أرشيف شهر أغسطس 2007

اللهم لا حسد

31 أغسطس 2007

يعلم الله أني كررتها ثلاث مرات، اللهم لا حسد، بل غبطة، والغبطة مشروعة، فهي رغبة في نيل نجاح لشخص من دون تمني زوال النعمة عنه، أما الحسد ففيه تمني لزوال نعمة المحسود والعياذ بالله في صورة مكبرة دقيقة من صور ضيق العين والقلب، أما من الذين أقول في شأنهم اللهم لا حسد، فهم زملاء من الكُتاب في بعض الصحف السعودية لا يحرصون سوى على نقاش وطرح شؤون خارجية، يفضل دائماً أن تكون أبعد ما يمكن عن المكان الذي يعيشون فيه أو يعيشون منه، مواضيع وقضايا كثيرة يتناولونها أحياناً مع نشر الصورة الشخصية، وأحياناً أخرى من دون، قضايا مثل مستقبل علاقة تايوان بالصين الشعبية، ونظام الدرع الصاروخية وأثره في أمن روسيا ودول آسيا الوسطى والعالم، أو ملاسنات جورج بوش مع نوري المالكي، وهل يحق للأخير رفع صوته في وجه من أتى به حفاظاً على الجميل، وغيرها من عناوين تكفي لمقال كامل.
ولا تأتي هذه الاهتمامات، بعيدة المدى، مرة أو مرتين كل فترة لتكون طبيعية ومفهومة فرضتها أحداث موقتة، بل هي الخط الثابت لكتابات هؤلاء الزملاء منذ أن امتشقوا صهوة الكتابة، ولا توجد استثناءات لها إلا نادرة لتثبت القاعدة.
وغبطتي لهم ناشئة من رغبة في أن اكتب مثلهم عن البعيد هناك، الذي لن يقرأ أو “يجيب خبر” عما اكتب، وبالتالي لن يتأثر، والقريب الذي سيعتبرني مثقفاً وكاتباً مميزاً ومطلعاً على الشؤون الدولية، وربما خبيراً فيها تجدر استشارته.
وفكرت في هؤلاء الزملاء الأعزاء وكيف يكتبون، حتى أني ظننت أنهم قبل الكتابة يمسكون بمنظار مقرب بالمقلوب، أو أن جدران مكاتبهم تحتلها شاشات فضائية تم، بالقفل تحديد قنوات أجنبية لا غير للبث على سطحها، مع أن بعضاً من هؤلاء الزملاء يسلكون الطرق ذاتها التي نسلكها في البلاد نفسها ومحيطها أو هم ترعرعوا حواليها، بل ربما يقابلون الناس أنفسهم الذين نقابلهم أو أبناء عمومتهم! ويمرون كل يوم بالقضايا ذاتها التي يمر بها جميع أهاليهم، ويتسوقون من الأسواق نفسها، وقد يتصفحون كل صباح الصحف التي نتصفحها، إلا أن لديهم القدرة على الكتابة عن البعيد فقط لا غير، ثابتون هم على الكتابة بعيدة المدى.
ليتك تخبرني “وش يأكلون” حتى تمكنوا من الوصول لهذه الدرجة من الصمود الناجح، لست أدري لهذا قلت اللهم لا حسد.

