أرشيف شهر فبراير 2007

عندك إثبات؟

28 فبراير 2007

الإعلان عن إنشاء هيئة لمكافحة الفساد في السعودية لم يكن مفاجأة. كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز أشار إلى اهتمامه بمكافحة الفساد في خطابه أمام مجلس الشورى. هنا يصبح قرار مجلس الوزراء السعودي الأسبوع الماضي تأكيد القول بالعمل.
يعدّ إنشاء جهاز لحماية النزاهة ومكافحة الفساد نقلة نوعية في المملكة، كان هناك فراغ وتشتت وضعف في أجهزة رقابية صغيرة تعمل حالياً في الجهاز الحكومي. ومثلما يؤمل أن تكون هذه الخطوة الكبيرة نقلة نوعية ينتظر أيضاً أن يُسَارَعَ في إنشائها، فلا يتأخر ظهورها ومباشرتها للعمل، وتصاب بما أصيبت به هيئات أخرى مهمة وضرورية، إذ فتك بها داء البطء والبيروقراطية، فكان بين إعلان العزم على إنشائها والبدء الفعلي سنوات طوال، ثم تأتي سنوات لنزع الصلاحيات من جهات مختلفة لمصلحة الهيئة الوليدة، ثم ورش عمل وجولات مكوكية في أرجاء العالم، للاستفادة من الخبرات “المتجددة”! وهكذا! هذا الأسلوب أدى إلى تفاقم ظواهر سلبية مختلفة، وأعطى مساحة مكشوفة للمخالفين والمستفيدين من ثغرات الأنظمة وكلّف الاقتصاد والمجتمع خسائر هائلة، ومثلما هناك هيئات تأخر إنشائها على رغم صدور قرار بذلك، هناك قرارات مهمة صدرت ولم تنفذ، وأنظمة قيل إنه سيتم تطويرها ولم يحدث ذلك، من المهم بمكان أن تحدد فترة زمنية مناسبة للانتهاء من نظام هيئة مكافحة الفساد واختيار فريق العمل فيها، هذا الحِمْل الثقيل يقع على هيئة الخبراء في مجلس الوزراء، ومجلس الشورى.
الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ صالح الحصين، وهو بالمناسبة شخصية “استثنائية” كما ذكر الدكتور حسن الهويمل، وفي محاضرة بعنوان: “الإصلاح… الشرعية والمنطلقات العملية”، نقلت “الحياة” طرفاً منها، يؤكد “الارتباط القوي بين الإصلاح والدين، خصوصاً في المجتمعات الإسلامية، ومنها المجتمع السعودي”. وما قاله الشيخ صحيح، وما ينشده ويتمناه ويأمل به أفراد هذا المجتمع هو أن ينطبق هذا الارتباط على واقع الحال، ويضيف الشيخ أن “إصدار القواعد القانونية من دون ضمان متابعة حسن تنفيذها أقوى عامل للفساد الإداري”. انتهى.
متابعة حُسْن تطبيق الأنظمة مطلب منشود، أليس غريباً في مجتمعنا ألا تذكر إلا بعض أخبار وصور تطبيق القوانين على صغار المرتشين فقط لا غير، وكأن هناك سقفاً رقمياً لا يتم تجاوزه؟ كما أنه لا يذكر أحد تطبيق نظام على سوء استخدام النفوذ الوظيفي! في تقديري نستطيع القضاء على الفساد، إذا كافحناه مثلما نكافح الإرهاب، عندها سنحقق النجاح.

