أرشيف شهر مارس 2006

قارئة

31 مارس 2006

هي ليست “قارئة فنجان” مثل تلك التي جلست أمام العندليب رحمه الله والخوف بعينيها، بل هي متابعة للزاوية، قارئة أحرف وكلمات، تحدثت والقهر في صوتها… تتأمل سلك التلفون، قالت يا ولدي: أين يذهب المواطن؟
هذه القارئة هي واحدة من ضحايا مساهمات التمور، ونتيجة لحصولها على الوعي الاستثماري الناتج من الحملات التوعوية الذكية، المصرفية وغير المصرفية، ذهبت برجليها وكامل قواها العقلية، واستثمرت في صناديق الأسهم، فكان ما كان، وسؤالها أين يذهب المواطن؟ سؤال مشروع… كيف؟
حتى لا نندهش من النتائج يجب أن ندرك ونعي ونتفحص الأسباب، والسؤال يقول: لماذا انكب الناس على سوق الأسهم، وكأنه ليس في هذا البلد إلا هذا الولد؟
في الحقيقة أن هناك أولاداً آخرين في هذه البلاد - ولله الحمد - وسوق الأسهم هي واحدة منها، وسبب الانكباب عليها هو سهولة التعامل مع هذا الولد، صحيح أن هناك مماطلة من المصارف وطبقية في التعامل وصعوبة في التنفيذ، والوسيط منافس ضخم… لكن كل هذه الصعوبات إذا ما قورنت بمصاعب تربية الأولاد الآخرين في اقتصادنا المتين تهون وتتلاشى، فليس هناك بحث عن تأشيرات ولا “مدابك” وتعقيب ومكاتب خدمات ورسوم مرتفعة، للحصول على رخصة وفسح وانتظار للجان ومراقبين إلخ…
وإذا أخذنا أبسط مجال يمكن للشاب أن يحاول خلاله تحسين دخله وتوفير العيش الكريم لنفسه وأسرته وجدناه في التجارة، نتذكر تلك الحملات القوية ضد بعض الشباب الذين افترشوا الأرصفة وبعض الطرقات للبيع، وبدلاً من الأخذ بأيديهم وتوجيه طاقاتهم بتوفير مواقع مناسبة لهم، كانت المطاردات من البلديات، والآن تجد العديد من الباعة الجائلين من غير المواطنين لا أحد يقول لهم كلمة. إلى أين يذهب المواطن؟ سؤال مشروع إذا أردنا إصلاح الحال لا بد من حلول، ومن السهل اتهام المواطن بعدم الوعي والعلم، هذا أسهل الأمور عند بعض الجهات الحكومية، لكن لا أحد يناقش العقبات ولماذا فشلت مشاريع السعودة في الخضار وبيع الذهب، ولو تفحصت مطبوعات الإعلانات المبوبة لوجدت كثيراً من الشباب الباحثين عن عمل في قطاعات يقال إنها مستهدفة للسعودة!
الإصلاح يأتي بتيسير أمور الناس لا بتعقيدها بكثرة الاشتراطات والتفنن فيها ومكافحة الفساد الوظيفي، عند ذلك سيجد المواطن أن في البلد أكثر من ولد ولن تخسر مثل تلك المواطنة القارئة أموالها في مساهمة التمور، وتضيع وقتها في مراجعة المحاكم من دون فائدة.

“شوارب وكبتشينو”

