أرشيف شهر أكتوبر 2006

ظواهر ومظاهر

31 أكتوبر 2006

من الأخبار اللافتة التي قرأتها أخيراً، عزم معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج على تنفيذ دراسة تفصيلية عن واقع الجاليات غير العربية في مكة المكرمة، اجتماعياً وأمنياً، والهدف - كما ذكر الباحث الرئيسي الدكتور محمد بن علي الشريف لصحيفة “الرياض” - هو “استطلاع وضع الأقليات غير العربية من النواحي السكانية والاجتماعية والأمنية والبيئية، ومن ثم تحليل هذه الأوضاع باستخدام الأساليب الإحصائية، ومحاولة حل العوائق التي تقف أمام الأقليات، والقضاء على المشكلات الأمنية والاجتماعية، وتحسين الوضع الاقتصادي للجاليات، مع الإفادة منهم في المشاريع العمرانية والتنموية الكبيرة في العاصمة المقدسة”.
نحن في حاجة لمثل هذه الدراسة ليس في مكة المكرمة وحدها، بل في مختلف مدن المملكة. ولنبدأ بالمدن الكبيرة. الأحياء العشوائية أو القديمة التي استوطنتها هذه الجاليات موجودة أيضاً في مدن أخرى، لكنها في العاصمة المقدسة تظهر بصورة أكبر. لا بد من التعرف على واقع هذه الجاليات التي أُهْمِلَتْ ملفَّاتُها فترةً طويلة، ونشأت أجيال من أبنائها بيننا  داخل أسوار اجتماعية ارتضيناها.
المعهد أيضاً نفذ دراسات، أكدت نتائجها وجود عصابات دولية لتوريد المتسولين للسعودية. عميد المعهد الدكتور أسامة البار كشف لصحيفة “الحياة” عن تخلف أكثر من نصف مليون معتمر خلال خمسة أعوام فقط.
أتذكر ما قيل ونشر عن دراسات أو أبحاث “من جهات أخرى”، قبل سنوات قليلة، حاولت التهوين من قضية التسول، فكان هم القائمون على هذه الدراسات “التزيين والتجميل”، ليصلوا إلى نتيجة كانوا قد قرروها مسبقاً، ويعتقدون أنها ترضي المسؤولين وهي أنه لا وجود لظاهرة تسول. وقد علقتُ عليها في حينها، وهذه الإشارة محاولة مني للتنبيه إلى أنه ليس كل ما يقال عن دراسة وبحث هو في الحقيقة دراسة وبحث، وليس كل دكتور أو باحث دكتوراً أو باحثاً حقيقياً. نسبة مهمة من مثل هذه الأعمال تُصنَّفْ تحت عنوان “الأكاديمية المظهرية” أو “الإكسسوارات الأكاديمية”.
الدكتور أسامة البار وضع النقاط على الحروف في قضية عصابات التسول الدولية التي تستهدف المملكة من خلال مواسم الحج والعمرة، عندما حدد الجهات المسؤولة في الداخل عن السماح لهؤلاء بالعبور، فوضع وزارة الحج  في المقدمة، بوصفها المعنية بنظام العمرة، تليها وزارة الخارجية المعنية بالشؤون القنصلية. اشكر الدكتور أسامة والعاملين معه في المعهد، وأطلب منه أن يقوم المعهد بإعداد دراسة عن الأوضاع في مكة المكرمة والمدينة المنورة بعد تطبيق نظام العمرة المفتوحة، وإشراف وزارة الحج عليه، وما السلبيات مقارنة بالإيجابيات؟ وإلى أين أوصلنا ذلك؟

“تصفير العداد”