في النكران

30 أغسطس 2007

في مقابل نكران الذات هناك نكران الجميل، وكأنهما مخلوقان يغذي أحدهما الآخر، ربما يسأل القارئ كيف؟ وقبل محاول الاجتهاد في الإجابة لابد من التذكير بأن الكثير منا ردد في يوم من الأيام قول الشاعر: “ومن يصنع المعروف في غير أهله”، ومعلوم لديك ماذا سيلاقي من النكران والجحود وعض الأيادي التي مدت له يد المساعدة، وربما النجدة ومحاولة الإجابة على السؤال تنحصر في أن غالبية من يصادف نكران الجميل، هم ممن ينكرون ذواتهم، اما في تلك اللحظة أو هي عادة متأصلة لديهم، ولأن الطبع يغلب التطبع، فهم مهما حاولوا تغيير الطبع لا ينجحون، لذلك يستمرون في الشكوى من “فلان وفلتان”، وربما يضيفون “اتق شر من أحسنت إليه”. وهو يبرز زاوية تحتاج إلى وقفة أخرى، ومما وصلني عندما نشرت قبل فترة مقالات بعنوان “اضحك على البنوك”، آهات قراء وقارئات تتمحور حول نكران الجميل، وأوردت في نهاية الجزء الثاني من “اضحك على البنوك” تساؤلاً عن سبب جحود من تنصحه بنصيحة تغير أحواله إلى الأفضل، والذي يظهر لي أن هذا النوع من الجاحدين للجميل يمتطون صهوة النكران، هرباً من شقٍّ ساعدهم صديقٌ على رتقه، فكلما رأوا هذا الصديق تذكروا الشق، وكلما وقعت أعينهم على عينيه توقعوا أن خلجاتها تذكرهم بذلك الشق، ولو شاهدوه يهمس في أذن احدهم لما شكّوا لحظة واحدة أنه يذكر تفاصيل الشق الذي اكتشفه وطوله وعرضه، من هنا هم يهربون منه، فلا يردون على اتصال له وربما لا يردون السلام.
أما إذا تسببت نصيحة صاحب الجميل في تغيير أحوال المنصوح إلى الأسوأ، فلا شك أن الأخير سينتصب أمام باب منزله حاملاً على ظهره أكياس اللوم، فلا يعود يهنأ لصاحبنا نوم، بل ربما يتعرض لك بما يسوؤك وسط كل جماعة، وهذه الدرجة من نكران الجميل هي المستوى الأدنى من سوء الخاتمة التي يتمتع بها البعض.
وعندما يصنع الإنسان جميلاً في أحد ما يجب ألا ينتظر حتى الشكر، ذلك حتى لا يصاب بصدمة، فعندما تخفف من توقعاتك الايجابية يسهل عليك تحمل الصدمات، من هنا نستوعب مغزى وجوهر الحكمة التي تنصح بفعل الخير ورميه في البحر، فللبحر رب كريم يحصي كل شيء، ومهما كان البحر عميقاً واسعاً، فإن ما رميته فيه من الخير لن يضيع، بل عليك التفكير في جميل آخر، ولكن لشخص آخر، عندها ربما تكتشف أن الدنيا ما زالت بخير، وأن الأوفياء لم ينقرضوا حتى الآن.

عصفور الرز

29 أغسطس 2007

هذه المرة يمكن للمستهلك في السعودية أن يفعل شيئاً، بعد أن عانى طويلاً ولا يزال، لكنه لم يفكر بفعل ربما يراه الفرد الواحد بلا تأثير، ولو بدأ بنفسه لرأى العجب، ولعل من العجب أيضاً، أن بعض من كتب في الصحف المحلية ومنهم مسؤولون سابقون وحاليون في القطاعين العام والخاص صاروا يكتبون عن “الجمعية الوطنية لحماية المستهلك”، وكأنها حقيقة واقعة قائمة، وهي ما زالت قراراً لم ينفذ على ارض الواقع، وربما يحتاج إلى كثير من الأخذ والرد حتى يرى النور، بل إن بعضاً منهم أصبح يكتب مطالباً هذه الجمعية بالتدخل، وهي لم تنشأ أصلاً؟!
وأسجل هنا ملاحظة مهمة للمسؤولين الذين يعملون على إصلاح وضع المستهلك وحصوله على حقوقه العادلة، تقول الملاحظة، إنه لا يُعقل أن يُوكل إعداد وإنشاء هذه الجمعية الوليدة لجهات لم تستطع أن تقدم للمستهلك شيئاً يذكر طوال عقود وحاورت وداورت على مدى ذلك الزمن  لحماية مصلحة التاجر على حساب المستهلك.
أعود إلى ما يجب على المستهلك في السعودية أن يفعله في هذه الفترة، مطلوب منه أن يتخلى عن عادة استمر عليها لسنوات، لهذا من الواجب عليه أن يوطد العزم منذ الآن بأن يخرج زكاة الفطر لشهر رمضان المبارك نقداً، ويستند في ذلك على فتاوى أصحاب الفضيلة، منهم الشيخ الدكتور سلمان العودة، والمعنى أن يبتعد عن الرز فلا يشتريه لغرض إخراج زكاة الفطر، وهذا ليس أمراً صعباً، ودعوت إلى التغيير منذ أن بدأ التجار برفع الأسعار.
وفي خيار المستهلك هذا فوائد كبيرة، اقلها تخفيف الطلب على الرز الذي شهدت أسعاره ارتفاعات لا مبرر لها، فالتجار يبيعون في الأسواق ما خزنوه منذ شهور بأسعار هم من وضعوها وحددوها، وجزء من هذا المخزون تم استيراده لمواجهة الطلب الكبير على زكاة الفطر، فلنساعدهم ليبقى في مخازنهم، والموقّع أدناه ممن عاصروا تحول الناس في إخراج زكاة الفطر من القمح إلى الرز قبل سنوات قليلة، باعتبار انه “قوت البلد”. وعايشت مع غيري مناظر أكياس الرز المكدسة التي تقدم للفقراء بما يزيد على حاجتهم، فيضطر بعض منهم لبيع جزء منها في “حراج ابن قاسم” في الرياض على سبيل المثال! بل إن بعض المتاجرين بالزكاة ممن يبيعون على الأرصفة يقومون بإعادة بيعها في لحظة تقديمها نفسها.
ثم إن الفقراء لهم حاجات أخرى، سيوفر لهم إخراج الزكاة نقداً فرصاً للحصول عليها بما يحفظ كرامتهم، هنا نصطاد أكثر من عصفور واحد، منها عصفور الرز، وهو عصفور ظريف يحتفي بالأزمات ومشكلته أنه لا يشبع.

