يطرح بعض الإخوة القراء سؤالاً صعباً يقول: هل نحن مجتمع نظيف؟ ولا يمكن الرد بإجابة قد تحمل صفة التعميم، لا شك في ان بيننا النظيف والأقل نظافة إلى درجة دنيا. عين تقول إننا شعب نظيف والعين الأخرى تنكر ذلك، والنظافة صفة ووعي، يستوعب البعض مسألة النظافة مظهرياً، في ملبسه الخارجي، وقد تكون رائحته لا تطاق، ربما لا يتعدى وعيه بقيمة النظافة وكونها صفة جوهرية حدود منزله، تراه يضع نفاياته أمام منازل جيرانه، أو في أرض فضاء بجوار أسوارهم، بعض آخر حدود النظافة لديه تنحصر في الحي الذي يسكنه، فهو معروف فيه، لذلك يمكن له رمي نفاياته في مكان أبعد، الغالبية من هؤلاء ترى أن الصحراء المكان الطبيعي لرمي النفايات! الإنسان أكبر منتج للنفايات على هذه الأرض، لا ينظر إلى بعض حيوانات كيف تفعل ليتعلم، وآخرون يعتقدون أن شركات النظافة لا بد من أن “تشتغل”، أليست عقودها بالملايين؟ والنظيف في داخله لا بد من أن يكون نظيفاً أينما حل، هي قضية وعي وتربية ومحاسبة أيضاً!
أحد الأصدقاء من محترفي “الكشتات” يحضر معه في كل رحلة، ابتكاراً جديداً، ولأن الحاجة هي أم الاختراع يهدي بعض الشباب أفكاراً لمحال بيع أدوات الكشتات، هذا الصديق احضر معه أخيراً برميلاً ظريفاً للنفايات ميزته أنه يمكن طيه، فلا يأخذ حيزاً في المركبة، فيترك الشباب موقعهم عند الرحيل نظيفاً كما كان، يجمعون النفايات في كيس بلاستيكي
ويبحثون عن حاوية فلا يجدون شيئاً قريباً إلى أن يصلوا إلى المدينة، كان بعضهم في السابق يقوم بطمرها، ومعلوم ان البلاستيك ومشتقاته يبقى عمراً طويلاً من دون تحلل، الطمر أفضل من النثر، ونقلها
للحاويات هو الأفضل، وأمانة مدينة الرياض مشكورة أوفدت 150 عامل نظافة، لتنظيف بعض مواقع المتنزهات البرية، اقترح عليها توفير حاويات كبيرة في نقاط على طرق العودة، أيضاً يفضل أن تهتم بالتذكير من خلال لوحات توعية كبيرة، كن نظيفاً في الصحراء كما كنت في المدينة، افترضوا انه نظيف لعله يستحي! وأجد وهذه حقيقة في كثير من التجمعات الكشتية، خصوصاً من الواعين اهتماماً بنقل نفاياتهم، اما غير النظيف في المدينة ممن ما زال يرمي بعلب ومناديل من نافذة السيارة في أكثر الطرقات ازدحاماً، فهذا لا ينفع معه إلا ساعات خدمة اجتماعية يجبر فيها على تنظيف الشوارع. ويضم إليهم من ترك هذا لعمالة من دون توجيههم وذاك الذي يؤذي جاره.
شركة أرامكو أيضاً قامت بتجربة صغيرة لتنظيف بعض المواقع البرية، وهي حبة رمل من شركة ضخمة مترامية الأطراف، لكن… لعلها أول الغيث، بعد مطالبات حفلت بها هذه الزاوية، لعلها بداية الاهتمام بالأعمال المجتمعية الداخلية التي يجب أن تشمل معظم المناطق. لا تنظر إلى مظهره أو نوع سيارته، انظر إلى ماذا يفعل الشخص بنفاياته لتعلم من هو. وفي عيد الأضحى امتحان كبير للنظافة من زوايا كثر. كل عام وأنتم بخير وأمان وعافية.
تاريخ النشر: 31 ديسمبر 2006
تعليق ظريف من احد الأصدقاء على مقال أشرت فيه إلى الحديث النبوي الشريف الذي يوجه المسلم إلى كيفية إدارة ماكينة الأكل البشرية “المعدة”، ثلث للشراب، وثلث للأكل، والثلث الأخير للنفس، وعلى صحن عامر، وبعد أن شبع هو، فيما صديقه البدين المسكين مستمر في الأكل، طرأ له أن يذكره بالتخفيف وألا يزيد عن شحن ثلث المعدة، فعلق الجائع بقوله: “كل واحد أدرى بثلثه”!
