أرشيف شهر يونيو 2006

مصيبة أم

20 يونيو 2006

قصة محزنة طالعتنا بها صحيفة “الحياة” مطلع هذا الأسبوع، مواطنة سعودية في الستين من عمرها تقتل نفسها بسبب الفقر والحاجة، الحادثة وقعت في محافظة محايل عسير، حيث قامت هذه المرأة بإغلاق دورة المياه عليها ثم قطعت رقبتها بالسكين، ابن المرأة الوحيد أشار إلى أنها ليست مريضة نفسياً، وأنها ليلة الحادثة كانت تشتكي من ضيق ذات اليد والمتطلبات الكثيرة، وأشار الابن إلى أنهم يعيشون على الصدقات.
الصورة التي نشرتها “الحياة” تلخص الألم باختصار أحمر، ومن موقع الحادثة الظاهر في الصورة تستطيع أن تخمن الوضع الاقتصادي للأسرة.
من المعلوم أن غالبية النساء السعوديات في مثل هذا السن يكن على يقين إيماني عميق ويتمتعن بصبر كبير، صبر على الزوج والأولاد، وصبر على الأحوال المتردية، لكنها لحظة ضعف إنساني، وما أضعف الإنسان.
كل من قرأ القصة وطالع الصورة أصيب بالحزن والألم، وتقافزت أمام عينيه كثير من الأسئلة، أين الجمعيات الخيرية والضمان الاجتماعي؟ لم تستطع هذه المرأة مواجهة أوضاع  أسرتها والفاقة التي تعانيها إلا بقتل نفسها، إنا لله وإنا إليه راجعون، ألا تستدعي مثل هذه الحادثة المروعة حضور مسؤول أو وزير؟ ألا تستحق حياة أم وأسرة مثل ذلك؟
هذه الحادثة الصدمة تفتح ملفاً منسياً، إنه ملف صندوق الفقر وملف استراتيجية الفقر، وكل تلك اللجان والاجتماعات والتوصيات، لم تعد مقولة إذا أردت دفن قضية شكل لها لجنة كافية، يظهر أنك إذا أردت إرجاء موضوع ملح ابحث له عن استراتيجية، إنه لمن المؤسف أن تحدث مثل هذه المصيبة في بلد غني يعيش مرحلة يكثر فيها إطلاق المشاريع الاقتصادية الضخمة هنا وهناك، أليس علاج الفقر مقدماً ومن الأوليات خصوصاً أن إثارة موضوعه وحقيقته تمت منذ سنوات تطول يوماً بعد يوم؟ ما العوائق التي أوقفت أو أبطأت مشروع صندوق الفقر واستراتيجيته؟ هل نحن بحاجة لجرس إنذار أحمر يدق في آذاننا مثل تلك الحادثة المؤسفة لنتلفت يميناً ويساراً من حولنا؟ وأين هذه الجمعيات الخيرية التي تنشط، إعلانياً، في المناسبات، ويجتهد بعضها في الإعلان عن جهودها في الخارج، هل تقوم بدورها الحقيقي، هل تصرف ما يصلها في حينه، وهل من أولوياتها الحفاظ على كرامة الإنسان من مخالب الفقر؟
 لقد أشرت مراراً إلى أرصدة هذه الجمعيات في حساباتها في البنوك، وطالبت الوزارة المعنية بالتدقيق فيها، لا قيمة للتبرعات والزكوات إذا لم تصرف في حينها لمستحقيها، هل تريد أن تحزن أكثر، أعرف فاعل خير، لديه مبلغ محدود، يبحث عن موقع ناء في حاجة  لحفر بئر ماء للشرب ليتبرع بتكاليفها، ولا يجد سوى دعوات للحفر في الخارج!
رحم الله تلك المرأة وألهم ذويها الصبر والسلوان.