محاولة للفهم

27 فبراير 2007

لتوافر المادة الخام الثرية، يمكن لك أن تقوم بإنتاج فيلم وثائقي بعنوان “أغرب السرقات في السعودية”، ويتوج هذا العمل بقفلة ولا أروع، إذ تم القبض على ثلاثة عمال يمنيين وهم يسرقون كيابل جسر الجمرات في مكة المكرمة قبل أيام! في جانب آخر اكتشفت بلدية حي النسيم في الرياض، أن بعض سائقي سيارات “السطحات”، وهي تستخدم لنقل السيارات المتعطلة، يقومون بسرقة أجزاء منها، ونشر الصحافي علي الرويلي من صحيفة “الرياض” صوراً لموقع المسروقات.
هذه السيارات “السطحات” وهي واقفة، تذكرني بمشاهد الطيور الجارحة وهي تنتظر فرائسها في برامج الحياة البرية. أصبحت تنقض بمخالبها على السيارات المتعطلة، لا يكفي ان تقع لك حادثة أيضاً ستتم سرقتك، والسؤال لجهاز المرور في المدن وفي الطرق الطويلة، هل هناك تنظيم لعمل هذه السيارات؟ وهل تم التأكد من شخصيات سائقيها وأوراقهم؟ هناك شكاوى عدة عليهم ممن اضطروا للتعامل معهم, فإذا كان بعض منهم حوّل أراضي حكومية إلى مواقع للتشليح، “وشلحوا ما اسعفوه”، فهل تم اتخاذ إجراء حاسم يعيد ترتيب أوضاعهم جميعاً؟
أوردت نموذجين لأنواع من السرقات، وفي مقالات سابقة ذكرت أكثر، ولمحاولة الفهم يلاحظ المتابع أنه لا يجري الحديث عمن يشتري المواد الخام المسروقة، خصوصاً تلك التي تزن أطناناً بعد تجميعها، النحاس وما في حكمه لا يشترى إلا من جانب من يستخدمه، بحسب فهمي المتواضع، ولا يمكن أن تشتري كميات من هذا النوع إلا معامل او مصانع تستخدمها او جهات تصدرها للخارج، فلماذا لا يظهر هذا للسطح، إذا “كُفّت” يد المشتري عن الشراء ستتلاشى السرقات. أستمر في محاولة الفهم، ولنأت إلى قضية “المرارة الطحينية”، في ما عدا بيان هيئة المواصفات والمقاييس، وهي الجهة المعتبرة لتأكيد الممنوع والمسموح، وبعد بيان “أمانة الرياض” عن الملاحقة والإتلاف، لاحظت أن البيانات الأخرى تصب “مباشرة” في خانة “الفزعة للمصانع” التي لا يجري ذكر أسمائها. امتازت البيانات الأخيرة بلهجة شديدة وقاطعة وتناقض فريد يثير الأسئلة ودهشة قديمة متجددة، يوضح ما ذكرته سابقاً من أن “الطاسة ضائعة”. جهات رسمية تقول إن هناك مخالفات في مادة محددة ولا يجري الإعلان عن المخالفين، فكيف لنا أن نتوقع إعلاناً عن أسماء من يشترون المسروقات وهم يشترون في الظل. أصبحت لدينا حلاوة في الرياض، وحلاوة أخرى في جدة، بعد بيان فرع التجارة في جدة. اللهم لك الحمد والشكر، الحلاوة نعمة من الخالق وفضيحتها نعمة أخرى.
إن عدم تحرك جهة أعلى لحسم هذه القضايا والتحقيق في ملابساتها، يجعل الوضع يبقى على ما هو عليه، ويحتم عليك أن تحرس جسدك، لا تنسَ أن بداخله أليافاً عصبية يمكن سرقتها، وأنت لاهٍ في ذوبان حلاوة في فمك لا تعرف مكوناتها، هل هي من الرياض أم من جدة؟

“عمر والتشيع”

