أرشيف شهر مايو 2006

الطوفان

3 مايو 2006

يطلب مني القارئ الكريم “بخيت” عدم “تطنيش” رسالته، وله كل الحق في ذلك، وأحاول جاهداً متابعة الرسائل والرد عليها، وأتمنى من الإخوة المرسلين بالبريد الالكتروني كتابة الموضوع في عنوان الرسالة، لأن “الجنك ميل” كثير، ورسائل النصابين الأفارقة أكثر، وحصولي على جوائز مزيفة من مواقع “اليانصيب” أيضاً، وضعْ في اعتبارك القرّاء الحريصين على إرسال ملفات فيها السمين والغث. آمل العذر عند التأخر في التعليق أو الرد.
الفاضل بخيت يطرح قضيتين، الأولى عن حي “الخمرة” في جدة، والذي يتم فيه منح الأراضي لطالبي المنحة في حين أن هناك اعتداءات على أراضي المنح وطرقات الحي، ويخبرنا أنه اشترى أرضاً لابنه في هذا الحي، واكتشف أن الطريق تم “حضنه” أو ضمه، ويطالب أمانة جدة وبلدية الحي بالعمل بضمير، لحماية أصحاب الحقوق، لعل أمين مدينة جدة يلتفت إلى مشكلات هذا الحي، ويغوص في أعماق مراقبي البلدية هناك، ربما يكتشف حالات “مقرمشة” تذكرنا بالزيوت النباتية.
أيضاً يتفاعل القارئ مثل أكثرنا مع حملات ملاحقة مخالفي الإقامة، وينبه الأخوة في “الجوازات” إلى الطريق الموازي لشركة بترومين من جهة الشرق في جدة، وكيف أصبح ملاذاً للافتراش من المخالفين لنظام الإقامة، خصوصاً الأفارقة، ويقول لماذا لا يخفف رجال “الجوازات” عناء البحث عن كاهلهم ويذهبون إلى ذلك الموقع؟
الحقيقة أن لدينا طوفاناً داخلياً من المخالفين لنظام الإقامة، وسبق لصحيفة نيجيرية أن نشرت تحقيقاً عن مليون نيجيري مخالف يعيشون في السعودية، وتنتشر بينهم الأمراض الخطيرة مثل “الإيدز”، منذ زمن بعيد والكاتب وزملاء غيره يحذرون من التراخي في ملاحقة المخالفين، حتى إنني طالبت بإشراك سفارات بلادهم في القضية وبممارسة ضغوط نحن قادرون عليها، لتنظيف البلاد من أعشاش المخالفين وما أكثرها، وفي مكة المكرمة وجدة النسبة الغالبة منهم، وإذا تفحصنا أحوال الحدود السعودية وقرأنا تصريحات لمسؤول أمني قال فيه إنهم أوقفوا قرابة نصف مليون متسلل في جازان وحدها خلال عام واحد، يمكن لنا معرفة الأخطار الكامنة عند استمرار هذه الأوضاع، فمهما كانت الجهود الأمنية يستطيع الكثير التسلل أو التخلف وهو ما يحتاج إلى دارسة متأنية وحلول جذرية.

زمن مكافحة الفساد

2 مايو 2006

خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الشهير في مجلس الشورى، وتأكيدات ولي العهد الأمين الأمير سلطان بن عبدالعزيز في مناسبات عدة، حفظهما الله وأيدهما بتوفيقه، الحريصة على محاربة الفقر والفساد، أعتبرها إعلاناً لعام محاربة الفساد، عام 2006، ولأن ديوان المراقبة العامة معني بهذه القضية أهدي له هذا المقال.
يروي لي شاب مهندس أسس شركة صغيرة للمقاولات، المعاناة التي تواجهه للحصول على مشاريع، والسبب المواصفات المبهمة و”المشفرة”، وقبل الدخول في تفاصيل “تفصيل” المواصفات، تجدر الإشارة إلى أن صاحب الشركة زاد من درجة حماستي للكتابة عندما أخبرني بعدم نيته طرح ثلاثين في المئة منها للاكتتاب! فعلمت أنه قنوع ولا يريد الإثراء الظالم على حساب الضعفاء، إضافة إلى أنه كافح وترك وظيفة معتبرة طامحاً إلى ما هو أفضل في قطاع المقاولات. يخبرني الشاب بأن المواصفات توضع في الغالب من مهندسين غير سعوديين، وفي طياتها” “تشفير” لا يعلمه إلا أصحابهم، وأعلق على ذلك طالباً ألا نضع المسؤولية على مهندس غير سعودي، وأزعم أن لدى مثل هذا المهندس مدير سعودي أو أكثر، خصوصاً في الجهات الحكومية، بمعنى أن “بلانا… أصلاً منا وفينا”!
لنقرأ بعضاً من الرسالة (لاحظت أن بعض المناقصات الحكومية تكون مواصفاتها مبهمة وغير واضحة، ما يجعل معظم المقاولين يأخذون حذرهم عند وضع أسعار البنود لعدم فهم البند، وإذا حصل واستفسرت عن المقصود بهذا البند تعطى إجابات غير واضحة، والسبب أن معظم المهندسين في غالبية القطاعات الحكومية يكونون من غير السعوديين. فمثلاً يكون من وضع مواصفات البند مهندس من الجنسية الفلانية، يكون له صديق من جنسيته يعمل في مؤسسة هي ملكه وبتستر من سعودي، المهم تكون المواصفات مبهمة لا يعرف المقصود بها أو حجمها إلا من وضعها، وإذا تجرأ أحد ووضع سعراً أقل فلن يجد إلا الخسارة، لأن من وضع المواصفات قادر على تفسيرها، وهذا نموذج، في يوم من الأيام حضر إلى المكتب مهندس من جنسية عربية وقال لي ادخل في هذه المناقصة وسأجعلك تربحها، قلت له كيف؟ قال المواصفات وضعها صديقي، قلت له وإذا كان كيف يجعلني اربحها؟ قال لي انه وضع مساحة مسطح البناء 1500 متر مربع والمساحة الحقيقية هي 1200 متر، وبالتالي أنت تضع سعرك على أساس 1200 وغيرك يضع سعره على 1500! فإذا كسبت فسيتم استلام العمل منك على أساس انه 1500 وإذا كسب غيرك فسيتم استلام العمل منه طبقاً لمقايسات الطبيعة!) طبعاً صاحبنا رفض، والذي يرفض يستمر في المعاناة، والأمثلة كثيرة والمساحة قصيرة، آمل أن يشمر ديوان المراقبة العامة عن ساعديه ولا يكتفي بتقديم أوراق العمل في الندوات.