نفوق الإبل عمره عام كامل

28 أغسطس 2007

كل ما حولنا يجبرنا على إعادة النظر في مختبراتنا التي نقرأ عن إمكاناتها ونسمع، يجبرنا الوضع على ضرورة فحصها هي أولاً، كذلك فحص العاملين بها، وهل هم على قدر من الكفاءة والتأهيل والقدرات، أم أنهم مجموعة من الإداريين يجتهدون في توقيع الخطابات؟ وهو فحص يجب أن يشمل مختبرات الغذاء والدواء للإنسان والحيوان، وعندما يقول رجال أعمال من الغرف التجارية إن نتائج فحص مسببات نفوق الإبل يمكن أن تظهر في حدود ثلاثة أيام، وهم من العاملين في قطاع الزراعة أو القريبين منه، فهو قول يشير إلى خلل في قدرات المختبرات، ثم إن السؤال الذي “يسدح” نفسه مثل بعير نافق رمي بجثته على جانب الطريق يقول: أين كليات الزراعة ومختبراتها ومعاملها، وعدد كبير من الخريجين والأساتذة المتخصصين كما هو مفترض؟ إنهم غائبون على “حالات” النفوق، فلا حس ولا خبر! ولن أقول الكارثة الوطنية التي تهدد ثروة الإبل وأصحابها منهم من بكى على الفقر الذي أصابه، ومنهم من أصيب بالعمى، لن أصفها بتلك الصفة حتى لا يغضب أحد، على رغم أن استخدام كلمة “الوطنية” سمح به ولم يعترض عليه احد للإعلان عن تخفيضات أسعار للرز ثبت أنها غير صحيحة.
 من هنا يمكن أن نطلق على مسلسل نفوق قوافل الإبل “كارثة الضعوف”، ومن ضمن ما قيل عن احتمالات المسببات إن هناك نخالة “دخيلة”، فمن أدخلها؟ وكيف وهي “دخيلة” تصل إلى هذا الحجم الذي يسير ويؤثر من خميس مشيط إلى الأفلاج وهي مسافة كبيرة؟ واتفق مع معالي وزير الزراعة بأن المشكلة لا تحل بمشكلة، فهذه العبارة صحيحة، لكن إذا لم نكن نعلم سبب المشكلة فلا بد من أن نفكر في كل الأسباب حتى لا تنتشر، وهو ما يحصل الآن، ثم إن هناك أسئلة تدور في أذهان الناس عن التخزين في الصوامع، وهل هناك كميات قديمة تم تصريفها؟ وماذا عن طريقة تسليم الكميات؟ خصوصاً أن أحد المسؤولين في الصوامع تحدث عن مجاملات! والخوف والحذر من أن يطاول هذا الدقيق والطحين، وقد أبدى بعض المواطنين خوفهم هذا في مقابلات مع الصحف.
وأعود للتذكير مرة أخرى بأن قضية نفوق الإبل عمرها عام كامل بأيامه وشهوره، وليس أسابيع كما يقال الآن، وقد ذكرت ذلك في مقالي ليوم السبت الماضي “مواطن يفترش جيفة” وقدمت الإثبات، واذكر دائماً أن النار من مستصغر الشرر، لأن لملمة الأمور تؤدي إلى زيادة انتشار النيران، والتكرار تأكيد على أن المختبرات المحلية فشلت منذ عام، مع استغرابي لاختيار مختبرات فرنسا الشهيرة بالبقر لا بـ ”البعارين”! والله المستعان.

