخيراً وبعد تغطية اكتتاب “ينساب” في يومين فقط، اذ قال في حديث صحافي: “ان هناك إحصائية لا اعتقد أنها حدثت حتى في الدول المتقدمة، وأنه خلال يومين فقط من طرح أسهم شركة ينساب للمساهمة قام أكثر من مليوني مساهم بالاكتتاب فيها خلال يومين، وهذا دليل على الاهتمام الكبير في المشاركة في الشركات التي ستكون ناجحة”.
الحمد لله أصبح لدى وزير المالية دليل على “الاهتمام الكبير في المشاركة”، وثبت لديه بالإحصاءات التي “لا يعتقد أنها حدثت في الدول المتقدمة” أن الرغبة في المشاركة كبيرة. وبعيداً من الخوض في الدول المتقدمة التي يتم اللجوء للمقارنة بها بحسب الحاجة، فلا يقارن بها في مستوى الشفافية، ولا يقارن بها في مستوى توفير الفرص للقاعدة العريضة، أنا سعيد بتوافر الدليل لدى معالي الوزير، وهو دليل كان متوافراً لدي منذ فترة طويلة وكتبت عنه كثيراً، لكن دليل الوزير غير دليل كاتب صحافي، فالحمد لله أولاً وأخيراً، وصلنا إلى النتيجة نفسها ولو بعد حين.
ماذا نتوقع من الوزير بعد حصوله على الدليل، هل نتوقع توسيع فرص المشاركة للقاعدة العريضة الصامتة، هكذا يقول المنطق، وهو النتيجة الطبيعية لتوافر دليل لدى وزير،”لا يعتقد أنه حصل في الدول المتقدمة!!”، لكن معالي الوزير في تصريحاته الصحافية وبعد حديث عن توفير الفرص لعدد اكبر من المواطنين للمشاركة يشير إلى إمكان طرح 30 في المئة من مشروع “مدينة الملك عبدالله الاقتصادية” للاكتتاب العام، قاعدة الـ 30 في المئة أصبحت مقدسة، ومع ذلك يتم الحديث عن توفير فرص لعدد أكبر من المواطنين!! ولا يشير الوزير في حديثه إلى أية تفاصيل عن المشروع!
كأني به يقول: “وتوافر الدليل لكن ليس لكم سوى 30 في المئة!… حتى نفاخر بأرقامكم الدول المتقدمة!”
 في النهاية هنيئاً للدول المجاورة بمكتتبينا! وأقترح على كل مواطن أن يجهز خيمة صغيرة في سيارته ويوفر عدداً لا بأس به من صور دفتر العائلة ويعود إلى “البداوة” بحثاً عن الاكتتاب ولنصبح بحق “المكتتبين الرحل”.

تسيب

10 فبراير 2006

تتناقل الرسائل الالكترونية خبراً عن تاجر في السعودية، قام بتغيير ملصق بضاعته من القشطة، لتصبح منتجة في هولندا بدلاً من الدنمارك، ولا يمكن الاعتماد على رسائل الانترنت المجهولة، على رغم أنها احتوت على صورة غلاف القشطة قبل وبعد تغيير شهادة الميلاد. سؤال قديم، أين وزارة التجارة؟ ربما سنحصل على تصريحات متضاربة تلقي باللوم من تلك الجهة على جهة أخرى.
توسع إعادة نشر الرسوم الدنماركية في صحف أوروبية ومسابقات رسوم جديدة، هو تعبير عن موقف دفاعي تضامني ضعيف، الصحف المحترمة يمكن لها مناقشة حدود حرية التعبير، الصحف المراهقة تعيد النشر بحثاً عن ذكر اسمها واسم رئيس تحريرها، وإعادة النشر تدفع المرء إلى إعادة النظر في صورة كانت لديه عن المجتمعات الغربية، كنت أتخيل أن المجتمعات الاسكندنافية هي الأعلى تصنيفاً من حيث التحضر، وصحافتها لا بد من أن تعبر عنها، وفي الحد الأدنى تعبر عن شريحة من المجتمع.
فهم الآخر والتحاور معه كان من السيوف المسلطة على رقابنا منذ أحداث سبتمبر، نرى الآن على السطح أن لدى الآخر أورامه وعفنه ومتطرفيه، ويمكن له تسويغ ذلك، إذا أراد، تحت باب حرية التعبير.
الأستاذ حمدي قنديل في برنامجه “قلم رصاص” اقترح لمواجهة ذلك مقاطعة منتج من كل دولة، وقدم للمشاهد نموذجاً، كريم ألماني مشهور، وزيت زيتون اسباني مشهور، تعبيراً عن رفضنا لإعادة نشر الرسوم في صحف تلك الدول، في تقديري الأمر ينظر إليه كالآتي، الحكومات التي لا تدين النشر في صحفها من خلال مؤتمرات صحافية تعقد وسط مجتمعها هي التي يجب أن يُتخذ موقف شعبي ضدها. ويجب الحذر من الانسياق الذي يحقق هدف حكومة الدنمارك في جعل القضية أوروبية إسلامية.
إنها قضية المسلمين مع الحكومة الدنماركية الحالية، هذه الحكومة التي تمادت في تهديد القيادات الإسلامية هناك بدعوى أنها نقلت القضية إلى الدول الإسلامية، وكأن العالم لم يعد قرية الكترونية، وكأن لا سفراء لدول إسلامية في كوبنهاجن، وكأن هذه الحكومة غير مطالبة بالاعتذار من دول رفضت استقبال سفرائها.
إذاً ما العمل؟
يجب أن نستمر في تصعيد مقاطعة المنتجات الدنماركية  كهدف رئيس لا نتزحزح عنه، إلى أن يصرح الناخب الدنماركي برأيه، هل هو مع حكومة لم تكن مسؤولة بالقدر الكافي عن مصالحها مع الآخرين ولم تراع مشاعرهم أم لا؟ في جانب السلع الأوربية الأخرى من الواجب علينا اكتشاف قيمة الاكتفاء، وليكن الشعار “كم من حاجة قضيناها بتركها”، انظر إلى مصدر السلعة التي تشتريها هل استفزك صانعوها ثم قرر رأيك، ولا أنسي القشطة تذكيراً لوزارة التجارة.