30 مارس 2006

حذرتُ بعض الأصدقاء من تصفح منتديات الأسهم خلال العشرين يوماً الماضية، ونصحتهم بأن يتنبهوا لعيونهم وثيابهم من الشعَر المتطاير، القصد شعر الشوارب، إذ كافح بعض كُتاب هذه المنتديات لجلب الأخبار إما تبشيراً أو تحذيراً، وراهنوا بحلق شواربهم إن لم تصدق أقوالهم، والوعد بحلق الشارب يأتي دائماً غداً أو بعد غد، وتتوالى الأيام ولا تصدق أخبارهم، لذلك كنت أتوقع سيلاً من الشعَر المتطاير يندلق على من يفتح صفحة في منتديات الأسهم، وشعر الشارب شعر قاس فإذا تطاير في العيون “فعينك ما تشوف النور”، على هذا إذا رأيتم صاحب شارب حتَّه حتاً فاشكروه، لأنه أوفى بوعده، واعلموا أنه أحد أساطين منتديات الأسهم، وخلال الأسابيع الماضية كانت هذه المنتديات أكبر مجال للتنفس، هواء نظيف وهواء فاسد، ومعظمها أحوالها لا تسر، بعض منها توقف لغرض “الصيانة”!، فتجد على صفحته الأولى لوحة “عمال يشتغلون”! وهم في الحقيقة لم يجدوا شغلاً، وبعض هذه المنتديات “إندس” فلم يعد يُظهر سوى صفحة غير نشطة، وكأنه يقول لست الوحيد “المندس”. ومعلوم أن كثيراً من المنتديات تعيش على التوصيات، هذا السهم لديه محفز، وذاك لديه منحة، كثير منها ليس سوى بوق، أو كرة ثلج يدحرجها أحدهم، ولأن السوق واصلت الانحدار لشهر أو أكثر فلم يعد هناك موقع للتوصية، فكتب البعض الوصايا، وقد حرصت خلال كارثة الأسهم على تصفح بعض هذه المنتديات لأسباب، ولو دققنا في بعض الصحف لوجدنا أنها لم تعط كارثة الأسهم المكانة الحقيقية لها في التغطية وطرح الآراء، ربما لقصر النظر أو بُعده لست أعلم! بعض هذه الصحف حاول اللحاق متأخراً، وبعضها الآخر اجتهد في مسك العصا من المنتصف، وتميزت أحداها بنشر موضوع على صحفتها الأولى، في ذروة أزمة الخسائر، يشير إلى أن الأميركيين يحسدون السعوديين على أرباح الأسهم! ونقلت هذا الكلام من صحيفة اسمها “كبتشينو”، وأمام صحافة “الكبتشينو” لا يجد الناس سوى المنتديات. ومشكلة المنتديات أن الغث فيها يخالط السمين، والصالح يضيع وسط الطالح، وإلا فإنها تحتضن، والشهادة لله، بعض الكُتاب المتميزين في الرؤية والتحليل، لكنهم يضِيعون وسط الزحمة أين الصحف منهم؟ أو أينهم منها؟ لست أعلم.

إنماء

29 مارس 2006

الموافقة على تأسيس “مصرف الإنماء” هو بمثابة وضع حجر الأساس لإنهاء احتكار القلة في قطاع المصارف، إنه الخطوة الأولى، فالشكر لله تعالى أولاً وآخِراً، ثم لخادم الحرمين الشريفين - سلمه الله -، الذي استجاب للمطالب بإعادة النظر في “قاعدة الثلث” التي ظلمت الغالبية الساحقة من المواطنين في الاكتتابات، ما يميز مصرف الإنماء عن غيره من الشركات المساهمة المطروحة للاكتتاب هو أن 70 في المئة منه سيطرح للاكتتاب العام، في حين تحتفظ الدولة من خلال صندوق الاستثمارات ومؤسسة التأمينات والتقاعد بالنسبة الباقية من رأس المال. أبى القائد أبو متعب - حفظه الله - إلا أن يقلب المعادلة التي رسّخ البعض جذورها في سوقنا، وأعاد الأمور إلى نصابها، وهو هنا يسن سنة حميدة له أجرها إلى يوم القيامة، فله منا الشكر والدعاء بأن يحفظه المولى عز وجل لشعبه وبلاده، ونص القرار الصادر من مجلس الوزراء على أن يطرح هذا المصرف قبل نهاية العام الحالي. من هذا نعلم أن العزم على الإصلاح حقيقة واقعة ومتى ما وصلت الأفكار النيرة إلى صاحب القرار فإنه لا يتوانى عن العمل على تأسيسها بما ينفع الغالبية. وينظر المتابع إلى تراخيص المصارف والاكتتابات فيها التي تسارعت وكثرت في الدول المجاورة خلال العام الماضي فقط، لقد أسهمت بعض الجهات الحكومية التنفيذية في تبديد سيولة المواطن هنا وهناك، لأن واجب هذه الجهات هو طرح الحلول “الاستباقية” وتقديم التصورات الايجابية إلى صاحب القرار، نحو مستقبل أفضل للوطن والمواطن، فهذه هي مهمتها الأولى والأخيرة. ولا أخفي البهجة التي سرت في قلبي وأنا أسمع قرار طرح 70 في المئة من رأسمال أول شركة مساهمة للاكتتاب العام، لأني حاولت جاهداً من منطلق الواجب الوطني وحتى الإنساني ومن خلال كثير من المقالات على التذكير بهذا الخلل “قاعدة الثلث”، فالحمد لله تعالى، وحينما يجد الكاتب أثراً ايجابياً ونتائج طيبة لما يكتب يعلم أن جهده لا يذهب أدارج الرياح، ويعلم أن هناك مخلصين يجتهدون للبحث عن الأفضل والأصلح، فهنيئاً لنا بهم وندعو الله -عز وجل - أن يكثّر أمثالهم. وخلال عقود أسهم احتكار القلة في قطاع المصارف في بلادنا في الكثير من السلبيات، أقلها تشجيع النزعة الاستهلاكية لدى معظم أفراد المجتمع بمغريات القروض، وأسهم أيضاً في تضخم سوق المال من خلال التسهيلات التي لم توجه بعقلانية، بل بالربحية البحتة، ولنا في ضحايا التسهيلات بعد كارثة الأسهم خير العبر، وإذا بحثت عن أي دور اجتماعي لهذه المصارف تجد أنها تحصل على تقدير “لم ينجح أحد”، في مقابل أرباحها الضخمة المتزايدة سنوياً. سلمك الله أبا متعب.

