أرشيف شهر يونيو 2006

المفاجآت الموسمية!

30 يونيو 2006

ما ان يُنشر مقال عن الخطوط السعودية وأحوال المطارات الإدارية حتى تنهال رسائل ساخنة من ركاب وموظفين. الأسبوع الماضي نشرتُ مقالاً بعنوان “سباق القفز على الحقائب” في مطار الملك خالد في الرياض، في اليوم التالي انتشرت على الإنترنت أصداء حادثة قيل إنها وقعت في صالة المطار، لم أستطع الحصول على توثيق لها لأذكرها. أما عن تأخير الرحلات فحدّث ولا حرج. وللعلم فإن تأخير الرحلات ينعش مكالمات الجوال. كثير من العالقين في المطارات يلجأون إلى الجوال بحثاً عن واسطة أو “تنفيس”.
أعود إلى القفز على الحقائب، والسبب أن القارئ أحمد عبدالرحمن ناضرين من جدة، أرسل يوضح أحوال الحقائب في مطار الملك عبدالعزيز الدولي، لنعلم أن حال مطار الملك خالد أفضل، حتى كتابة هذا المقال!
نقرأ لأحمد: “بمجرد وصولي للمطار احتجت إلى عربة لحمل العفش من بوابة المطار إلى الميزان، فإذا بي أفاجأ بطلب العمال مبلغ عشرة ريالات للعربية، وعندما تُوَافِقُ مضطراً يذهب معك العامل للميزان داخل الصالة، وهناك يطلب مبلغ خمسة ريالات عن كل شنطة، وعندما تحتج بأنك دفعت عشرة ريالات في البداية، فإن جوابه جاهز: الريالات العشرة تذهب للشركة المسؤولة عنه. المسافة بين بوابة المطار والميزان لا تتعدى المئة متر فما هذا الاستغلال غير الإنساني؟” انتهى.
هذه - يا أحمد - تجارة، وتصنف تحت بند “التشغيل” أو المناولة، وهي على الورق تشغيل الصالة، وفي الحقيقة تشغيل العمالة! إذا أردتها مناولة فهي مناولة المال للعمال، ومِن ورائهم هياكل تسمى شركات، أعتقد أنك محظوظ، فلو ذهبت للمطعم بجوار “كاونتر” الانتظار بالمطار نفسه لاعتبرت حرارة جدة مقارنة بالأسعار برداً وسلاماً. العشرة ريالات معروفة أما خمسة ريالات عن كل شنطة فهذه جديدة! يظهر أنها من أسباب لجوء بعض الركاب إلى الحقائب العملاقة!
قبل سنوات كتبت سلسلة مقالات بعنوان “اضحك مع الخطوط السعودية”، تطرقت لكثير من شجونها، وضحكت مع القراء على أحوالنا، ولم تشاركنا الخطوط البهجة.
في حديث مع موظف في الخطوط قال، وهو يتصبب عرقاً، إن الإدارة السابقة قامت بإلغاء بدل مقابلة الجمهور، فلما سألت عن مقداره وجدته ضئيلاً ولا يكافئ صعوبة التعامل مع الجمهور المستعجل، ومع هذا ألغي! ربما تمت الاستفادة من تلك المبالغ “المرشدة” في إحضار طيارين أجانب، يتدربون فيستفيدون أولاً ثم يفيدون، وهي مناسبة لأن أذكر إدارة الخطوط الجديدة بملف “الكوبونات” الجميل!
موظف آخر من الخطوط أرسل رسالة مطوّلة ساخنة عن أحوال المكتب الرئيسي والوحيد للمبيعات في الرياض، أتذكر أنني كتبت عنه في زمن مضى، في الحقيقة لم يعد هناك حاجة لأن يكتب الكاتب شيئاً جديداً، صَّنْف مقالاتك بحسب التاريخ والمواسم ثم أَعِدْ نشرها، لن يقرأ احد سوى الموجعين.

