أرشيف شهر يناير 2007

“مصيبة أم وبلسم والد”

26 يناير 2007

في الشهر السادس من العام الماضي كتبت مقالاً بعنوان “مصيبة أم”، كانت صحيفة “الحياة” نشرت قصة انتحار سيدة سعودية في محافظة محايل عسير (جنوب المملكة). بعد وفاة زوجها انهارت هذه السيدة أمام وحوش الفقر والمرض وحاجات أولادها الثلاثة، لم يكن بيدها سلاح سوى مبلغ الضمان الاجتماعي، “ألف ريال” فقط لا غير، شملها الضمان الاجتماعي هي وواحدة من بناتها فقط! ومنذ ذلك الحين وأنا أقول “لا أعلم” عندما يسألني بعض الإخوة القرّاء عما فعلت الجهات الرسمية المعنية في ملف تلك المصيبة. إلى أن استقبلت اتصالاً من أخ كريم قبل عشرة أيام، فعلمت أن الاهتمام بمصيبة هذه السيدة وأولادها تم على أعلى مستوى، وللأمانة كان الاهتمام منذ تاريخ النشر، لكن… “وأخ من لكن” حتى يصل العلاج كاملاً لمواساة الأسرة وإصلاح أوضاعها استغرق الأمر ستة أشهر تقريباً! الاهتمام جاء من الإنسان الذي لا يفتأ يعلّم ويدرّس ويقدّم القدوة في الحرص على أحوال مواطنيه، ونشرت صحيفة الوطن خبراً بذلك الثلثاء الماضي، كان الاهتمام من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، أمده الله بالصحة والعافية والتوفيق، وهو أمر غير مستغرب، فكان توجيه “ابو متعب”، بتقديم مساعدة عاجلة ترفع معنوياتهم وتخفف عنهم الدين، وتخصيص مبلغ لإصلاح منزلهم وتوفير وظيفة لابن المتوفاة بقرب أخواته، وهذا ما تم بحسب علمي يوم الأربعاء الماضي، فالشكر أولاً لله تعالى على نعمه التي لا تحصى، ثم الشكر لوالدنا الحبيب. إلا أنه لابد من التوقف وطرح كثير من الأسئلة، هل تحتاج مثل هذه القضية أن يتدخل فيها رجل في مقام ملك يحمل هموم أمة كاملة؟ وهي هموم تنأى بحملها الجبال؟ إذاً ما هو دور الجهات المعنية، وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة العمل وعدد لا يحصى من الجمعيات الخيرية؟ للعلم عندما نشرت المقال لم يصلني أي إشارة اهتمام من تلك الجهات! ولم يصل شيء من هذا القبيل للزميل المحرر محمد طيران، وللأمانة علمت أن الضمان الاجتماعي قام بعد أيام من نشر المقال بصرف مساعدة مالية “مقطوعة” للأسرة، وهو أمر مبهج إلا أن القضية كانت بحاجة إلى علاج جذري مثلما وجه الملك عبدالله سلمه الله. فهل يحتاج الأمر إلى توجيه من رئيس مجلس الوزراء لحل قضية عائلية في قرية من القرى؟ إذاً ما هي أحوال قضايا مماثلة لا تجد صحافياً إنساناً مثل محمد طيران الذي “طار للوطن”، ليتبناها فتنشر على الملأ؟ رسالة للإخوة الصحافيين، احرصوا على نشر القضايا الإنسانية، تحملوا اللوم والعتاب إذا حدث، فهو جزء يسير من متاعب المهنة، واحتسبوا الأجر قبل وبعد، فقط دققوا ووثّقوا ما تنشرون وأنتم الفائزون.

“بيشة و ميشو”