29 أكتوبر 2006

ماذا تتوقع أن يقدم لك ميكانيكي تحول إلى طباخ؟ “صواميل البراغي بالفرن”؟! ربما “جلبة بالعجين”؟ وماذا تتوقع ان تحصل عليه من سباك ينافسه على الطبخ؟ “محشي أبو جلمبو”؟! ربما  تحلي بعد الوجبة “بسدادة الحنك” أو “كوع المعدة”! أما إذا جاءت المنافسة على الطبخ من كهربائي، فربما تحصل على  “بادية” من “مكرونة الكابلات” أو “فيش العيش”، ولا بد أن يكون الحلا اللذيذ “توتره عالي” عند الكهربائي، كما أنه مهيأ لأن يقدم لك صينية “تصفير العداد”!
تسممت عشر عائلات في مطعم وصفته الصحيفة بالشهير في مكة المكرمة على طريق الشرائع. واتضح أن العمال اليمنيين الذين أعدوا وجبات المطعم الشهير هم في الأصل كالآتي: راعي غنم، كهربائي، ميكانيكي، سباك. استغربت أنه لم يكن مع فريق الطبخ هذا “مليس”، مع أن المطعم شهير كما قالت “الوطن”!
شخصياً أتوجس من الأكل في مكة المكرمة، شرفها الله، ، فإذا اضطررت للأكل أشعر بأن الدجاج ليس دجاجاً واللحم ليس لحماً، ولا يكون هناك ملجأ سوى المعلبات، مع فحص ضروري للنوعية وتاريخ الصلاحية. من الطريف ما جاء في الخبر من أن المصابين المساكين - شفاهم الله وعوضهم خيراً - نقلوا إلى مستشفيي الملك فيصل و ”الولادة”!! أما الأطرف فهو ما ذكر عن أن المطعم تم إغلاقه، ولم تحدد المدة. هل هي “ساعات”؟ وماذا كتب على واجهة المطعم “مغلق للصلاة أم للتوسعة”؟
على رغم تكاثر مثل هذه الحالات في مختلف مدن المملكة، خصوصاً في مطاعم “المندي والمظبي والمهبب”، إلا انه لم تنبثق أفكار وحلول جذرية لدى الأمانات والبلديات. والأصل والمقياس هو درجة تحمّل معدة الزبون وعدد البطون. والحقيقة أن راعي الغنم من بين أولئك الطباخين هو أقربهم للمهنة، ولا بد أن يراعي الإخوة في أمانة مكة المكرمة ذلك ويضعونه في الاعتبار! ولو كان الأمر بيدي، لقمت بتجويع المسؤولين عن المنطقة التي يقع فيها المطعم الشهير من مراقبي البلدية، وأمرت هؤلاء الطباخين بإعداد وجبة الغداء ثم قدمتها لهم. هذا هو أفضل حل للحد من هذه التجاوزات، بشرط ألا يعلم الطباخون المزيفون أن هؤلاء مراقبون، فيقال لهم إنهم حجاج!

عيدية
أخذ الأب أطفاله للفرح بيوم العيد في الرياض وزيارة مواقع الترفيه، لاحظ الطفل الصغير أن الأسد الذي يعرضه العمال للمتفرجين في حال أقرب للعجز، وكأنه عزيز قوم ذل. تذكرت أنه ليست لدينا جمعية للرفق بالحيوان. أما الأب فهو منزعج من الاستغلال، خصوصاً في ساحة العروض في الدائري الشرقي. الدخول لكل من يدب على رجلين بخمسة عشر ريالاً! وإذا دخلت فهناك رسوم أخرى. وإذا تذكرنا الدعم الذي تقدمه الأمانة لرجال الأعمال نتساءل: هل يصل منه شيء للزائرين؟ أم انهم وعاء الاستغلال المفتوح على مصراعيه؟

“أبسط يا عم”