هدية لوزارة الشؤون الاجتماعية

29 يونيو 2006

خابت توقعاتي! كنت أتوقع تفاعلاً إعلامياً ورسمياً مع حادثة قتل المرأة السعودية لنفسها في “محايل عسير” بسبب الفقر. القصة نشرتها “الحياة” بالصورة، وأشرت إليها الأسبوع الماضي، في مقال بعنوان “مصيبة أم”! لم يحدث أي تفاعل إيجابي سوى رسائل تعاطف وحسرة من بعض القراء، وكأني بقلوبنا قد شُيِّدت عليها طبقة غليظة من الأسمنت المسلح.
تبرعت السعودية بمبلغ بليون دولار لمكافحة الفقر في العالم الإسلامي الأسبوع الماضي. أتمنى أن تجد طريقها لمستحقيها ولا تذهب أدراج الرياح، وأقترح أن يكون للمنتجات السعودية نصيب من هذا التبرع، ليستفيد الاقتصاد المحلي.
إسهامات السعودية الخيرية خارجياً أمر معروف. وفي الداخل لا زلنا نتحدث عن مشاريع ونيات وخطط لمكافحة الفقر. نعم هناك مشاريع سكنية لذوي الدخل المحدود في بعض مناطق المملكة، لكن الفقر لا ينتظر، هناك حاجات يومية معاشية لكل إنسان، خلاف المشاريع السكنية، لم أر، “ونظري على قدي”، شيئاً يذكر لمكافحة الفقر غير النيات والتصريحات.
حسناً ما الفكرة المهداة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية؟
أعتقد أن كثيراً من أهل الخير في هذه البلاد يحجمون عن البذل بسبب قلة المعلومات الموثقة. الصيغة المتعارف عليها هي بالمعرفة الشخصية. هنا حتى الفقير يحتاج إلى واسطة ومعرف. وهي جهود فردية ضعيفة الأثر على المستوى العام. في الجانب الآخر يقدم المتبرعون زكاتهم وصدقاتهم للجمعيات الخيرية، وهي جمعيات في الغالب ضعيفة إدارياً وليس لديها وضوح في الأولويات. تكب هذه الجمعيات، من خلال البريد، رسائلها في المناسبات، خصوصاً شهر رمضان، ثم تنتظر إلى الموسم التالي. هذه الجمعيات في حاجة إلى إعادة هيكلة وغربلة وإعداد نهج واضح لها، وأهم ما في الأمر إيضاح الأهداف للقائمين عليها. وليكن أول هدف هو مكافحة الفقر. أساليب المكافحة كثيرة ومتعددة ولا تحتاج إلى كثرة دراسات واستراتيجيات وسفر وانتدابات إلى دول أخرى لمعرفة تجاربها.
الفكرة تتلخص في إنشاء “شبكة المعلومات الخيرية”. تكون فروع الجمعيات الخيرية الموجودة هي البنية الأساسية مع حاجة لبعض التطوير. وتتاح هذه المعلومات لأهل الخير، وفق ضوابط مرنة، لا تسمح بالمساس بكرامة المحتاجين. وأقترح ألا تنفذ الوزارة هذه الفكرة بل تتركها لشركة متخصصة! السبب أن الأجهزة الحكومية في الغالب تفشل في إنشاء مراكز المعلومات، ولنا في وزارة العمل أكبر مثال حاضر، وأجزم أن وزارة الشؤون الاجتماعية تستطيع إقناع شركات مثل “أرامكو” أو “سابك” او “الاتصالات” بتبني إنشاء هذه الشبكة والإشراف على تنفيذها وتدريب الموظفين.
هل ترى مثل هذه الفكرة النور لتكون رافداً أهلياً منظماً لمكافحة الفقر، فيعلم الأغنياء عن أحوال إخوانهم الفقراء! أم أنها لن تجد صدى، مثل مصيبة الأم التي قتلت نفسها بسبب الفقر ولم يعلق أحد! ماذا تتوقع عزيزي القارئ؟