“واصل” التي لم تصل

28 مارس 2006

من الواجب على البريد السعودي أن يؤجل برنامجه في رفع الرسوم إلى فترة مناسبة، حتى يتمكن من تقديم خدمة “واصل” التي يعتقد أنها الحل الأمثل، ومن الواجب أن تسبق ذلك حملة تعريفية بهذه الخدمة، والشروط والمميزات، إن كانت هناك مميزات. يجب أن يقدم البريد الخيار للمستفيد أو العميل ليختار، لا أن يضعه أمام أمرين واقعين، فيدفع هنا ويدفع هناك، بخاصة أنه مضطر إلى خدمة البريد؟! وكان البريد السعودي بدأ حملة إعلانية ثم توقف ولم يكملها، لكنه استمر في سعيه لتطبيق الرسوم الجديدة! من دون أن تكون خدمة “واصل” جاهزة للتطبيق والوصول للناس. وكنت كتبت هنا عن رفع الرسوم ونشرت ردّ المسؤول الأول في البريد على ما كتبت، إلا أن الصورة لدى الغالبية من الناس ما زالت غير واضحة، والتوعية والتعريف لم يظهرا للعلن، وجمهور المستفيدين أو ”المستهدفين”! لا يعلمون الفرق، وإلى أين يتجهون، والسبب أن هذا الجهاز لم يعطِ أهمية كبرى للتوعية بالخدمة الجديدة قبل وقت مبكر، وهذه الخدمة “واصل” تقدمها شركة، وهي ليست رخيصة الرسوم، على رغم أن البريد في العالم من الخدمات الرخيصة! وحتى الآن ما زالت أحياء كثيرة في الرياض مثلاً لم توضع على أسوار منازلها صناديق “واصل”، ومن العجيب أن الجهة المكلفة وضع الصناديق ليست لها علاقة بساكن المنزل، فهي تثقب وتخرم أسوار المنازل دون إذن من أصحابها! إضافة إلى أنها لا تضع شيئاً مكتوباً يبين المطلوب منهم. وعندما وُضع الصندوق أمام منزلي بحثت فوجدت ورقة مرمية في الشارع عبارة عن استمارة معلومات لم أعرف لمَن هي: هل هي لي أم لجاري؟ وعند ذهابي إلى صناديق البريد أجد الإعلانات عن تطبيق الرسوم الجديدة، أما إذا رغبت في التعرف على خدمة “واصل” فيجب أن تذهب إليهم، فحتى موظف البريد ليس لديه إلمام، فهي شركة! كما يجب عليك أن تحمل أوراقاً، منها صورة صك ملكية المنزل أو عقد الإيجار! ومعلوم أن فاتورة ماء أو كهرباء تغني عن ذلك، فلماذا هذا التعقيد والبريد يتحدث عن شرائح الأقمار الاصطناعية؟! لعل الإخوة في البريد يدرسون مسألة تأجيل التطبيق، ولتكن البداية بحملة توعية مناسبة، مع تسهيل الإجراءات بدلاً من تعقيدها. هذا، إذا كانوا ينشدون نجاح هذه الخدمة غير الرخيصة.