دعابة قتل الأطفال

19 يونيو 2006

“لقد جذبت أختها الصغيرة نحوي ووضعتها أمامي، وعندما بدأت طلقات الرصاص في التطاير انفجر الدم من بين عينيها، فضحكت بجنون… قمت بتفجير هؤلاء (……)* الصغار إلى الآخرة… كان يجب عليهم أن يعرفوا أنهم (……)* مع مشاة البحرية الأميركية”.
هذه مقاطع مما سمي بأغنية أنشدها الجندي الأميركي “جوشوا بيلي” في لحظات نشوة وابتهاج مع رفاقه. مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) أدان هذه “الأغنية”، وطالب وزارة الدفاع الأميركية بالتحقيق، وبحسب “كير”، يعرض الشريط أغنية مصورة مدتها أربع دقائق، بثت على الانترنت منذ شهر آذار (مارس) الماضي، بعنوان “فتاة حاجة”، ويستخدم عنوان الأغنية لفظ “حاج” في الإشارة إلى الفتاة العراقية، علماً بأن هذا اللفظ يستخدم بدلالة سلبية من بعض أفراد القوات الأميركية في العراق عند الإشارة إلى العراقيين.
بعد مطالبات “كير”، وصف مسؤول في سلاح مشاة البحرية الأميركية الشريط بأنه “غير لائق وغير حساس”!
أما الحساسية والإحساس الأميركي فأكثر منهما في العراق لا يوجد على الإطلاق، تحول البلد إلى بركة دماء، وتبخرت وعود الحرية وحقوق الإنسان، لم يمتهن الإنسان مثلما امتهن في العراق على يد الجيش الأميركي تارة، وعلى يد فرق الموت تارة أخرى، يكشف لنا الدكتور جمال حسين من البصرة في حلقات تنشرها له صحيفة “القبس” حقيقة فرق الموت ومن أنشأها وكيف انتشرت.
معلومات مروعة سأحاول تخصيص مساحة أخرى لاستعراضها، لنحاول معاً الوصول إلى حقيقة ما يحدث ويدبر، وماذا يخبئ المستقبل الأميركي للعراق وللدول المجاورة.
الجندي “جوشوا بيلي” صاحب الأغنية نقلت “رويترز” عنه تصريحاً إلى صحيفة أميركية قال فيه: “إنها أغنية ألفتها، ولم تكن أكثر من مجرد فكاهة”، وأضاف الجندي الذي عاد من العراق في آذار الماضي قوله: “إنني أعتذر عن أي إساءة ربما تكون جرحت المجتمع الإسلامي، هذه الأغنية كتبت على سبيل الدعابة، ولا تستهدف أحداً أجنبياً أو محلياً” انتهى.
بماذا يمكن وصف شخص يبتهج وينشد أغنية وسط حضور من زملائه، لمنظر انفجار الدم من بين عيني طفلة بريئة، هل هو سفّاح مريض؟ ومن يردد معه هل هو مصاب بالهوس ذاته؟ وكيف يمكن فهم مثل هذا في سياق التبرير بأنها مجرد دعابة وفكاهة! لا يقصد بها أحد بعينه؟ هل يقتل الجندي الأميركي المدنيين في العراق على سبيل الدعابة والتسلية؟ هل هذا هو التفسير للإفراط في القتل؟ لم يعد من الجائز تصنيف هذه الممارسات بأنها أخطاء فردية، لكثرتها، هي جرائم حرب، لهذا نفهم الحرص الكبير على الحصانة التي حصل عليها الأميركي منذ بداية الاجتياح، فهو لن يتهم أو يلاحق بجرائم الحرب.
السؤال الضخم هل انتصر صدام حسين على المشروع الأميركي وهو في السجن؟

* (……) كلام مسيء لا يُحبذ ذكره.

