أرشيف شهر مارس 2007

تل “فريدمان”

31 مارس 2007

يتجاوز الكاتب الإسرائيلي الهوى توماس فريدمان المبادرة العربية التي كان هو شخصياً من أوائل من اطلع عليها، ولم يقدم لها شيئاً يذكر سوى الاستفادة الشخصية بأسبقية النشر، ويتجاوز كل ما فيها من نوايا طيبة وبحث صادق عن السلام ورفع الآلة العسكرية الإسرائيلية المتغطرسة عن ظهور الفلسطينيين، بل ويتجاوز إهمال الدولة الصهيونية للمبادرة وعدم الرد عليها طوال خمسة أعوام، يتجاوز فريدمان كل هذا ليقطع الطريق على تجديد إطلاق المبادرة من قمة الرياض، بالتهوين من تجديد الرغبة في السلام العادل الشامل لأن هذا سيزيد من حرج إسرائيل دولياً، ويطلب “متواضعا”! من الملك عبدالله بن عبدالعزيز حمل هذه المبادرة شخصياً إلى تل أبيب، يحفر فريدمان في مقاله المنشور في الـ ”نيويورك تايمز” مثل السوسة النخرة، فيضع الدور السعودي بديلاً عن الدور المصري، والعرب يرونهما متكاملين لا متنافسين، كما يريد فريدمان تصويره، لكنه في بحثه المحموم عن مصلحة إسرائيل أولاً وعاشراً بعد المليون، يتجاوز الحدود ليخطط للزيارة التي يحث على القيام بها، ومما كتب: “وتساورني قناعة لا تهتز، بأنه في ما لو أقدم العاهل السعودي على هذه الخطوة، فسيكون بوسعه وضع حد نهائي وشامل للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي.
وإنني لأتقدم باقتراح متواضع للعاهل السعودي، أدعوه فيه إلى التوقف خلال رحلته هذه، في أربع محطات. أقترح أن تكون أولاها في المسجد الأقصى في القدس الشرقية. فبصفته خادم الحرمين الشريفين، فإن باستطاعته انتزاع ذلك المطلب العربي الإسلامي بالمسجد الأقصى، فيما لو أدى الصلاة فيه. ومن هناك يمكنه التوجه إلى رام الله، وإلقاء خطبة في البرلمان الفلسطيني، يوضح فيها مبادرته… وفي إمكانه أن يضيف أيضاً أن العالم العربي على استعداد لدعم أية صفقة يتوصل إليها الفلسطينيون مع تل أبيب، سواء تعلقت بحق اللاجئين في العودة، أم بتبادل الأراضي، فإنها يمكن أن تتضمن إمكان بقاء بعض المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في مقابل حصول الفلسطينيين على ما يعادلها من “الأراضي الإسرائيلية”. أما المحطة الثالثة، فيمكن أن تكون “ياد فاشيم” وهي موقع تذكاري لستة ملايين يهودي قتلوا في ما يعرف بجرائم “الهولوكوست” النازية. ذلك أن لزيارة كهذه أثراً سحرياً خاصاً في قلوب اليهود، فضلاً عن أنها تؤكد لهم رفض العالم الإسلامي إنكار الرئيس الإيراني المتشدد أحمدي نجاد، تلك الواقعة التاريخية المؤسفة،….، ثم ينتهي به المطاف أخيراً إلى الكنيست الإسرائيلي، حيث يمكنه عرض مبادرته السلمية”. انتهى.
فريدمان لا يتورع عن حشر إيران في خطته، فهذا ما يحقق أهدافه “السامية” الإسرائيلية، ولست أعلم من أين أتى فريدمان بيقينه الذي لا يهتز؟ فهل هو متحدث باسم إسرائيل؟ وإذا نظرت إلى فريدمان المبجل في العالم العربي كيف يخلص لإسرائيل، ونظرت إلى بعض الكتاب العرب الذين يهتدون بهديه، لا تملك إلا أن تفغر فاك دهشة.