أيام عيد الأضحى المبارك تحفل باللحوم الحمراء، يؤكل الثلث ويُهدى ثلث ويُتصدَّق بالثلث الأخير للفقراء. هذا هو المفترض. وبالنسبة للغالبية من أبناء المجتمع، اللحم الأحمر من أساسيات المائدة، خصوصاً على وجبة الغداء. ولا زالت الذبيحة الكاملة بكل “معاليقها” هي القيمة المعتبرة والمعيار المتفق عليه اجتماعياً، عند التكريم و ”التوجيب”، للضيوف، ولأنها كذلك يقول المضيف السعودي وهو يدعو ضيوفه للمائدة، “كل واحد منكم له حق”، والمعنى أن كل شخص من الحاضرين يستحق ذبيحة.
هذه العلاقة القديمة المتأصلة مع الذبح والسلخ وتقديم اللحوم الحمراء، لم توصل مجتمعنا حتى الآن إلى العناية بالتثقيف الاستهلاكي، علاقة العشق العنيف هذه، منذ أيام الجوع التي عاشتها أجيال سبقتنا، لم توجد ثقافة للتعامل مع اللحوم الحمراء، قبل الذبح وبعده، فهي لا زالت أقرب إلى علاقة الجوارح، مع انه لا يؤكل منها إلا القليل.
وبحكم أن الأضحية نسك وتعبد وتقرب إلى المولى عز وجل، وفي مثل هذا اليوم العظيم، العيد الأكبر، أعاده الله على الأمة الإسلامية وهي في استقرار بعيداً عن
أطماع كل أنواع الجوارح المتلونة، في هذا اليوم الكبير تمتلئ كثير من المنازل باللحوم الحمراء، ويقف الإعلام المحلي عاجزاً عن التوعية والتثقيف، التركيز يتم على الناحية الشرعية، فيتناول شروط الأضحية، وكيفية ذبحها، وهذا أمر مهم
ومطلوب، إلا أن هناك نواحي عدة يغفل عنها المختصون مثل النواحي الطبية والاستهلاكية، فيكون هم الناس إنجاز أضحيتهم في وقت باكر هو المسيطر، عملاً بالسنة النبوية الشريفة. ولا يزال بعضهم يأكل من الأضحية ولم تجف دماؤها بعد، وعلى رغم أنه يدفع قرابة الألف ريال في الواحدة منها، فإنه يسلمها لمبتدئ “يعفسها عفساً”، فلا يعود اللحم طيباً وتضيع قيمتها الحقيقية، وفوق هذا يرمى منها الكثير في النفايات وهي أجزاء يستفاد منها في مجتمعات أخرى أكثر وعياً، وربما أكثر حاجة وتدبراً، بل هي أجزاء قد يطلبها من مطعم في المساء من قام برميها في الصباح!
كثافة اللحوم الحمراء هذه وعلاقتنا معها طوال العام تحتاج إلى عناية وتدبير، ومثلما تمت الإفادة من لحوم الأضاحي في المشاعر، التي شاهدتها في زمن مضى تطمر تحت الأرض، أرى أنه من الواجب العناية والاهتمام بتثقيف المجتمع وأفراده. تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وشملنا بعفوه الكريم، وعيدكم مبارك.
تاريخ النشر: 30 ديسمبر 2006
عمره 140 سنة كما يقول الخبر، ظهره انحنى بزاوية قائمة كاملة، يحمل عمره وهمه وحيداً إلا من حضن جذع شجرة يؤنس وحدته، هذا الشيخ المسن فقير سعودي، منزله ظلال شجرة في محافظة الليث (غرب السعودية)، رأسماله لا يتجاوز غنيمات لا يزدن عن عدد الأصابع، يقتات من حليبها، الليث المحافظة ليست بعيدة عن مكة المكرمة بل هي بلغة البادية “حذفة عصا”، هي جزء يتبع إدارياً للمنطقة! ومن المفارقات أن هذه المحافظة أكبر بوابة للمتسللين إلى منطقة مكة المكرمة!
عندما كتبت بعض المقالات عن أحوال محافظة الليث ومراكزها وقراها المتناثرة، منبهاً إلى حال الفقر المدقع وانتشار الأوبئة بين السكان وتردي الخدمات أو عدم توافرها أصلاً، ومن خلال اتصالات مع بعض الإخوة هناك علمت عن قصة سلوم، ثم نشرت صحيفة “الرياض” تحقيقاً للصحافي عبدالله البصراوي، فكانت صورة الشيخ المعمر تحت الشجرة المعمرة أبلغ من كل مقال، حال الشيخ “سلوم” نموذج و ”عينة” لأحوال نساء وشيوخ وأطفال وشباب شبه ضائع من أهالي الليث.