عندما يتحدث المتخصص…

27 أغسطس 2007

ما زالت الدنيا بخير، نعم… هناك أطباء مخلصون أمناء غيورون على المهنة الرفيعة، التي أثقل كاهلها تجارة الطب وبرودة التعامل من وزارة الصحة، ما زالت الدنيا بخير، على رغم أنني لاحظت على امتداد سنوات عدم تعليق أطباء على الأخطاء الطبية، على رغم أنهم يقرأون، هذا ما دار في ذهني عندما وصلتني رسالة كريمة شجاعة من  الدكتور أيمن الجزائري، وهو المتخصص، معلقاً على قضية سمية، ولأن الرسالة متخصصة في قضية وفاة طفلة بريئة أنشرها كاملة (لقد تألمت عند قراءة مقالك عن الطفلة “سمية” التي توفيت نتيجة خطأ طبي فادح. ونشرت جريدة الاقتصادية تحقيقاً بعنوان: (طبيب “سمية” يعترف بارتكابه “خطأ فنياً” أثناء مباشرة حالتها) في عددها 5062 الصادر الثلثاء, 8 شعبان 1428هـ، الموافق 21/08/2007. ونظراً لوقوع هذه الحادثة في مجال تخصصي، أحببت التعليق عليها لتوضيح الأخطاء المهنيّة التي ارتكبها الطبيب المعالج من خلال ما نشر، ومع غياب بعض التفاصيل، ما يدل على وجود أخطاء واضحة تتمثل في:
أولاً: إن إجراء جراحة من غير الحصول على موافقة خطية يعد إخلالاً خطيراً بأخلاقيات مهنة الطب.
ثانياًً: إنه من الواضح عدم إلمام الطبيب بمبادئ الجراحة عند الأطفال، حيث أن التخدير الموضعي لا يستخدم في هذا العمر نظراً لحركة الطفل الدائمة، وعدم تعاونه، ما يزيد من صعوبة الجراحة وبالتالي خطورتها.
ثالثاً: إن حدوث سكتة قلبية خلال دقائق عند الأطفال يعد أمراً نادراً جداً، والغالب هو حدوث هبوط تدريجي في الدورة الدموية ناتج عن زيادة في جرعة التخدير، أو النزيف، ولعدم إلمام الطبيب بجراحة الأطفال، فقد تأخر في تشخيص الحالة الحرجة للطفلة.
رابعاً: لا يكفي الطبيب الجلوس بجانب المريض ومراقبة مراحل الوفاة، بل يجب عليه الإلمام بمبادئ الإسعافات الأولية في حال حدوث المضاعفات الناتجة عن الجراحة أو التخدير.
خامساً: إن اجتياز اختبار الزمالة البريطانية في الجراحة العامّة في غياب التدريب اللازم، لا يؤهل الطبيب لإجراء جراحات الأطفال, على سبيل المثال استغرق حصولي على الزمالة في جراحة الأطفال ثماني سنوات، بينما ووفقاً لأقوال الطبيب لزم هذا الجراح 4 سنوات فقط، للحصول على الماجستير في الجراحة.
سادساً: إنه من المؤسف أن يحدث هذا في مدينة الرياض، حيث يتوافر فيها أكثر من 20 جراحاًً في جراحة الأطفال، معظمهم سعوديون ذوو تأهيل عالمي، علماً بأن المستشفى الذي اعمل به يتوافر فيه خمسة جراحي أطفال، ويقدم خدماته مجاناً للمواطنين، وهو قريب من المستوصف الذي قام بمعالجة الطفلة.
د. أيمن بن حسان الجزائري - استشاري جراحة الأطفال، مستشفى الملك خالد الجامعي، الزمالة الكندية في جراحة الأطفال.
واكرر الشكر للدكتور الاستشاري ايمن الجزائري، واهدي هذا الرأي المتخصص المحايد والمهني لمعالي وزير الصحة وهو الطبيب، وصورة لإدارة الرخص الطبية، وصورة لأعضاء اللجنة الطبية التي قال رد للوزارة إنها شكلت، وهو رد يحتاج إلى وقفة أخرى، والله المستعان.