أرشيف شهر سبتمبر 2007

ظلام في وادي الدواسر

30 سبتمبر 2007

اكتب في الساعات الأولى من صباح يوم السبت وما زال التيار الكهربائي مقطوعاً عن محافظتي وادي الدواسر والسليل، منذ الساعة العاشرة من صباح يوم الأربعاء، ومن اتصال بأحد المواطنين هناك علمت أنه خلال تلك الفترة عاد التيار لساعتين فقط، وتم تقديم بعض المباني الحكومية في إعادة التيار على رغم أنها أيام الإجازة الأسبوعية! وكان الأولى بشركة الكهرباء أن تعطي الأولوية للمساكن التي يوجد فيها الناس مع عائلاتهم في أحوال صعبة، قيظ وصيام، بعض الصحف قالت ان وادي الدواسر والسليل عادا إلى الوراء 50 عاماً، إذ توقفت مظاهر الحياة بعد انقطاع التيار الكهربائي، لم يتبق سوى محطة بنزين واحدة ازدحم عليها السكان، وأهل الوادي لم يفيقوا من كارثة نفوق الإبل حتى يصابوا بانقطاع التيار الكهربائي، عصب الحياة، بهذه الشمولية وطول المدة، أصبح قالب الثلج عزيزاً، وهاجر بعض السكان، أعلم انه حادث حريق وهناك لجنة تحقق فيه، لكن كان على شركة الكهرباء أن تكون مستعدة لحالات الطوارئ، خصوصاً أن بعض الأهالي يؤكدون أن العمر الافتراضي لتلك المحطة بلغ من العمر أرذله، والشركة أسرعت بالإعلان عن نقل مولدات كهرباء من مناطق أخرى للمساعدة، لكن الساعة الواحدة صيفاً في رمضان عن أيام.
في وادي الدواسر مشاريع زراعية ضخمة، تمتلكها شركات مساهمة ورجال أعمال يسر الله عليهم، لم نقرأ أن أحداً منهم تحرك للأسف لحظة وقوع الحادثة، كان من ابسط الأمور أن تجهز برادات على شاحنات مثل تلك التي تنقل الألبان والمواد الغذائية، وتقدم لسكان المحافظتين إلى حين إصلاح الخلل، خصوصاً أن مخزون الأهالي من الغذاء المبرد عرضة للفساد، والأصل أن تسعى المشاريع الخاصة لتنمية المناطق المقامة فيها أولاً وتطويرها، ولو كانت هناك خطط للطوارئ لكانت البرادات المتحركة أول إجراء على جدول الأعمال، لماذا لم نستفد من خبرة لدينا في نقل البرادات إلى الخارج؟
من حق أهالي وادي الدواسر والسليل والقرى المحيطة بهم مطالبة شركة الكهرباء بتعويضات عن الأضرار، لا ننسى أنها تقطع التيار على المشترك إذا لم يسدد، ومن حقهم عليها العمل على ألا يتعرضوا لمثل هذه الحادثة مستقبلاً، وهي مع غيرها من الجهات مدعوة لوضع الخطط لحالات الطوارئ في جميع المواقع الحيوية.
أرى في انقطاع التيار الكهربائي دعوة - بحجم الانقطاع - لإعادة النظر في أحوال هذه البقعة العزيزة من بلادنا، على سبيل المثال لا الحصر، المستشفى العام الجديد ما زال ينتظر تحت الإنشاء منذ سنوات،  ومشروع المياه الجديد ما زال أيضاً لسنوات تحت الإنشاء، والأهالي يعيشون على صهاريج المياه وغيرها من الحاجات الملحة.
أقول “لعلها خيرة”، انقطاع التيار وضع معاناتكم وحاجاتكم في الواجهة.