مبادرة النهوض

30 مارس 2007

على رغم المرارة في خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، إلا أن الحروف والكلمات تشبعت بالأمل والتفاؤل والتطلع إلى مستقبل أفضل للعرب جميعاً، شخّص رئيس القمة العربية التاسعة عشرة الأمراض التي تنخر في جسد الأمة العربية ومسبباتها، في خطاب قصير ثري، وضع النقاط على الحروف، عندما قالها بكل صراحة إن مسؤولية الوضع العربي المتردي تقع على القادة أنفسهم.
 طوال عقود كانت الجامعة العربية مثاراً للتهكم والسخرية من العرب أنفسهم، جسد بلا حراك فاعل ومؤثر، تحولت الجامعة إلى وعاء ترمى  عليه الملامات، مع علم الجميع أن كل إناء بما فيه ينضح، بعد أن يمر على الجروح العربية في فلسطين والعراق والسودان والصومال ولبنان،  يضع الملك عبدالله قادة العرب أمام مسؤولياتهم في خطابه التاريخي ليقول:
“والسؤال ماذا فعلنا طيلة هذه السنين لحل كل ذلك؟ لا أريد أن ألقي اللوم على الجامعة العربية، فالجامعة كيان يعكس أوضاعنا التي يراها بدقة. إن اللوم الحقيقي يقع علينا نحن قادة الأمة العربية، فخلافاتنا الدائمة، ورفضنا الأخذ بأسباب الوحدة، كل هذا جعل الأمة تفقد الثقة في مصداقيتنا، وتفقد الأمل في يومها وغدها”.

بعد هذه الجرعة من الصراحة والشفافية والتشخيص الدقيق لواقع الأمة، يقدم الملك عبدالله بن عبدالعزيز، الأمل وأولى خطوات النهوض من هذا الواقع المرير: “إن الفرقة ليست قدرنا، وإن التخلف ليس مصيرنا المحتوم، فقد منحنا الله جلت قدرته الكرامة، وخصنا بعقول تستطيع التفرقة بين الحق والباطل، وضمائر تميز الخير من الشر، ولا ينقصنا إلا أن نطهر عقولنا من المخاوف والتوجس، فلا يحمل الأخ لأخيه سوى المحبة والمودة، ولا يتمنى له إلا الخير الذي يتمناه لنفسه”.
“إنني رغم دواعي اليأس مليء بالأمل، ورغم أسباب التشاؤم متمسك بالتفاؤل، ورغم العسر أتطلع إلى اليسر”.
ولا شك أن أحوال الأمة العربية المتردية، وتطلع كثير من الدول الأجنبية للهيمنة على مقدراتها واستلاب ما تبقى من حرياتها، سببها فقدان ثقة الأمة في نفسها، وهي مسؤولية القادة قبل الشعوب، من هنا وفي جمل قصيرة  يضع خادم الحرمين الشريفين أمام القادة العرب سبل طريق الخلاص: “إن أول خطوة في طريق الخلاص هي أن نستعيد الثقة في أنفسنا، وفي بعضنا البعض، فإذا عادت الثقة عادت معها المصداقية، وإذا عادت المصداقية هبت رياح الأمل على الأمة. وعندها لن نسمح لقوى من خارج المنطقة أن ترسم مستقبل المنطقة”.
الخطاب الملكي أمام القمة العربية التاسعة عشرة مشروع لبداية عربية جديدة، هو مبادرة سعودية عربية لإصلاح الشأن العربي، تلمس في ثناياها صدق العزيمة والأمل الكبير بالأمة، لم يبق إلا أن تجد الأثر المطلوب.