لكن ماذا حدث بعد نشر مناشدة الشيخ المعمر المساعدة لقضاء الفرض؟
اتصالات من أفراد (رجالاً ونساء)، الكل يريد تقديم المساعدة للشيخ المسكين، يأتي في المقدمة الأمير الإنسان تركي بن عبدالعزيز الذي حرص كما علمت على تحقيق حلم الشيخ المسن، وهذا صدى جميل يعبر عن أن مجتمعنا ما زال يحمل كثيراً من الخير وحب المساعدة والتعاطف، إلا أنهم أفراد، دفعتهم عواطفهم وخصالهم الكريمة للمبادرة ومحاولة تقديم المساعدة. العجب والأمر المستغرب والمثير لعلامات الاستفهام، أنه لم تهتم جهة حكومية واحدة بحال الشيخ المسن، مثل عدم اهتمامها بأحوال المحافظة ومراكزها، ولا حتى تلك الجهات المعنية مثل وزارة الشؤون الاجتماعية، ربما لأنه فرد وهي معنية بالمجتمع!
ولم ترد أية مبادرة من حملات الحج التي تخطف إعلاناتها الأبصار في الصحف والشوارع.
والأكثر مرارة من هذا كله، انه لم ترد مبادرة من الجمعيات الخيرية، لا في الليث ولا من خارجها، تعودت هذه الجمعيات – التي لم يُنفض الغبار عنها – على العمل المكتبي، وعلى المحتاج أن يراجعها، أما إذا كان نائياً وحيداً عاجزاً فليس له سوى ظل شجرة، بنى على ضعفه وفاقته بين أغصانها “عشة” مهلهلة لا تقيه زمهرير الشتاء ولا سطوة الشمس الحارقة.
حلم، طوله أكثر من مئة عام، بأداء الفريضة قبل الممات، يعبر عن واقع حاله وأحوال جيرانه، فالفقر من حوله منتشر، لو تكاثرت الكاميرات والفضائيات في منطقة الليث لتغير الوضع، وكثر عدد الراغبين في الظهور من المعنيين بإصلاح الأمور، وفي أطراف محافظة الليث وعلى شواطئها البكر تقبع شركات كبيرة لرجال أعمال، لكنها لا تفكر ولا تبادر بتبني مشاريع مجتمعية تنفع أبناء الأرض التي تحقق الأرباح من خيراتها.
تاريخ النشر: 29 ديسمبر 2006
“ما عندك عمال؟”، سؤال من رجل أعمال، مع علمه أني لا أدير مكتب استقدام، وليس لديّ مخزون من العمالة السائبة ولا النظامية، وأيضاً يعلم أني لا أملك “تُجُوري” يحوي تأشيرات، لكنه أحبَّ أن يوصّل رسالة معاناته، وهَمّاً يقلقه، فالمصنع الذي يديره يشكو من نقص في العمالة، ومدير الإنتاج يصيح طالباً عمالاً، قلت له ما يقوله الكل لماذا لا توظف سعوديين؟ قال إن سبب بحثه عن عمال هو ترك مَنْ وظّفهم من السعوديين للعمل، هؤلاء يتركون العمل من دون أخطار، وآخِرُهم – كما ذكر الرجل – له قرابة العام على رأس العمل، غاب ثم اتصل بعد أيام يوكّل فلاناً، لتحصيل ما تبقى من حقوقه، أما حقوق صاحب العمل فلا أحد يضعها في الاعتبار، وعلى رغم أن هناك عقوداً إلا أنها لا تُطبّق، فماذا يفعل صاحب العمل: هل يقوم بملاحقه عامل سعودي قرّر ترك العمل؟ وما مقدار الجهد والكلفة للملاحقة؟
هناك أسلوب نظامي متبع لتقديم الاستقالة يسمح لصاحب العمل فترة من الوقت لتوفير البديل، ولا يضعه أمام أمر واقع، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية مثل المصانع، ومثلما نطالب رجال الأعمال بتوظيف المواطنين، يجب أن يلتزم هؤلاء بالأنظمة، ويقترح لوزارة العمل أن تضع قائمة سوداء أخرى للعمال السعوديين يُدوّن فيها اسم مَنْ يثبت عليه تكرار الإخلال بالعقود من دون سبب مقنع، المطلوب من الوزارة هو التوازن، وكل هذا سيصبُّ في النهاية في مصلحة قضية السعودة. توفير فرص العمل للمواطن في بلده من مهام الحكومة، إلا أن الكفة الأخرى من الميزان تحتم على الجهة الحكومية حماية صاحب العمل مِمّن لا يراعون مصالح الآخرين.