25 يناير 2007

عندما يستخدم الاسم تجارياً يجب أن يكون من يستخدمه على قدر المسؤولية، ولو كنتُ من أهالي محافظة “بيشة” السعودية لرفعتُ قضية على أصحاب شركة “بيشة” المساهمة، حيث إنها أساءت إلى اسم المحافظة وأبنائها، بسبب أدائها المتردي وخسائرها المتراكمة، ولو كنتُ من مساهميها لرفعت قضية في ديوان المظالم على الجهات الرسمية التي من وظائفها مراقبة الشركات المساهمة التي رخصت لها، لتتدخل في الوقت المناسب وتصلح أوضاعها قبل تفاقمها وسقوط كثيرين في قاعها السحيق. أما “ميشو” فهو اسم “الدلع” لشركة المواشي سابقاً “أنعام” حالياً، وهي شركة مساهمة سعودية، تُجرى الآن محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه منها، كما تقول الأخبار.
أتذكر في بدايات عملي الصحافي الاقتصادي، قبل “طعش سنة”، أني أجريت حواراً مع مدير لشركة “ميشو” ذلك الحين، كان “أيضاً” عن خسائرها المتراكمة، شركة تتاجر باللحوم الحمراء في بلد هو الأول في استهلاك هذه اللحوم ولا تنجح في شيء سوى تحقيق مزيد من الخسائر! قبل “طعش سنة” أو أكثر ولم تتحرك جهة رسمية واحدة، لتطبيق الأنظمة، والمحاسبة والمساءلة، ولم تراقب جهة رسمية أخرى تلك الجهة التي لم تطبق! ولو كنت من مساهمي “بيشة” و”ميشو” لرفعت “أيضاً” قضية على مكاتب المحاسبة القانونية التي تغاضت عن الإفصاح الحقيقي، أو دلّست أو مهرت بأختامها حسابات غير دقيقة فإذا ثبت ذلك طالبت بالتعويضات. وأتذكر أن وزير التجارة السابق “الله يذكره بالخير” حاول في تصريح صحافي التنصل من واجب مراقبة الشركات المساهمة التي ترخص لها “التجارة”، ألقى بالمسؤولية على الجمعيات العمومية، والجميع يعلم أحوال هذه الجمعيات المحتكرة من كبار الملاك، وبعض منهم لديه نشاطات تجارية خاصة تماثل نشاطات الشركة المساهمة التي يشارك في توجيه دفتها، في تعارض مصالح فاضح! ونحن نعلم أن مسؤولية حماية المستهلك وضعت على ظهر المستهلك، في تنصل آخر، فوجدت أن وزارة التجارة ستصبح عاطلة عن العمل! ولمحبتي للوزارة وأهمية وظيفتها للمواطن، لم يرضني ذلك، فكتبت قبل سنوات مقالاً يقول “ابحثوا معي عن وظيفة لوزارة التجارة؟”، فانزعج معاليه أو هكذا قيل لي، وأسهم “عيال الحلال”، وهم كثر، في صب الزيت على المقال! وأخرجوه من سياقه، في استثمار تعوّد عليه المتسلقون.
ها هم ضعفاؤنا يحصدون زرعاً أصفر ذاوياً، أما بقية المستثمرين في سوق المال السعودية فيمكنهم رفع قضية على هيئة السوق المالية، كيف سمحت الهيئة “التي تجتهد لتوعية غير الواعين”، باستمرار إدراج شركات تاريخها الاستثماري والإداري مكشوف، كل هذه المدة، التي تم خلالها دخول أكبر الأعداد لهذا السوق، فأسهمت في التغرير بالمستثمرين، كانوا على أمل إصلاح أوضاعها، لأنها في سوق رسمية كانوا يثقون بها لأنها واجهة اقتصادنا “المتين”.