وباء التجمل

27 مارس 2006

إذا تمعنت في عمل بعض الأجهزة الحكومية تجد أن هناك أولية تقدم الشكل على المضمون، واستخدام وسائل الإعلام للإبهار، وإذا أخذت مدينة جدة نموذجاً تجد أنها حفلت على مدى عقود بالاحتفال بالأشكال على حساب البنية الأساسية، فكانت مدينة المجسمات بلا منازع، ومدينة الدوارات بلا منازع، فحتى “السيكل” أو الدراجة الهوائية صنع لها مجسم، وشاهد الناس سيارات مدفونة في هياكل خرسانية، وقدمت لهم على أنها شكل جمالي بديع! فكانت بالفعل مدينة “غير”.
هذا الحرص المستميت على الشكل والماكياج لم يصاحبه اهتمام مماثل بأحوال جسد المدينة، فلم يلتفت إلى جهازها العصبي، ولا أوعيتها الدموية، ولأنه لا بدّ من أن يصحّ الصحيح وينكشف المستور تلاحقت المشكلات “العويصة” على المدينة وسكانها، بدءاً من عدم القدرة على مواجهة السيول إلى أن وصلت إلى استيطان الأوبئة، وقبل سنوات كنت قادماً من جدة وإلى جواري جلس مقاول مهندس يعمل في شركة كبرى منذ عقود، وكان الحديث عن مشكلات عروس البحر الأحمر، وكان رأيه أن الخطأ الجسيم جاء من اعتراض طرق الأودية والشعاب ودفنها ثم تخطيطها والبناء عليها، فأصبحت المدينة بلا أوردة حقيقية. كان الرجل بخبرته يرى الخطر المقبل، ولا يمكن نسيان مشاريع الصرف الصحي التي لا يُعرف أين ذهبت بها الرياح، فتجمّعت البحيرات القذرة، وأصبحت سداً كريهاً يهدّد المدينة.
“الحياة” نشرت تقريراً مهماً يوم الخميس عن عروس البحر الأحمر، حيث أوضح ممثل القطاع الخاص، المهندس محمد البخاري، الدور السلبي لأمانة مدينة جدة بتوفير البيئة الملائمة لانتشار البعوض! وذكر 17 خطأ مارستها الأمانة، منها إهمال جنوب المدينة الذي استوطن فيه الوباء ثم تحرك إلى بقية أجزائها.
وفي حين تحاول جهاتٌ المكافحة، تحرص جهاتٌ أخرى على التجميل بنشر المسطحات الخضراء والريّ العشوائي لها بما يقدر بـ30 ألف متر مكعب يومياً، أضف إلى ذلك الخزانات التي أنشئت لهذا الغرض والتي تبقى فيها المياه راكدة معظم الأسبوع، ولا تنسَ الريّ بمياه الصرف المعالج! وكما أشرت أكثر من مرة فإن التنسيق بين بعض الجهات الحكومية مفقود، وسرعته تتراجع أمام سرعة السلحفاة.
قصة جدة أو عروس البحر الأحمر سابقاً، قصة فيها من العبر الشيء الكثير، لكل مدينة ومحافظة في بلادنا، فهي المدينة العروس المصابة بالوباء وانسداد الشرايين! وهي قبل أشهر احتضنت ملتقى عالمياً ناقش قضايا العالم البعيد وترك قضاياها. إنه الحرص على التجمل والشكل والدعاية على حساب ما ينفع الناس.