فن التعطيل

18 يونيو 2006

رسالة من رجل أعمال يحكي فيها معاناته مع الإجراءات العجيبة، والنتيجة ضياع الحقوق والفرص.
أبدأ بقصة قديمة يرويها في رسالته، قبل ست سنوات تمت دعوة مستثمر ألماني لاستكشاف الفرص الواعدة في مدينة جدة، ثم قرر السفر إلى الرياض لعقد اجتماع آخر، في مطار الملك عبدالعزيز “الدولي”، طلب منه رجل الأمن ورقة عدم ممانعة من الكفيل، ألغى المستثمر سفره وعاد ليحضر الخطاب ثم سافر على رحلة أخرى، في مطار الملك خالد لم يسأله أحد عن ذلك الخطاب! عندها قرر الرجل تقديم موعد مغادرته وصرف النظر عن فكرة الاستثمار لأنه اكتشف عدم وجود نظام محدد للتعاملات.
هذه قصة قديمة، فهل تحسنت الأمور؟… يروي صاحبنا قصة جديدة، إذ تعاقد مع شركة ألمانية لتمثيلها في الخليج، وأرسلت هذه الشركة من هامبورج عينات من منتجاتها لكل من موانئ جدة الإسلامي، الشارقة، أبو ظبي، ويمتلك ميناء جدة ميزة تنافسية بحكم الموقع، لذلك فإنه يتوقع وصول الشحنة إلى ميناء جدة في نصف المدة التي تحتاجها للوصول إلى ميناءي الشارقة وأبو ظبي، ومع ذلك لم تصل إلى ميناء جدة حتى تاريخ الرسالة، في حين وصلت العينات إلى موانئ الإمارات!
الميزة التنافسية تبخرت في الهواء، بسبب فنون التعطيل تحت ما يسمى خطابات وشهادات ومطابقة للمواصفات والجودة المختفية أصلاً من أسواقنا، وأعلم مثلما تعلمون أن ميناء جدة الإسلامي لا يعاني من مشكلة زحف الرمال حتى “تغرز” الشحنات والسفن على أرصفته، لكنها الإدارة “التنافسية”، هل تعتقد عزيزي القارئ أنه بالإمكان، وبإدارة من هذا النوع، منافسة الموانئ المحيطة بنا؟ في حال واحدة يمكن ذلك، وهي ان تستورد بيضاً وبسبب التأخير يفقس وتصبح لديك شحنة دجاج! أنفلونزا الموانئ والتعطيل أما لها من نهاية، لا نسمع ولا نقرأ إلا عن نيات وأفكار لمشاريع ضخمة هنا وهناك في بلادنا العزيزة، والشرايين تعاني من “الكوليسترول”، والكرم التنافسي لدينا لا ينضب، أرسل لي رجل الأعمال رسالة أخرى جديدة، ولأني تأخرت في عرض رسالته الأولى عنونها هذه المرة إلى رئيس التحرير، وصلت لمؤسسته إرسالية بلاط من ايطاليا قبل عام تقريباً، وعلى رغم توافر الأوراق المطلوبة ومطابقة المواصفات، وبعد ستة أشهر من ذلك التاريخ وصلهم خطاب بعدم الفسح لعدم مراجعة صاحب العلاقة! وصاحب العلاقة هذا هو شغله الشاغل، لكنه يلخص المشكلة بقوله إن القاضي والسجان هما جهة واحدة، كأنهم يقولون لرجل الأعمال “عاجبك وإلا روح لموانئ وجمارك أخرى!”.
لدي فكرة وهي أن يتبنى مركز “الحوار الوطني” في جولته المقبلة “الحوار” بين الجمارك والموانئ من جهة، ومن الجهة الأخرى رجال الأعمال!

غصة قلم

17 يونيو 2006

تفاؤلاً… أتوقع أننا أمام مرحلة جديدة تحاول فيها بعض الشركات السعودية تحسين صورتها في الداخل، أمامنا مبادرة شركة الاتصالات السعودية، بتخصيص مبلغ 100 مليون ريال لإنشاء مراكز صحية، ما يبعث على التفاؤل أن هناك اتفاقاً وُقّع بين الشركة ووزارة الصحة، بمعنى أن الخبر الإعلامي تجاوز إلى الفعل، كأنني قرأت عن إعلان لبنك سعودي عن تبرع لم أعلم ماذا تم فيه؟
وبودي الإشادة بهذه المبادرة من شركة الاتصالات، ولكن قلمي يعاني من غصة تكاد تسد حلقومه، أسبابها تراكمات تاريخية في التعامل مع العملاء، فمنذ أن بدأت شركة الاتصالات في العمل وقبل ظهور مبشرات إيجابية المنافسة وكسر الاحتكار وأنا وغيري نكتب ناصحين ومنبهين الشركة إلى ضرورة تحسين الخدمات واحترام حقوق المشتركين، لأنهم سيذهبون بعيداً عند أول فرصة… وتحسنت خدمات الشركة في المجالات التي يوجد فيها منافسة مع ملاحظات هنا وهناك. لا بد من الإشارة إلى أن المنافسة تجبرك على التقدم فليس من سبيل آخر سوى هاوية الاضمحلال.
مبادرة شركة الاتصالات بالتبرع لإنشاء مراكز صحية مبادرة طيبة وتستحق التنويه والشكر، قد يكون سببها محاولة المصالحة مع المجتمع وفتح صفحة جديدة وربما هي تجاوب مع توجهات رسمية عُليا طالما طالبت - منذ زمن بعيد - القطاع الخاص بدور واضح وملموس في خدمة المجتمع، أياً كان السبب، فالنتيجة طيبة ومشجعة، وحتى لا تكون خطوة يتيمة من الشركة، فعليها إذا ما أرادت المحافظة على حصتها في “الجيوب”، وقبل أن يتكاثر المشغلون في كل قطاع أن تلتفت مبكراً إلى تلك الخدمات التي ما زالت تحتكرها، وفي مقدم ذلك تقديم خدمة الانترنت، هذه الخدمة لا تزال تعاني من ارتفاع الأسعار والبطء وطول إجراءات التركيب، وقد بُحّت أصوات المحتاجين إلى هذه الخدمة منذ إطلاقها من دون تقدم ولو بسيط، وأتذكر اتفاقات وقعت في عهد الإدارة السابقة للاتصالات لتطوير هذه الخدمة ولم نر شيئاً على أرض الواقع! المطلوب استراتيجية واضحة لإرضاء المشتركين، فهم السوق الرئيسية لهذه الشركة، ولا أنسى التذكير بأن كثيراً من المشتركين يعانون من تضخمات في “فوترة” الجوال، وهو ما يستدعي مراجعة هذه القضية لحساسيتها.
أمام الإدارة الجديدة لشركة الاتصالات تحدٍ كبير في إعادة الثقة، لإرضاء سوقها الأولى والكبرى، وتحسين الخدمات في هذه السوق مقدم على البحث عن فرص في الخارج، ولأن الدولة تمتلك الحصة الكبرى منها فكل مواطن، حتى ولو كان لا يمتلك سهماً فيها، يعتقد بأنها شركته.