ووزارة العمل بدأت صفحة جديدة من الشفافية عندما أعلنت أسماء 129 منشأة، عاقبتها بمنع الاستقدام عنها لمدة محددة، وهي بادرة جيدة، خصوصاً أننا مكثنا فترة طويلة، وفي نواحٍ عدة، نُعْلِنُ عن عقوبات من دون أسماء؟ وخلت قائمة وزارة العمل من الأسماء المشهورة، ويعلم الجميع أن هناك شركات تلجأ إلى توقيع عقود مع شركات أخرى توفر لها العمالة، ولا تظهر هذه العمالة على الورق، وشركات أخرى تستخدم أسماء وصور بطاقات.
يجب أن تحمي وزارة العمل مصالح رجل الأعمال بتوازن، وتحت مبدأ: “لا ضرر ولا ضرار”، والذين يحاولون تطبيق الأنظمة هم الأولى بحماية حقوقهم.
كما على وزارة العمل أن تلتفت إلى الطوفان الذي ينهمر من خلال تأشيرة العمرة كل عام فيمكث أصحابها في البلاد، وهو ما جعل إيقافها للاستقدام لا قيمة له، بل سوقاً رحبة للمخالفين، ولا يتضرر من هذا الوضع إلا من يلتزم بالنظام. يتساءل المرء: هل هناك من اتصالات بين الجهات الحكومية؟
تاريخ النشر: 28 ديسمبر 2006
في عقد الصحافة حبات كثر تشكو من التهميش، يبرز منها حامل الكاميرا، أهمية الصورة في العمل الصحافي معروفة، فقد تغني المميزة منها عن كلام طويل ممل، وخلال تجربتي الصحافية ثبت لدي أن المصور وضع في أسفل السلم الصحافي، وربما تحته! وإلى وقت قريب كان يلاحق من جهات كثيرة، اقلها بعض المشاة.
عند دعوة الصحافة لتغطية المناسبات الرسمية أول ما يذكر ويطلب ويشدد عليه حضور المصورين. وعندما يحضرون يتم التعامل معهم مثل متسولين لحوحين، فالدفع و ”الدف” و ”الدفش” وسحب الأشمغة أو سقوط العقل من فوق الرؤوس بالنسبة إلى السعوديين منهم هو أقل النتائج، وقد يُدعون ثم يُطردون! أما داخل البناية الصحافية فتوفر لهم أصغر المكاتب، أو أقصاها، ومهما كان عدد المصورين في الصحيفة فلن يصل إلى ربع عدد المحررين المتفرغين، مع ملاحقة قضايا كثيرة من هذا العدد القليل في وقت ضيق.
يُنظر للمصور على أنه “ضاغط زر”، فلا يتم التعامل معه على أنه صاحب رؤية موهوب وجهده مكمل للعمل الصحافي. اللهم إلا إذا نجح في التقاط صورة “نادرة” لرئيس التحرير وهو يبتسم، هنا يتم الاهتمام به في حظوة موقتة. مهنته خلف الكاميرا حذفته من الصورة والبرواز. وكلما تذكرت أحوال مصوري الصحف أسترجع مواقف. أحدهم جعله جسمه الضئيل مع شماغه الطويل عرضة للأذى من الحراس في المناسبات، وكذا من زملاء المهنة، وعند ازدحام المصورين، يكون “للدفش والدف” قصب السبق. وصادف أن التقيته قبل شهر في مناسبة، فقمت بفتح الموضوع فصدرت منه “آهات وآهات”، تذكّر المواقف الصعبة عليه، الطريفة لثلة من المتفرجين، والمصور قد يتعرض للضرب والإهانة… لا لسبب إلا حساسية بعضهم من الكاميرا، ومع اهتمام الصحف بصور العرسان وحفلات الزواج، قال لي أحد المصورين إنهم يتعرضون للطرد. يدعوهم العريس لتصوير حفلته فيطردهم والد العروس! من المؤكد أن العريس سيبتلع لسانه مع رشفة قهوة! بل ربما يتطوع بعض المدعوين لطردهم علناً! لكل فرد الحق في رفض التصوير، إنما في دعوة زفاف “سعيدة” كما يفترض، الأفضل الهمس في آذانهم بممانعة بعض الأطراف، وبحسب علمي، لا يحضر المصورون هذه الحفلات إلا بدعوة وإلحاح. وفي زمن مضى طلبت من زميل مصور في جدة صورة ميدانية، فلفت انتباهه متسول أفريقي طويل ضخم متكئ على عكاز مدعياً الإعاقة، فقام بتصويره، فتحول المتسول المعوق إلى متسابق وحامل أثقال، تلاشت الإعاقة ولحق بزميلنا راكضاً مهدداً ومتوعداً إياه إذا نشر الصورة، وأنه يعرف أين يجده! ولم تنشر الصورة حذراً من تعرضه للأذى، فمن الذي سيجد متسولاً أشبه بالمصارع في جدة؟ هي دعوة لتقدير عمل زملائنا المصورين وحفظ كرامتهم.
تاريخ النشر: 27 ديسمبر 2006