26 فبراير 2007

يختم المفكر العراقي حسن العلوي كتابه المثير “عمر والتشيع… ثنائية القطيعة والمشاركة”، بحلم قصي، الحلم أن يجتمع “ربع عمر” مع “ربع علي”، ويستعير المصطلح من الدكتور علي الوردي، والمعنى أن يلتئم شتات الشعب العراقي في وحدة وطنية، لا رائحة للطائفية البغيضة في نواحيها، والكتاب سيحدث ضجة إن لم تكن بدأت، قد تختلف مع العلوي أو تتفق، إلا أن له رؤية ونهجاً إصلاحياً يطرحهما في لحظة خطيرة من تاريخ المنطقة، هو يغوص في قضية شائكة شغلت المسلمين وما زالت جمراً تحت الرماد تشعله جولات الساسة الغربيين. حسن العلوي من أسرة شيعية عراقية، يبدأ من يوم السقيفة، ليسطر كتاباً ينتصر فيه للخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يضعه في المكان الذي يضعه فيه كل منصف. هذا الانتصار لم يكن على حساب علي بن ابي طالب كرم الله وجهه. كما قد يبدو لأول وهلة لدى البعض، بل على حساب “التشيع الصفوي”، الذي يوضح العلوي الفرق بينه وبين “التشيع العلوي”. يعتبر المؤلف ان عمر بن الخطاب هو مؤسس العراق العربي، والعلوي إذا ما تحدث عن عمر بن الخطاب ترى قلبه على لسانه، هو يناقش باستفاضة جملة من النصوص التي تنتقص من الخليفة الثاني، فيفندها   ليصل إلى أن الصورة المستقرة الآن في أذهان بعض الشيعة عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب (رضي الله عنهما) لها أصل سياسي بفعل ساسة الدولة الصفوية، وبإسهام من بعض فقهائها. ولا يترك العلوي أهل السنة، فهو مثلما يراهم الآن قد أهدوا العراق إلى ايران، يستنتج أنهم عندما لا يفرقون بين التشيع الصوفي والتشيع العلوي، فإنهم يدفعون بالأخير إلى أحضان الأول، فتتفاقم الكارثة ونصل إلى “تعجيم الشيعة”. والكتاب محاولة إصلاحية، ستثور على المؤلف بسببها النيران من هنا وهناك، ويصدر الكتاب عن “مكتبة العبيكان” هذا الأسبوع.
يفتح الكاتب آمالاً عراضاً من أول صفحة، فيكون الإهداء إلى رجل من الأعظمية، المدينة السنية، عثمان بن علي العبيدي، استشهد غرقاً بعد إنقاذه لسبع  أرواح. مات وهو يحاول إنقاذ الثامن في تفجير الجسر الشهير. المفارقة أن الثمانية من الكاظمية “الشيعية”. لو كانت هناك حكومة وحدة عراقية لشيدت له نصباً تذكارياً! ويطالب المؤلف حكومة إيران بفحص الكتب التاريخية. ويكشف العلوي عن  مزار “أبو لؤلؤة المجوسي” هناك، حيث سأل مسؤولاً “كبيراً جداً” في “الحكومة الإسلامية” عن حقيقة وجود هذا المزار فأجاب بنعم!
أذكر أن الشيخ “التسخيري”، صاحب التقريب بين المذاهب، قال على قناة الجزيرة إنه لا يعلم عن “المزار” شيئاً! في “عمر والتشيع” يضع المؤلف رأسه على  كفيه، أراه يصرخ  صرخة غيور على أبناء أمته العربية، لعلها لا تكون صرخة في وادٍ.

“المرارة الطحينية”!

25 فبراير 2007

“إلا أن ما تم اكتشافه لا يمثل ظاهرة مقلقة، ولا يمكن أن يصدر بموجبه حكم يُعمم على جميع ما يصنع ويباع في الأسواق من هذه المنتجات، وتعمل الوزارة على تطبيق لائحة الغرامات والجزاءات عن المخالفات البلدية بحق من تثبت عليه المخالفة ومصادرة ما تثبت مخالفته ومتابعة المصنعين والمستوردين لتصحيح وضع منتجاتهم بما يتطابق مع المواصفات” انتهى. هذا جزء من بيان وزارة الشؤون البلدية والقروية حول قضية الحلاوة الطحينية واستخدام مادة ثاني اكسيد التيتانيوم في صناعتها. ولي معه وقفات، حيث أنار البيان بصيرتي بأن القضية لا تمثل “ظاهرة مقلقة”، بقي أن يفسروا لنا ما هي الظاهرة المقلقة؟ في تقديري أن ما يبعث على القلق أن تحجب معلومات عن عامة الناس ويتم تداولها لدى الخاصة، ويبدو لي أن البيان صدر بسبب التعميم الذي قال البيان عن حصوله، اقرأ هذا النص: “ولا يمكن أن يصدر بموجبه حكم يعمم على جميع ما يصنع ويباع في الأسواق من هذه المنتجات” ولك ان تتلمس مرارتك، لأن اسم “تنكة” حلاوة طحينية أهم من صحتك! أما سبب صدور مثل هذا الحكم “التعميمي” فهو ظاهرة “التعتيمي” الذي تُسأل عنه البلديات والأمانات، ولست أعلم ما فائدة تطبيق الغرامات في السر، ومن دون ذكر أسماء. وإذا سلمنا بأنها ليست “ظاهرة مقلقة”، فكيف يتم إتلاف الأطنان منها؟ اقرأ معي: “أكد المدير العام للإدارة العامة لصحة البيئة في أمانة منطقة الرياض المهندس سليمان بن حمد البطحي إتلاف 11 ألف كيلوغرام من الحلاوة الطحينية، تم سحبها من مراكز التموين والمحال التجارية في العاصمة، بعد أن أثبت مختبر الجودة النوعية في الرياض تورطها في إضافة مادة ثاني أكسيد التيتانيوم بنسب عالية. وقال البطحي إن عدم ذكر مصانع الأغذية إضافتها لمادة ثاني أكسيد التيتانيوم على البطاقة يعتبر غشاً وتدليساً على المستهلك، مشيراً إلى أن عدم ذكر المصانع المخالفة والمنتجة للحلاوة الطحينية نسب إضافتها لمادة ثاني أكسيد التيتانيوم يُعد مخالفة صريحة” انتهى. وليست الأمانة بأفضل حالاً من الوزارة، إذ يقول مدير صحة البيئة: “إن عدم ذكر مصانع الأغذية إضافتها لمادة ثاني أكسيد التيتانيوم على البطاقة يعتبر غشاً وتدليساً على المستهلك!” إذا كان هذا التصرف من المصانع يعد غشاً وتدليساً على المستهلك فماذا “يُعدّ” عدم ذكر أسماء المصانع المخالفة في قضية تتعلق بالحلاوة؟ ربما يعد هذا التصرف من البلديات والأمانات حرصاً على مرارة المستهلك!