هل تحتمل 2006؟

28 يونيو 2006

أشعر أن أواخر هذا العام مثقلة بالكثير، لعله يختلف كثيراً عن بدايته؟ أسراب من الشركات التي أقيمت على عجل - وبعضها قام بالكتمان - تنوى طرح أسهمها للاكتتابات. معظم إعلانات الشركات الجديدة وبعض القائمة والتي تنوى زيادة رأسمالها، وضع التاريخ أواخر عام 2006، ولو كان أوائل هذا العام جيداً اقتصادياً لقلنا إن الأمر معقول نسبياً. لكننا نعلم ماذا حصل في أوائل هذا العام، فقد شهدنا أكبر انهيار في سوق الأسهم، وهو “أكبر” انهيار يضاف إلى تصنيف “أكبر” سوق في المنطقة! وحتى الآن لم يعلن عن أسبابه، ما يرشحه لأن يكون “لغز القرن؟”.
بعد فترة بسيطة من إعلان مشروع مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، أُعلن عن إنجاز الخطوة الأولى، فماذا كانت؟ إنها يا عزيزي استمارة الاكتتاب! وقتها أشرت إلى الأمر بمقال عنوانه: “أرقام وتصريحات”. الشركة الإماراتية “إعمار” وشركاؤها لا يمارسون الشفافية نفسها التي يمارسونها في سوق الإمارات… فهل هذا من خصوصية الاقتصاد السعودي؟
الأمر في غاية الأهمية، فلا يكفي أن نطلق أسماء على مشاريع المدن الجديدة، فنقول مدينة المعرفة، واستراتيجية، أو مدناً ذكية!.. إذاً، هناك مدن “غبية”! فأخبرونا عن أسباب غبائها وأسمائها، ومن المتسبب في حال الغباء هذه.
وحتى لا تكون هذه المشاريع مدناً ورقية، بخاصة أننا نعلم علم اليقين أن الشركات السعودية المشاركة في هذه المشاريع ليس لها من التاريخ ما يشفع لها في إنماء البيئة المحيطة بها، أعمالها تمحورت على نشاطها الرئيسي وهو نشاط تجاري بحت، بعضها نجح وبعضها الآخر يتأرجح، ولم تَعرف عن مجالس إداراتها شفافية تذكر. خذ قضايا زيادات رأس المال والطرح، وحقوق المساهمين إلخ…!
شركة مثل “أرامكو” قامت بتطوير التجمعات السكانية في المناطق التي تعمل بها، صحيح أنه تطوير نسبي تراه بارزاً في مناطق ولا ترى إلا القليل منه في مناطق أخرى. لكنه تاريخ يشفع ويبعث على الأمل. ثم إن إعلان مشاريع هذه المدن الاقتصادية بهذه الكيفية الفضفاضة لا يشجع على التفاؤل. لسنا بحاجة إلى مدن مغلقة على نفسها.
 إيجاد فرص العمل يحتاج إلى عناصر جذب حقيقية متوافرة في المناطق المختارة، وأن يتم ذلك بالشفافية المطلوبة، أما المشكلة الرئيسية والمخيفة، والتي أتمنى ألا تكون هدفاً رئيسياً للقائمين على هذه المشاريع فهي أن يكون الهدف “الأسمى” فقط… هو طرح الاكتتابات، وجمع الأموال من المواطنين! إن مجلس الاقتصاد الأعلى ومجلس الشورى والإعلام مسؤولون عن فحص هذا التوجه وإخضاعه للنقاش بما يفيد البلاد والعباد، وهو أقل الواجب لتحقيق رؤية خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - الحريصة على التنمية الشاملة، لتصل إلى كل مواطن وتبقى لأجيال. الصورة الراهنة تشير إلى “مضاربات استثمارية”! ومن المفترض أن نستفيد من تجربة أوائل هذا العام الموجعة، ولا نكرر أنفسنا بشعارات جديدة، وصمت جديد.

هيئة جديدة تمارس الصمت

27 يونيو 2006

استكمالاً لموضوع الأمس، فإن صياغة الإعلانات المنشورة عن مشروع مدينة الأمير عبدالعزيز بن مساعد في منطقة حائل تثير أسئلة عن المضامين، طرحت مثلها مع إعلان مدينة الملك عبدالله الاقتصادية. هذه الإشارة ليس المقصود بها التهوين من حاجة المناطق للمشاريع. أتذكر هنا - لشرح وجهة نظري - مشاريع الغاز التي تم الحديث عنها منذ سنوات، وما كتب بالخطوط العريضة على صفحات الصحف عن الآلاف من الفرص الوظيفة التي ستوفرها، وذهبت مع نسخ المطبوعات التي نشرتها.
أعود إلى أصل الموضوع لأطرح سؤالاً: هل الجهاز الحكومي قادر بوضعه الحالي على مواجهة استحقاقات المستقبل، في ظل هذا الاتجاه لإنشاء المشاريع الضخمة وقبلها الحاجات المتزايدة؟ الجواب بالنفي.
فالجهاز الحكومي يعاني من ضعف إداري كبير، وعدم قدرة على اللحاق بالمستجدات، وهو في وضع لا يمكنّه من  منافسة القطاع الخاص، فالكفاءات الإدارية الجيدة والمؤهلة تتسرب بحثاً عن راتب ووظيفة أفضل. وإذا تذكرنا أن هذا الجهاز ستمر من قنواته المتعددة تلك المشاريع كلها حتى تقوم لها قائمة، فيمكننا استنتاج الاختناقات التي ستحصل، ولا تظهر في الأفق بوادر تطوير شامل للجهاز الحكومي. وفي القضية التي ذكرتها في مقال “فن التعطيل”، نموذج يتكرر يومياً، وتعليق المستثمر الأجنبي الذي أشرت إليه أمس لم يأت من فراغ!
أما مشاريع المدن الاقتصادية الجديدة فهي تبشر بالخير، وتثير أسئلة  سببها عدم الوضوح والشفافية في إيصال المعلومات. وقد طرحت أسئلة من هذا النوع على هيئة الاستثمار عندما أعلنتْ عن مشروع مدينة الملك عبدالله، ولم تتكرم بأي توضيح، كأنها تعمل في الخارج!
أليس من حق المواطنين أن يتساءلوا وهم من سيعمل، فرضاً، في هذه المشاريع، وهم أيضاً من ستطرح عليهم أسهمها للاكتتاب؟ ثم لماذا يعلن عنها فجأة، ومن دون طرحها بشفافية في منافسة؟
إن على هيئة الاستثمار السعودية أن تتكرم وتترجل من برجها العاجي، لتجيب عن هذه الأسئلة وتوضح الدراسات، إذا كان هناك شيء منها، ومن قام بها؟ وجدواها الاقتصادية، ولماذا تم اختيار الشركاء؟ لا تكفي إعلانات ضخمة منمقة، لأن اللهاث غير المدروس وراء الاكتتابات سيعيدنا إلى المربع الأول، فتحقق هيئة الاستثمار ما حققته لنا الإدارة السابقة لهيئة سوق المال من نتائج باهرة… عمت بنفعها الجميع!