حياة جديدة للسجناء

16 يونيو 2006

خرج المدين من السجن بالكفالة قبل ساعات من أمر خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - بإطلاق السجناء، وطلب السجين “سابقاً” إعادته إلى السجن لعله ينعم بالمكرمة الملكية، ولكن جهوده باءت بالفشل. هذا ملخص خبر لـ ”الحياة” في تغطيتها المميزة للمبادرة الملكية، لا بد من أن صاحبنا يعض أصابع الندم على حظه، أقول له احمد الله تعالى أنك وجدت من يكفلك، فمن يجد في هذه الأيام كفيلاً؟
السجناء المستفيدون من أمر الملك عبدالله بن عبدالعزيز يعدون بالآلاف من المواطنين وغير المواطنين، وفي مختلف مناطق السعودية، ولعل جولة سريعة على التغطية الصحافية تعطي صورة واضحة، ولفت انتباهي أن الأمر الملكي الكريم اشترط شروطاً مهمة، لعل أبرزها كما جاء في نص البيان: “ممن عليهم ديون أو ديات وثبت عجزهم ولم يكن المدين مماطلاً أو متلاعباً بأموال الناس أو ترتبت عليه الأموال نتيجة جريمة ارتكبها”.
عدم المماطلة والتلاعب شرط جوهري، لا ننسى أننا في السنوات الأخيرة قرأنا وعايشنا كثيراً من الوقائع التي تلاعب فيها البعض وماطل بعض آخر في إعادة الحقوق لأصحابها، استنجد بعض هؤلاء بصكوك الإعسار وبلجان إطلاق السجناء، وبعض منهم قد يكون صاحب مال قام بوضع ماله في حسابات أقاربه، تهرباً من التسديد والعياذ بالله تعالى.
وأهمية ورود هذا الشرط في الأمر الملكي الكريم إيضاح للعموم بأن الدولة لا يمكن أن تقف مع مماطل أو متلاعب بأموال الناس وعلى اللجان المكلفة بالنظر في أسماء من تنطبق عليهم الشروط إعطاء هذا الاستثناء حقه، حتى لا نقوم بتخريج جيل من المماطلين المتخصصين بنهب أموال الناس بالباطل والبحث عمّن يسدد عنهم بدعوى الإعسار.
الشكر والتقدير لخادم الحرمين الشريفين، سدد الله خطاه، فهو لا يكل ولا يمل من إطلاق المبادرات الإنسانية لأبنائه المواطنين، والتهنئة لكل مستفيد من الأمر الملكي الكريم، والأمل أن يدفعهم ذلك إلى فتح صفحة جديدة، فإذا كانوا من ضحايا القروض وما شابهها، وهم كثر، فعليهم أن يفكروا مرات قبل إعادة الكَرّة، بالنسبة إلى الصغار لا يأتي، في العادة، من قروض البنوك “خصوصاً” خير ولو قليل، وليس هناك ما هو أسوأ على الإنسان من الاضطرار إلى الخضوع للدائنين عند الحاجة في أمور ضرورية فكيف بأمور أقل، ولا بد من الإشارة إلى أن بعض قضايا الديات تكاد تتحول إلى تجارة، وقد قامت بعض وسائل الإعلام لأهداف إنسانية ومن حيث لا تدري بتشجيع هذا، انتقلت الديات والتسول بها من المساجد إلى الصحف، وهو أمر يحتاج إلى دراسة متأنية وحضور وعظي قوي.