نداء إلى المستهلك

24 يناير 2007

لو كان العنوان: “نداء المستهلك”، فلن يسمعه أحد. عن علم وتجربة طويلة أقول ذلك. لن يسمعه سوى السميع العليم، سبحانه وتعالى. مع الغلاء ما أحوال الفقراء ومحدودي الدخل، مثل العائلات التي تسكن تحت ظلال الأشجار في محافظة “الليث” (غرب السعودية)، مع قلة عدد الأشجار! وتلك القرى والهجر المتناثرة حول المدينة المنورة، وفي كل موطن للفقر والحاجة، سواء كان في مدينة أم مركز، طوفان ارتفاع الأسعار طال كل شيء تقريباً، لا بد من أنها حال صعبة، مع انكفاء العمل الخيري الداخلي، وبحث عن التبرعات ولا سؤال عن المصروفات؟ حسناً… ما السبب؟ أهو التضخم أم فشل أصيل في الإدارة المالية والاقتصادية، و ”تطنيش” عريق عند حماية المستهلك؟ لذلك اخترت العنوان ليكون نداءً له، تنبيهاً وبحثاً عن موقف يحمي حقوقه.
اجتمعت شركات تصنيع زيوت محركات السيارات مع الورش على ظهر المستهلك، سعّرت تلك المصانع العلبة الواحدة بسعر 14 ريالاً، في حين أنها بسعر الجملة لا تتجاوز تسعة ريالات، هامش الربح قُدّم على طبق من عرق المستهلك لصاحب الورشة، العلاقة وثيقة بين “أم العروس والمَشّاطة”، بعض المستهلكين الواعين أصبحوا يشترون علب زيوت السيارات بالجملة، صديقي “أبو نهار” أرسل معلومات من “الإنترنت”، عن عادة أصحاب المركبات في السعودية والخليج عند تغيير زيت المحرك، خلاصتها أن مصنعي الزيوت أدخلوا في أدمغتنا ضرورة تغيير الزيت كل ألفين أو ثلاثة آلاف كيلومتر، في حين أن كتيب مصنعي السيارات يقول إن الحاجة للتغيير تتم كل 10 آلاف كيلومتر! اطلعت على كتيب سيارتي ووجدت أن الأمر صحيح، هنا نعلم أن الإنصات لنصائح ورش الصيانة خطأ كبير، هم في الأصل باعة ومسوقون! النداء يقول: “لا لتغيير زيوت المحركات إلا كل 999 كيلومتراً”، وارجعْ إلى كتيب مركبتك، ولأننا في الورشة، ومن أحاديث الثقات هناك ظاهرة خطيرة، حيث تعددت الشكاوى من سرقة أجزاء من السيارات داخل الورش العادية و”الوكالاتية”، تستبدل القطع الأصلية بأخرى رديئة، فلا بد من الحذر، هناك حاجة إلى أن ينام صاحب المركبة داخلها عند الصيانة! قلت إن النداء لحماية المستهلك لن يجد تجاوباً يشفي الغليل، لذلك أوجه النداء إليه، “ما حكّ جلدك مثل ظِفْرك”، فلا تنتظر ظفراً رسمياً، لأنه غير موجود، وإن وُجِد فلن يعي من وظيفته سوى خربشة وجهك! وفي معرض الاستهلاك الغذائي انقل ما ورد في موقع www.AmericaInArabic.com، حيث ذكر أن منظمة السلام الأخضر الدولية حذّرت من الأرز الأميركي الذي يباع في الشرق الأوسط، لكونه نتاجاً لتجارب حقلية مُهَنْدسة وراثياً بطريقة غير مشروعة، ومنعت اليابان استيراد أنواع منه، ويظهر أن “الفوضى الخلاّقة” تجاوزت السياسي إلى الغذائي. لذلك - عزيزي المستهلك - تجنب الأرز الأميركي، “خلك في النثري”، ولا تنتظر “ظِفْراً” قد يخطف عينك، وسلامتكم.

في شرب الحليب

23 يناير 2007

كانت صورة ظريفة، اثنان من الوزراء يشربان الحليب مع مجموعة من الأطفال، أصبح هناك يوم للحليب في السعودية، ما توقفت عنده هو حشر “الوطني” في يوم الحليب، فهو اليوم “الوطني” للحليب، ولست أعلم لماذا تحشر “الوطنية” في كل شيء، هل هي مقياس لدرجة الاهتمام؟ ألا تلاحظون أن صفة الوطنية تم استهلاكها وفرغت من معانيها الجليلة، ولو كانت “البقرة” هي “الحيوان الرسمي” لبلادنا لقلت “الأمر معقول”، لكنني اعلم مثلما تعلمون أن “الحيوان الرسمي” لبلادنا هو البعير والناقة، ولدينا “مزايين” للإبل وليس لدينا “مزايين” للبقر! ولمن هم خارج السعودية، “المزايين” من “زين” فهو “مزيون” أي جميل، وهي مسابقات تُجرى لاختيار أجمل الإبل بحسب مواصفات معينة لا أفقه الكثير من تفاصيلها.
وأتمنى ألا أفهم خطأ، أنا أحب الحليب واشربه مثل الوزراء تماماً، ومن العلبة مباشرة، لكن من غير “مشلح”! وأحرص على الإنتاج المحلي الطازج فقد تركت المسحوق الهولندي من “أبو ولد” و ”أبو ضرع” منذ زمن طويل، يظهر أن هذا سبب “وطنيتي المتينة”! واقدر نجاح شركات إنتاجه، وأتمنى لها مزيداً من التقدم، إلا أنني إذا ما “قعدت مع نفسي” أو وقفت أمامها إذا ما رفضت الجلوس، تعتريني بعض التساؤلات، احد الوزراء قال في معرض الفخر بالإنتاج الوطني من الحليب أنه يصدر إلى الخارج! والجميع يعلم كم يحتاج إنتاج لتر الحليب من لترات الماء حتى يصل للمستهلك، اختلفوا في عدد لترات الماء لكنه عدد كبير يحرك نوازع العطش! فلماذا التصدير؟ “الاكتفاء الذاتي أمر كاف”، ومن تساؤلاتي وعجبي الذي لا ينتهي أننا استطعنا استيراد البقر الهولندي لنصبح من أكبر المنتجين للحليب والألبان، ولم نستطع الاستفادة من النوق إلا في “المزايين”!
هنا أتذكر تجربة لسيدة أعمال موريتانية، درست في انكلترا ثم عادت لبلادها وأسست معملاً لإنتاج حليب النوق، تخرج سيارات من معملها  كل صباح إلى المراعي لتجمع الحليب من أصحاب “الحلال”، ونجحت تجربتها تجارياً، وأصبح المعمل مصنعاً، استفادت وأفادت أصحاب “الحلال”، طرحت الفكرة على صديق “بعاريني”، أي يختلط كثيراً بالبعارين، فرد بحزم قائلاً: عيب! لماذا؟ العرف البدوي لا يجيز بيع الحليب، فهو يشرب ويهدى ويكرم به الضيف! إلا أننا نعلم أحوال مربي الإبل عند القحط والجدب، فهي لا تسر، في العام الماضي شاهدت قطعان الإبل تسير منهكة ضامرة من كل صوب في صحاري السعودية إلى الشمال، لتتزاحم على رقعة ربيع صغيرة. ربما لأن البقرة أجنبية أصلاً فيمكن بيع حليبها أما المواطنة الناقة، فلا يمكنها البيع، تماماً مثل ممارسة التجارة للموظفين!
أشجع على شرب الحليب للكبار والأطفال، خصوصاً أن بعض التلاميذ في الصور المنشورة كانوا يرمقون بنظراتهم أصحاب المعالي، ربما فكرت تلك الأدمغة الصغيرة أن شرب الحليب أقصر الطرق لكرسي الوزارة!