التعطيل وجذب الاستثمار

26 يونيو 2006

أصيب رجل الأعمال السعودي بالدهشة من التعليق الذي سمعه من المستثمر الأجنبي، قام الأول بترتيب زيارة للأخير إلى هيئة الاستثمار، ليرى بأم عينه مخطط مشروع مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، المستثمر الأجنبي تساءل باستغراب قائلاً: “لمن تبنون هذه المدينة… لقد أمضينا فترة طويلة للحصول على تأشيرة الزيارة؟”.
وصلني هذا تعليقاً على مقال “فن التعطيل”، وتعليق آخر من قارئ كريم، يشير إلى استنتاج قديم جديد، فهو يحيل المشكلة إلى ضعف الجهاز الإداري الحكومي، وعدم قدرته على مواجهة المستجدات ونوايا التطور والتحديث، ويخلص إلى أن الشق أكبر من الرقعة.
مهما كان كبر حجم الشق فلا بد من رقعه، لا بد من أن نستجمع قوانا الإدارية لإنتاج “رقع” كافية لرتق المنشق وحتى نتجاوز هذه المرحلة، المفترض أننا مستعدون للمرحلة المقبلة، خصوصاً أن الإعلانات عن المدن والمشاريع الضخمة تتوالى، وكلها ستمر عاجلاً أو آجلاً بقنوات جهاز حكومي أو أكثر، وإذا ما رجعنا إلى الوراء قليلاً وتفحصنا مثالاً طازجاً، حصل في سوق الأسهم واحتكار البنوك، وكيف أسهم البطء والاحتكار في تضخيم المشكلة، يمكن للمرء أن يستشرف المستقبل، والصورة المستقبلية التي تظهر للعيان لا تدعو للتفاؤل، أشير إلى أنه من السهل على الكاتب أن يدبج مقالات المديح والتمجيد مع كل إعلان عن مشروع جديد، لكن الأمانة توقفه عند حده، فهو لا يكتب لملحق إعلاني له هدف مادي موقت، ومن يقوم به وينشره ويحصل على دخله صرف النظر عن المضامين والتوقعات.
حتى نضحك على واقعنا سوياً، وفي موضوع آخر له صلة غير مباشرة بهذه القضية، أصدرت صحيفة محلية ملحقاً عن الدواجن المحلية، وهذا أمر عادي، فكل مسؤول في صحيفة يبحث عن أفكار لزيادة الدخل، المثير للضحك أنها نشرت في الملحق تقريراً يهوِّن من فيروس أنفلونزا الطيور، إلى درجة يجعله معها مجرد “شنشنة” إعلامية تشم منها رائحة المؤامرة الدولية! ما هكذا تتم خدمة المعلن، وخدمته أمر واجب على المستفيد، لكن ليس بهذه الصورة الفجة!
والمشاريع الاقتصادية بتلك الأرقام التي تحكي عن فرص العمل يمكن إعلانياً تسويقها بالصفحات الكبيرة وشيء من البهرجة، ولعل من اللافت تلك الإعلانات الكرنفالية التي نشرت عن مشروع مدينة الأمير عبدالعزيز بن مساعد في حائل العزيزة.
على الخريطة، تم التركيز على موقع حائل، ووضعت بؤرة لامعة تشع منها أسهم في كل الاتجاهات، ثم قيل شرحاً إن الموقع استراتيجي، ويربط كل العالم تقريباً… وهو ما أثار دهشتي… حسناً أرجو ألا يستعجل البعض، لأن حائل وأهلها في قلبي… غداً بعون الله تعالى نكمل.