السلام على الرف

29 مارس 2007

نيات العرب الإيجابية تجاه السلام، تمثلت بالمبادرة العربية التي طرحت في بيروت قبل حوالى خمس سنوات، وضعت الدول العربية فيها أقصى ما لديها. في مقابل هذه المبادرة المتفق عليها عربياً لم تقدم إسرائيل سوى السخرية منها، وسط إهمال أميركي - غربي متعمد، فهل يمكن الآن التفاؤل باهتمام أميركي، جديد، بهذه المبادرة؟ أم أن التصريحات الصحافية التي سبقت قمة الرياض ليست سوى جرعات مخدرة تعودنا عليها من السياسة الأميركية؟
تستبق وزيرة الخارجية الأميركية انعقاد قمة الرياض الذي ينهي أعماله اليوم، بتصريح تشير فيه إلى استبعاد المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية المباشرة، لم يحن وقتها بحسب تعبيرها، وفي هذا رسالة نيات أميركية واضحة المعالم تجهض أدنى درجات التفاؤل.
 المبادرة متفق عليها عربياً، إلا أن البعض يسوغ لإسرائيل وأميركا عدم الاهتمام بها لأن طرفاً لم يعلن تأييده لها، يقصد به “حماس”، هذه الصيغة في طرح القضايا لا يمكن فهمها إلا أنها جزء من العمل الإعلامي التخريبي للجهود والمواقف العربية… والهدف هو إعادة المبادرة إلى منبعها، إما بطلب التعديل الذي ستتبعه طلبات أخرى “إسرائيلية بثياب أميركية”، أو بالقول إن هناك من لم يوافق، ويجب الضغط عليه، ولا يستغرب، لاحقاً، أن يطلب من كل مواطن عربي المشاركة في استفتاء تشرف عليه إسرائيل ليبصم بإبهامه بالموافقة!
أفضل موقف عربي تم اتخاذه هو الرفض القاطع للتعديلات التي طالب بها بعض الساسة الصهاينة، وينتظر من قمة الرياض أن تؤكد على ذلك بالإجماع في بيانها الختامي الذي يصدر اليوم.
واقع السياسة الأميركية التي خبرناها عن قرب، يجعل المتابع “العربي” لا يرى أية إشارات تدفعه للتفاؤل بموقف أميركي جديد، سواء من المبادرة أم من حل شامل ونهائي للقضية الفلسطينية، السياسة الأميركية في المنطقة ما زالت تدار من تل أبيب، وما حدث ويحدث في العراق نموذج صارخ، والحل النهائي لقضية فلسطين المحتلة موضوع على الرف الإسرائيلي، ولا أحد يواجه عنجهية الدولة الصهيونية، تقدم لها مبادرة لتطلب المزيد. وطوال عقود لا يذكر للسياسة الغربية المهيمنة على المنطقة، أميركية كانت أو بريطانية، قيامها بضغوط - ولو صورية - على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، زيارات الساسة الغربيين لتل أبيب غرضها التزود بالوقود للمناورة السياسية، الضغوط والمطالبة بالتنازلات تنهمر على الجانب العربي فقط، ويستفاد في التسويف من الخلافات العربية المتجددة، فيما يتم تضخيم أمور لأجل الغرض نفسه، من ذلك لا يمكن للمواطن العربي أن يتفاءل بتصريحات سيتم لَحْسُها عاجلاً أو آجلاً.

أطفال الفضاء

28 مارس 2007

في رسالة بعنوان “في بيتنا نيران صديقة” تكتب الدكتورة “لمياء شمت”، عن تأثير قنوات الأطفال الفضائية في أطفالنا، العنف وسيادة مبدأ القوة هو المخزون الذي يترسب في عقل الطفل من معظم ما تبثه تلك القنوات، وبحرقة مؤثرة تقول الدكتورة لمياء: “كأن بين تلك القنوات رهان مضمر على الحفر التخريبي في قاع عقل وروح أطفالنا. فهي تفتح فوهات العنف على أشدها… عنف طافح… جسدي ولفظي تؤكد معناه كائنات بشعة منفرة ومسوخ مقززة تجسد معاني القبح والأذى، برؤوسها المدببة ذات الزوائد المسننة، وأطرافها الافعوانية وأعينها الحارقة وأجسادها المدججة بكل مهلك فتاك. نعم سلعة العنف معروضة نهاراً جهاراً, ونحن في غفلتنا سادرين, عنف يغرس في نفوس أطفالنا بكل معناه المعجمي ودلالته النفسية وطاقته التعبيرية والحركية والأدائية واللغوية والصوتية تقريراً وإعلاناً وإيماء وإيحاء. عنف لزج وخيم يرهق أرواح أطفالنا وينتهب براءتهم ويدنس بياض عوالمهم الشفيفة ويفرغ في ذاكرتهم زحام من الضداد المتنافرة، ما ينمط معارفهم ويشحذ فيهم الكم الأكبر من السوالب والنواقص، بل ويرسخ بتراكم مقصود صوراً سالبة شائهة قوية الأثر شديدة التركيز حادة الملامح. ولا أتردد في أن أقول, على رغم أنف نظرية المؤامرة، إن الأمر يحركه ويغذيه مضمر أيديولوجي راسخ القدم واضح الأهداف والنوايا. ولكل من يظن أن في الأمر مبالغة أن ينفق ساعة يتيمة أمام تلفزيونه ليرى كيف يقوى خط العنف وتدعم حلقاته ويرسى تغلغله النافذ في وعي الأطفال”. أكتفي بهذا القدر من الرسالة الساخنة، لأضيف أن ما تصفه الكاتبة بالمؤامرة له أصل تجاري بحت يستند على فراغ إنتاجي إداري قيمي متأصل، يشبع جوعه بالنسخ والدبلجة، ويبحث عن الإعلان حتى لو كان عن سم الفئران! نتحدث عن الأطفال أكثر مما نفعل شيئاً لهم، وإذا بحثت عن منافذ هذه القنوات تجدها تنفذ إلى طفلك من خلال قمر اصطناعي تمتلكه دول لها سياسات معلنة لا تطبقها على تلك القنوات، وهي لم تأتي بجديد بل استنسخت أعمال قنوات أجنبية، إلا أنها لم تلتزم بما في تلك من إرشادات وتعليمات للأطفال حتى لا يقلدوا ما يشاهدوا، وعلى المستوى الأرضي تقوم جهات بعمل فعاليات للأطفال وأسرهم، يقام فيها بعض النشاطات مثل السيرك وألعاب القوة، وقبل أيام أقيم مثل هذا جوار “ممر الزهور” في الرياض وكان من الفعاليات ثني الحديد وتكسير الخرسانة، ولا يعلن لا قبل ولا بعد تحذيرات للأطفال من تقليد هذه الأعمال العنيفة والخطرة، على رغم أنهم أكثر المشاهدين عدداً وأسرع المقلدين، وتداعيات تقليد إعدام صدام حسين على الأطفال وموت بعضهم شنقاً أبلغ دليل.