28 أكتوبر 2006

ما العلاقة بين سوق الحمام والألعاب النارية؟ أترك الإجابة لكم مع وفر من الخيارات إلى حين. أصرت سوق الحمام في الرياض على أن تحتفل بعيد الفطر على طريقتها، ومن باب “جحا أولى بلحم - شرخه أو ثومه”، وهي من أسماء الألعاب النارية. امتلأت سماء سوق الحمام أول أيام العيد بالألعاب النارية، حريق وصف بالهائل فجر المخزون الاستراتيجي من الألعاب النارية، واحترقت سيارات و “بسطات” وُصفت بأنها غير نظامية! أعجبت بهذا الوصف “بسطات غير نظامية”، لا بد أنها  نشأت من قولهم “أبسط يا عم”!، ولا أكثر من انبساط تجار الألعاب النارية لأسباب كثيرة، منها أن بضائعهم سريعة التلف، وإحراقها أو مصادرتها تدفع المستهلكين  لطلب المزيد. كما أنهم من مواقعهم يستطيعون المشاركة في الانبساط مع المستهلكين، عملاً بالقول المشهور، “انفجري أينما شئت فثمنك قد وصلني”!
ولديهم ميزة نسبية: أن تسويق بضائعم يسهم فيه - بصورة أو بأخرى - جانب رسمي تحت وقع العروض الاحتفالية. ولعل من المناسب ذكر “الموضات”، الألعاب النارية أصبحت من سمات الاحتفالات بالأعياد، انتقل الأمر من المدن إلى المحافظات والمراكز، وقبلها المهرجانات السياحية، وقبلها المجسمات الجمالية من المباخر إلى النوافير، فيكاد الأمر يصبح عرفاً أو تقليداً، في جانب منه شكل من أشكال “المجاكر”.
لكن ما العلاقة بين سوق الحمام والألعاب النارية؟ تمثل سوق الحمام أحد الأبواب الخلفية للمجتمع، دخوله والتمعن في تفاصيله يخبرك عن أوضاع وآفاق شرائح متعددة من ذوي الدخل المحدود، وجزء مهم من الشريحة المتوسطة. هو عالم آخر تلونه الصبغة الموسمية “من الشروخ إلى الفقع”. استيطان باعة التجزئة للألعاب النارية فيه ليس أمراً جديداً، هو أمر معلوم للجميع، بما فيها السلطات الرقابية من بلدية وأمنية، وهو تماثل - مع عناصر الاختلاف - مع أسواق أخرى. خذ سوق المال وتوظيف الأموال، والكر والفر بين الكبار والصغار ولعبة القط والفأر.
 حتى الآن لم نصل إلى إجابة على السؤال عن العلاقة بين سوق الحمام والألعاب النارية، باختصار أنه الهدف، المستهلك،  وهم هنا الأطفال، وإذا تذكرت كثرة صراخ “أطفال” الأسهم وتوظيف الأموال ورسائل النصب الهاتفية وغيرها، من قضايا يلفها الضباب والصمت لا بد أن تتذكر، في الكفة الأخرى من الميزان، الهوامير المعلن منهم والمخفي، إلى أن تصل إلى هوامير الألعاب النارية، وما حدث هو رسالة أخرى. إصرار سوق الحمام، وبطريقتها الخاصة، على المشاركة في الاحتفالات هو تعبير جديد عن حال من الاحتقان.

“صمت معادن”

27 أكتوبر 2006

الأعمال الصحافية الحقيقية تبرز نفسها وتكون أكثر مهنية، وتصبح في المقدمة عندما تلامس هموم إنسان بسيط وضعيف أو بلغة العصر، “ما وراه ظهر”!
بادرت صحيفة “الحياة” بطرح كثير من القضايا التي تلامس هموم جماعات وأفراد، وقبل ثلاثة أشهر قدمت تقريراً صحافياً ولا أروع، بقلم الصحافي النشط ناصر الحقباني، وكشفت عن محنة سكان قرية سعودية منسية إنها قرية “البديعة” في منطقة القصيم. لأجل البحث عن الذهب قامت شركة “معادن” بالتنقيب في منجم “الصخيبرات” فعاثت في البيئة فساداً، وتلوثت المياه بالمواد الكيماوية السامة مثل الزئبق والزرنيخ، فكانت النتيجة المعلنة كالآتي:
وفاة طفلين بسبب تشوهات جنينية.
إجهاض 16 امرأة وبعضهن لأكثر من مرة.
إصابة بعض السكان بأمراض أخرى.
نفوق 3345 من الإبل والماعز.
هلاك مزارع السكان بعد جفاف الآبار وتلوثها، واضطرار أهالي القرية إلى جلب المياه من مسافات بعيدة.
حصل هذا في عام 1992. حسناً ماذا فعلت الشركة التي تصفها الصحيفة بالعملاقة؟ قامت بحفر آبار بديلة ثبت لاحقاً أنها ملوثة هي الأخرى، والتقارير التي أشارت إليها صحيفة “الحياة” من مستشفى الملك فيصل التخصصي، والشؤون الصحية في القصيم واضحة ولا تقبل الجدل. بعد سبعة أعوام! وعدت شركة معادن بمد أنبوب للمياه ولم تف بالوعد حتى تاريخه، الكارثة عمرها أربعة عشر عاماً، وأحاديثنا على البيئة وحمايتها ليس هناك أكثر منها.
ثلاثة أشهر ولم نر وجهة نظر أو نسمع رداً من شركة معادن! بعد “صمت معادن” يظهر أن مسؤوليها مشغولون بطرح الأسهم للاكتتاب، ربما أنها تنقب في مكان آخر لم يستوعب أهاليه ما قد ينتظرهم، من الواضح أن هذه الكارثة ليست من أولويات شركة “معادن”، فهل هي مصابة بحمى البحث عن الذهب؟ كأني بأحد القراء يعلق قائلاً: ماذا يهم مسؤوليها وهم ينعمون بالماء الزلال وأطفالهم وأهاليهم في أماكن نظيفة؟
“الحياة” بشرتنا الأسبوع الماضي أن هذه القضية لم يطوها النسيان، وان ديوان مجلس الوزراء يبحثها مع أربع جهات حكومية. نريد بياناً يوضح المسؤوليات، ويضع خطوطاً حمراء تجاه الشركات التي تعبث بالبيئة.
المحافظة الحقيقية على الإنسان والبيئة هي في ملاحقة كل من يلوث ويدمر، خصوصاً الشركات التي تتنقل بين  منطقة وأخرى، ما الذي يطمئننا من أن شركات أخرى مثل معادن لا تقوم بمثل هذا وفي هذه اللحظة، وفي قرية لا يصل صوت أهاليها، خصوصاً مع صمت الجهات المعنية طوال هذه السنوات!