آداب الجوال

22 يناير 2007

تحولت حياتنا إلى جنة للفضوليين، لم يعد الواحد منهم في حاجة إلى جهد للبحث عن مصادر للمتعة وتفحص أحوال الآخرين، بل أتوقع أن الفضولي في هذا الزمن صار محتاراً، أي “القنوات المتحركة” يختار؟ خصوصاً أن معظمها “غير مشفر”، وأصواتها مرتفعة أكثر من محال بيع أجهزة الصوتيات والمرئيات، وتحول الهاتف الجوال النقال إلى منحة ومكرمة للفضوليين مع تكاثر المتحدثين بأصوات يسمعها النائم في غرفة معزولة، ويستغرب المرء من هؤلاء الذين يتصلون أو يردون على اتصال بأصوات شبيهة بعروض الدلالين في الأسواق الشعبية، ومن طبقات صوتية “نشازية”، من دون اهتمام بأحوال من حولهم ولا بخصوصياتهم، فتضطر إلى سماع حكايات عن مشكلات العمل أو العائلة، ولا يردع هؤلاء ماهية المكان، سواء كان مسجداً أم مستشفى أم غرفة ضيقة مكتظة بالمنتظرين، وليس لك إلا الهروب بعيداً، ويتحدث البعض من خلال الهاتف الجوال من دون وعي، فيرفع صوته وكأنه ينادي من على السطوح شخصاً آخر في قبو، والصوت المنخفض من آداب الحديث، ومع ذلك تجدهم مع أمثالهم من مستخدمي مكبرات الصوت، يرفعون أصواتهم أمامها على رغم أن وظيفتها التي صنعت من أجلها هي تضخيم الأصوات!
ومن آداب استخدام الهاتف الجوال ألا تتحدث بشؤونك الخاصة أمام الآخرين، خصوصاً في مكان مغلق، اخرج يا عزيزي وتحدث على راحتك، فإن لم تفعل فأنت تنتهك خصوصيات الآخرين، فما شأنهم بأحاديثك، وللأسف حتى الآن لا قيمة تذكر في مجتمعنا لخصوصية الفرد، وفي برنامج أميركي قام المعد بتجربة لطيفة، حيث جلس احد مساعديه في مطعم مكتظ والزبائن يتناولون الطعام مع عائلاتهم، وجعله يتحدث بصوت مرتفع من خلال هاتفه الجوال، ليرى ردود فعل الآخرين، بعض منهم تابع القصة باهتمام، وتذمر كثير منهم وطلبوا منه الخروج، وحاول أحدهم أن يخرجه عنوة، ومثل هذه البرامج الجيدة لا تستنسخ في القنوات العربية الفضائية، فهي تخصصت في برامج التعري والتصويت المدفوع، لا تستنسخ هذه البرامج المبدعة، لأنها تحتاج إلى أفكار وتفكير وهذه أمور صعبة على الفضائيات، على رغم أنها تسهم في تخفيف حدة التبلد لدى البعض وتذكره “ربما” بمن حوله. بيننا أناس وهم في مكان عام “يندمجون” معتقدين أنهم في غرفة نومهم الخاصة! يظهر أنهم لا يملكون مثل هذه الحرية في تلك الغرف المغلقة، فينفسون عما في صدورهم خارجها. أما الفضولي في هذا الزمن فإن جميع حواسه في حالة انتشاء ومتعة لا تضاهيها متعة، أينما ذهب وجد قنوات غير مشفرة “تلعلع” فيجلس بهدوء ليروي عطشه.