تطلعات القاع

27 مارس 2007

تضخيم الأهداف قد يكون سبباً في عدم تحقيقها جميعاً، لذلك مطلوب من القمة العربية أن تحقق الحد الأدنى، التباين في السياسات وأدواتها بين المجتمعين في الرياض اليوم أمر معلن، بل أصبح من مصادر الخلافات الرئيسية، والسؤال يقول: هل ما زال هناك امن عربي مشترك؟ أمن يجمع الدول العربية، له حدود حمراء واضحة المعالم، تقف عندها سياسات كل دولة صغرت أم كبرت، لقد تجاوز الإعلام العربي البيانات الإعلامية السياسية التي كانت تبث بعد كل اجتماع، لتكرر القول عن “تطابق وجهات النظر”، من الواضح انه لم يعد هناك كثير من “تطابق وجهات النظر”، أو أن هذا التطابق لم يكن موجوداً أصلاً مع اتفاق على عدم الإعلان عنه، إلا أن هذا لا يجيز تحول “عدم التطابق” إلى خلافات مستعصية وشحن متبادل واتهام بالنقص أو شبهة الخضوع لتحكم مرجعيات أجنبية في شؤون عربية، وقرارات القمة العربية المنعقدة في الرياض ينتظر أن تكون قريبة من هموم شعوبها، لم يعد العربي يفكر في الوحدة العربية، ولا في “الولايات العربية المتحدة”، ولا في السوق العربية المشتركة، ترسخ في ذهن هذا المواطن انه كلما ظهرت الوحدة والاتحاد والمشاركة في شأن عربي فشلت بامتياز، حاجات المواطن العربي ما زالت في الغالب الأعم الحاجات الدنيا، المواطن العربي لا يريد سوى الحفاظ على كرامته الإنسانية بكل ما يستلزم الحفاظ عليها، من مستوى معيشة مرتفع وحسن المعاملة من السلطة السياسية، لكن لا ينتظر من القمة العربية أن تبحث الشؤون الداخلية العربية، أو شؤون الشعوب العربية، عهدنا القمم العربية تبحث وتتحدث عن أوضاع المنطقة، وعلى رأس جدول الأعمال دائماً، فلسطين المحتلة وانضم لها لاحقاً العراق ودارفور السودان والصومال ولبنان، لتنتج قرارات وتوصيات، تنفرط بعد فترة، ولا تتمكن جولات مندوبي الجامعة العربية من جمعها مرة أخرى.
لقد كان الإجماع العربي لفترة طويلة إجماعاً صورياً، يلتئم تحت كلمات فضفاضة يفسرها كل طرف على حسب رغبته أو مصالحه، آن الأوان لأن لا نصطدم بالحاجة إلى إجماع من كل الدول الأعضاء في الجامعة العربية، وليس هذا تقليلاً من واحدة منها، لكن تجربة الجامعة طوال العقود الماضية تحتم ذلك، ولو كان هناك أسلوب للعمل مثل أسلوب هيئة الأمم المتحدة ومجلس أمنها، مع شوائبها، لكانت فرص التقدم في الإنجاز أكبر، ولا يتوقع مثل هذا، إلا أن الدول العربية التي تمتلك الثقل وامتازت سياساتها بالحكمة والتروي والابتعاد عن التدخل السلبي في الشؤون الداخلية للآخرين معنية بالتكاتف، لقيادة هذا المجموع المضطرب، حتى لا يستمر نهباً للتدخلات والإملاءات الخارجية، التي تصل موجاتها السلبية لكل الدول الأعضاء وشعوبها.