الحكمة السعودية

1 مايو 2006

إذا أردت نموذجاً سياسياً يعمل جاهداً على إشاعة الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة بل في العالم بصورة لا نبالغ إذا قلنا إنها صورة مثالية، فلا بد أن تلتفت إلى السعودية. يحسب لقادة هذه البلاد حرصهم على الابتعاد من الصراعات والمؤامرات السياسية الدولية، ويحسب لهم أنه ليس من السهولة بمكان استدراجهم لاتخاذ مواقف سياسية لا تعبر عن الثوابت التي تعلن عن التمسك بها القيادة السياسية السعودية دائماً.
الملف النوويّ الإيرانيّ المشتعل سياسياً والذي تجاهد الولايات المتحدة، وبقية الدول الغربية الكبرى، لحشد التأييد للتعامل معه بكل الوسائل ومن ضمنها خيارات المقاطعة والتدخل العسكري، هذا الملف الساخن غطى الحديث عنه على قضايا ملحة وخطرة في المنطقة، لعل أهمها محاولة خنق الشعب الفلسطيني وحكومته الجديدة.
السعودية في كل مناسبة تدعو إلى خلوّ المنطقة من الأسلحة النووية استشعاراً لخطورة هذا الأمر على الإنسان وعلى المنطقة، ولأنه قد يجرّ إلى سباق تسلح نشاهد حالياً بعضاً من نتائجه، والسعودية من أولى الدول الموقعة على اتفاق الحدّ من انتشار الأسلحة النووية، وأعلنت مراراً وتكراراً أن اقتناء هذه الأسلحة ليس من خياراتها الاستراتيجية، وترفض وجودها في المنطقة، على رغم الأخبار المختلقة هنا وهناك، لكن محاولات سحب السعودية لاتخاذ مواقف تتعارض مع مصالحها الوطنية وتؤثر في علاقاتها الإقليمية محاولات مستمرة، من هنا تأتي الحكمة السعودية، وهي تجلت في تصريحات ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز، حفظه الله، قبل فترة إلى الصحافيين السعوديين. توقعت أن يتم تناول هذه التصريحات بالتحليل والتعليق، خصوصاً ممن حضر ذلك اللقاء، لأهميتها، ولكون الملف الإيراني ساخناً ومعروضاً للمناقشة في مجلس الأمن، ولأنه ملف يمسّ بلادنا عن قرب، ولأن فريق المحافظين الجدد الذي يقود السياسة الخارجية “المتهورة” في الولايات المتحدة يدفعون هذا الملف دفعاً للاشتعال. توقعت أن يحظى هذا التصريح بما يستحقه إعلامياً لأهميته، وفي هذا الظرف بالذات، ولكن…؟
ماذا قال الأمير سلطان بن عبدالعزيز؟
ولي العهد السعودي صرح إلى الصحافيين السعوديين قبل فترة قريبة، وفي إجابة عن سؤال عن تطلعات الحكومة الإيرانية إلى الحصول على القدرات النووية، قال الأمير سلطان: “إنه ليس من المصلحة أن نوضع الآن في موقف ضدّ إيران، بينما إسرائيل تمتلك السلاح النووي”. وهنا نرى بُعد النظر والحكمة في السياسة السعودية، وقد كانت هناك محاولات كثيرة لجرّ السعودية إلى اتخاذ مواقف لا تتناسب مع مصلحتها، لأنه لا يمكن التغاضي عن أسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها دويلة توسعية وخطرة مثل إسرائيل، فهي، ومَن يقوم بالحروب نيابة عنها، مَن جرّ المنطقة إلى سباق تسلح وصل إلى البحث عن أسلحة الدمار الشامل، وهي نموذج صارخ لسياسة الكيل بمكيالين التي تمارسها واشنطن، فلو كانت حريصة على المنطقة واستقرارها لقامت بفتح ملف إسرائيل النوويّ المسكوت عنه عمداً إلى جانب الملف الإيرانيّ.
وكم سررت بالتغطية الصحافية المتميزة لـ ”الحياة” التي واكبت الجولات السعودية في دول شرق آسيا من زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى كل من الصين والهند وماليزيا وباكستان ثم زيارة ولي العهد الأمير سلطان إلى اليابان وسنغافورة وباكستان.