النوم وأسامة في الغرفة المجاورة

24 فبراير 2007

لم أستغرب كثيراً ردود فعل الإعلام والشارع الأميركي عندما قرأت خبراً نشرته صحيفة “الحياة” بقلم الزميل ناصر البراق، عن قضية طالب سعودي مبتعث للدراسة في الولايات المتحدة اسمه أسامة، حيث نشر الشاب إعلاناً مبوباً يبحث من خلاله عن عائلة أميركية للسكن لديها كرافد لتعلمه اللغة الإنكليزية، ولأن الاسم لا يذكر الشعب الأميركي سوى بأسامة بن لادن ثارت قذائف الاعلام، وطارت بالخبر قناة NBC، وعرض المذيع قصاصة من الإعلان ساخراً منه ومن صاحبه. من التعليقات التي نشرتها “الحياة” قول احدهم: “لدينا غرفتان جميلتان في غوانتانامو”. وآخر قال: “أحضر معك غنمك”، والله اعلم ماذا سيحدث للطالب. ويلاحظ انه بعد سنوات من أحداث أيلول (سبتمبر)، لم نستطع ان نفصل بين ما قامت به مجموعة فيها سعوديون، بحسب الرواية الأميركية، والسعودية الدولة والمجتمع، على رغم أن هذه المجموعة تحارب من قبلهما، فهل يحق لنا أن نقف موقفاً مماثلاً من أميركي لأن اسمه جورج أو دونالد بسبب ما يفعله الرئيس جورج بوش ووزير دفاعه المخلوع بإخوة لنا وبلاد عزيزة على قلوبنا، فأحالوها إلى دمار وأشعلوا فيها حروباً أهلية طائفية، وقتلوا أبناءها بالجملة، وأسسوا لأحقاد وفتن، لا يمكننا ذلك بالتأكيد، لأن الدين الإسلامي علمنا ألا نأخذ البريء بجريرة المجرم، والذي لم نستطع إيصاله للمجتمع الأميركي، والغربي عموماً أننا لسنا على خلاف مع المجتمع ولا علاقة لنا بأسلوب حياته، نراه حراً كما نرى أنفسنا أحراراً، ولا تعارض، جذور قضيتنا مع سياسة حكومتهم الخارجية، التي ربما يشتكي منها بعض المنفتحين منهم، هذه السياسة الخارجية المتشنجة هي التي قلبت رأساً على عقب كل التعاطف مع المجتمع الأميركي أثناء أحداث أيلول وحولته إلى عداء وكراهية، السياسة الأميركية ودوافعها الاستعمارية مسؤولة عن سوء التعامل مع كارثة غالبيتنا كانوا متعاطفين مع ضحاياها وأسرهم، وهي السياسة نفسها التي ما زالت تدعم ضد حقوق بعض منا وبحزم سوسة الكرة الأرضية المسماة إسرائيل، هذا هو اللب الذي يجب أن يصل للجمجمة الأميركية، وهو ما فشلنا بامتياز في تحقيقه، إن العمل المنظم والمتقن البعيد عن “التنفيع التجاري”، هو السبيل الوحيد لإنارة ما استشكل على العقل الأميركي الشعبي، بدلاً من رجم الإعلام الأميركي بالحاقد والمتطرف والمنحاز. أما مصير الشاب السعودي أسامة فتقع مسؤوليته على من ابتعثوه، الواضح من حوادث جرت وتكررت لبعض الشباب المبتعثين في الولايات المتحدة أو كندا، ومعظمهم من صغار السن، يشير إلى أنهم لم يهيأوا التهيئة الصحيحة لمعرفة المجتمع الجديد والتعامل معه، وكأنهم خضعوا لبرنامج خدمات توصيل سريع اسمه “خذوه فابتعثوه”.