بل نحتاج إلى تشريع

9 فبراير 2006

نشرت جريدة “الحياة” في عددها الصادر في الأول من الشهر الجاري مقالاً لرئيس المؤتمر اليهودي العالمي ادغار برونفمان تحت عنوان “المسلمون يستحقون الاحترام نفسه”، استعرض فيه قضية الإساءة إلى المسلمين بنشر رسوم تمس شخصية الرسول - عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام - مشيراً إلى أن ذلك كان خطأ، وأن من حق المسلمين أن يحصلوا على الاحترام نفسه. واستوقفني المقال لسببين، الأول أن قضية الرسوم الدنماركية وصلت إلى الحد الذي دفع رئيس المؤتمر اليهودي العالمي إلى الكتابة عنها!
برونفمان دعا إلى احترام المعتقدات الدينية، وأظهر فهماً للدين الإسلامي الذي يحرم تصوير الرسول الكريم، إلا أنه في نهاية المقال أشار إلى عدم الحاجة إلى تشريعات جديدة! هذا ما استوقفني ثانياً، إذ قال: “لسنا في حاجة الى تشريعات جديدة، فليس في مقدورنا تقييد حرية التعبير، وإنما نحتاج إلى أن نقيد أنفسنا، وإن لم نفعل فسنتعرض للتقييد من الغير على الأرجح”.
لنتخيل أنه تم رسم شخصية حاخام يهودي بغطاء رأس على شكل قنبلة، هذا المثال هو للكاتب المحترم روبرت فيسك ذكره في مقال نشرته “الوطن”، ماذا سيحدث يا ترى؟ هل سيتحدث السيد برونفمان عن “تقييد أنفسنا”، أم أنه سيكتب عن معاداة السامية؟ مقال رئيس المؤتمر اليهودي العالمي اتسم بالهدوء، إلا أن دعوته إلى عدم الحاجة الى تشريعات جديدة مستغربة ومثيرة للدهشة، فهي لا تنسجم مع  تأكيده أن “للمسلمين الحق في الحصول على الاحترام نفسه”، المفترض منطقياً أيضاً حقهم في الحصول على التشريعات نفسها.
قضية الرسوم الدنماركية أصبحت دولية، وعلى رغم الشوائب فهي ايجابية، ومن الواجب علينا عدم الالتفات كثيراً لمحاولات الحكومة الدنماركية الحالية تمييع القضية وجعلها مواجهة أوروبية إسلامية، والتصرفات غير المسؤولة من الجانبين يجب ألا تلهينا عن هدفنا الرئيسي، وإعادة نشر الرسوم في صحف أوروبية واستثمار الأزمة من اليمين المتطرف الأوربي كلها تدخل ضمن التصرفات الصبيانية، تحرك الغوغاء يوقظ غوغاء آخرين، لذلك شاهدنا تصفيات سياسية مستهجنة، استخدمت القضية في الشوارع.
الواقع يقول إن منظمة المؤتمر الإسلامي التي يقودها بروفيسور محترم أمام تحد كبير، فإما تكون كما يراد لها أو لن تكون شيئاً مذكوراً. والواقع يقول إن بيان قمة مكة المكرمة الأخيرة هو الآخر أما تحد كبير، فإما تدون توصياته بتشريعات دولية أو تتبخر في الهواء مثل بيانات قمم سابقة. أمام المسلمين فرصة تاريخية، بإدارة هادئة صلبة تتحلى بالإصرار والنفس الطويل، يمكن لنا إصلاح العمل الإسلامي الدولي من خلال هذه القضية، نحن أحوج ما نكون إلى جعلها قصة نجاح.