“كرم… شرم… برم”

26 أكتوبر 2006

بودي أن أعرف من هو صاحب الفكرة الخلاقة بإطلاق اسم “كرم” على العملة الخليجية الموحدة؟ وفي أي دائرة أو وسط يعيش؟ وكيف يفكر؟ وهل هو خبير دولي أحمر الخدين؟ أم إقليمي مكثر في الأسفار والمكوث في “سويتات” فنادق الخمسة نجوم؟ وأريد من سعادته معرفة هل العملة الموحدة باسمها المقترح مخصصة للتبرعات الخارجية أم للتعاملات الداخلية؟ ولا أخفي على القارئ الكريم أمنياتي، بل دعائي في هذا الشهر الفضيل أن يصبح مستقبل هذه العملة ما دامت بهذا الاسم مثل واقع  مكافحة الفقر في بلادنا، وألا يكتب لها المولى الكريم النجاح، وأن يكون مصيرها الحفظ في الأدراج!

“سابك”
للإخوة في “سابك” جزيل الشكر على ردهم المنشور في “الحياة” حول ما كتبته عن ضرورة حضور الشركات الكبرى  في التبرعات الداخلية، واهتمامها بما يحدث من كوارث وحاجات للمواطنين في الداخل، وجميع الجهات التي ذكرتها “سابك” في ردها تستحق الدعم والمساندة، وأذكّر الإخوة في “سابك” أن لدى هذه الجهات أجهزة وموظفين يتابعون ويرسلون ويحضون على التبرع، فلا أقل من التفاتة من شركة نعتقد بأنها رائدة، لمن ليست لديهم أجهزة تطالب، وقد يعيشون تحت خط الحاجة الماسة لمدة لا يعلمها إلا الله إلى أن تجتمع لجان وتقرر، وهي فرصة لأذكّر الإخوة أصحاب القرار في الشركة العملاقة “سابك” بأن يلتفتوا إلى زملائهم صغار الموظفين، ممن لم تشملهم الزيادات والامتيازات التي أعلنت أخيراً، بالشكل المناسب، فسببت إحباطاً وشعوراً بالظلم قد ينعكس على الإنتاجية.

جامعي جائع!
أتمنى ألا يكون صحيحاً ما كتبه لي أحد الإخوة من طلبة جامعة أم القرى في مكة المكرمة. يقول، في “نداء من جامعي جائع”، إن المكافآت تأخرت عليهم لأكثر من شهرين. ونحن نحتفل بالشهر الكريم، إذا كان هذا الأمر صحيحاً فلابد من محاسبة المقصر. ويكون جزاؤه بأن يفطر ويتسحر جميع الطلبة المتضررين على حسابه لبقية أيام شهر رمضان. وأرجو ألا يكون التأخير انتظاراً لوصول العملة الموحدة “كرم”.

غلاء
ليس هناك من حديث إلا عن غلاء الأسعار. قارئ كريم يلفت انتباهي إلى ما حصل من ارتفاع  لأسعار كثير من الحاجات الرمضانية، من الخضار إلى رقائق السمبوسة. ومع كثرة هذه الأحاديث لا توجد وقفة حقيقية من الجهات المعنية بمراقبة الأسعار. قبلها رفعت أسعار زيوت السيارات والبطاريات، وحتى  بعض الأدوية وغيرها، ولم يتحرك أحد. فهل هذا  من مبشرات اقتراح اسم “كرم” للعملة الموحدة… “كرم!… نعم… لكن لمن”؟