القرية العجيبة

29 سبتمبر 2007

أظن أنني علمت أين تذهب معظم تلك المسروقات العجيبة، وكيف تختفي العمالة الهاربة، كان مستغرباً أن تستمر سرقة  الكابلات وأسلاك النحاس وكابلات الاتصالات، وموتورات شفط الماء وكل ما هو حديد أو يشبه الحديد، ولا تنس حتى عيون القطط من الشوارع، وكنت مثل الكل اعتقد أنها تباع في السوق السوداء، لا بد من أن بعضها يباع في هذه السوق الكبيرة الخفية، لكن كثيراً منها في تقديري يذهب للبناء والتشييد، والصحافي خالد الفارس من “الوطن” كشف لنا عن قرية العمالة الهاربة العجيبة التي شيدت من الصنادق الخشبية في جوف الصحراء في جنوب مدينة الرياض، والعاصمة السعودية لمن لا يعرفها مدن داخل مدينة من دون مبالغة، لذلك فإن الوصول إلى أطرافها ليس بالأمر السهل إلا لصاحب حاجة أو صحافي حقيقي، لذلك قلت “أثرهم يبنون” عندما قرأت التحقيق الذي قدر عدد سكان هذه القرية بألف نسمة جميعهم من العمالة الهاربة والبنغالية تحديداً، وهم مستقرون بهدوء واطمئنان، إلى درجة وضع أجهزة التقاط البث الفضائي على سطوح تلك المنازل غير الشرعية، وهذه من ضرائب الاتساع الأفقي الكبير. من هنا أظن أن المسروقات كانت تستخدم للتشييد والبناء، فقلت مرة أخرى “أثرهم يبنون”.
 المثير أن بلدية حي العزيزية التي يقع الحي الخشبي في نطاق صلاحيتها تعلم بهذا الأمر، بل وكتبت لمرجعيتها، أمانة مدينة الرياض، من دون أن يصلها رد!
كنت في مقال سابق اقترحت استخدام الطيران العمودي للمسح والبحث الأمني، خصوصاً عن المستودعات المسوّرة حول العاصمة، بعد أن دهمت قوى الأمن بعضاً منها، ولكثرتها وسهولة الاختباء خلف أسوارها اقترحت ذلك ولم يجد صدى يذكر، كان اقتراحاً على قدر النية البسيطة، لكن في حالة القرية الخشبية، والبلدية والشرطة تعلمان عنها، والمسألة بحسب ما ورد في التقرير اجتهاد في تحديد الصلاحيات، وتصنيف القرية الخشبية هل هي منازل عشوائية وتعديات؟ أم عمالة هاربة تمارس الممنوعات؟ بصراحة توقف التفكير عندي، فلم استطع أن احدد، حتى فكرت انه يمكن اعتبارها قرية سياحية! ثم استنتجت من القرية العجيبة أن العمالة البنغالية أكثر شطارة مما نتوقع، ولا بد من أن كبيرهم “سيف الرحمن عماد الدين”، وهذا هو اسمه، خبير مخضرم في البيروقراطية  الحكومية.

العراق ورطة أم خطة؟

28 سبتمبر 2007

إذا سمعت أو قرأت عن اهتمام الحكومة الأميركية بحقوق الإنسان لا بد أن تتعجب من ازدواجية المعايير، هناك اهتمام كبير وهنا تفريط مخجل، الاهتمام بحقوق الإنسان والحريات داخل أميركا لا يصدّر إلى خارجها، في العراق على سبيل المثال يتم التعامل مع الشعب وحقوقه تعامل أسوأ المستعمرين، قتل أفراد من الشعب العراقي بأيدي جنود الجيش الأميركي خبر قديم، حوادث كثيرة دائماً ما يشار إلى انها “حادثة فردية”، ربما يجري تحقيق في حادثة أو اثنتين بحسب أثر تسرب الحادثة في الإعلام الأميركي ومستوى الاهتمام، وآخر مهزلة مضرجة بالدماء  تبلورت في تداعيات ما اقترفته أيدي مسلحي شركة بلاك ووتر، وكانت الذروة في ذلك الخطاب القوي لرئيس وزراء العراق وإعلانه إلغاء تصريح الشركة ثم تأكيد الحكومة الأميركية أن التصريح ساري المفعول بقولها إن عقد الشركة ما زال قائماً، من هنا تعلم من يحكم العراق ويديره، مهما كانت المسميات، ومن المسؤول عما يحدث هناك، ومن هنا تعلم صورية الانتخابات والديموقراطية… ومعها السيادة، والنتيجة أن الجلاد  هو من سيقوم بالتحقيق مع حراسه، ومن النماذج الصغيرة يمكن لك أن تعلم ما حصل.
يروي لي صديقي العراقي ما حصل لمنزل أحد أقربائه في حي الشرطة في بغداد قبل فترة قصيرة، المنزل مقفل وفارغ من سكانه الذين تحولوا إلى لاجئين في الخارج لكنه لا يزال يحتوي على ممتلكات وحاجيات عائلته الشخصية، هجم الجنود الأميركان على المنزل الفارغ وحطموا بابه ثم عاثوا فيه فساداً واليد الأميركية تطول، ولا يعرف ماذا اخذوا منه، وبعد أن فرغوا من زرع الفوضى في المنزل الهادئ تركوه مفتوحاً وغادروا، فأصبح مرتعاً للصوص والحرامية يعيثون فيه فساداً وربما يشكرون جنود المحتل، هذه الحادثة الواقعية من دون شك لا ترقى لحوادث القتل اليومي بالتفجير والاغتيال التي لم تترك النساء والأطفال، وتضيع الدماء بين فرق الموت والقاعدة والطائفيين والمحتلين، لكنها صورة صغيرة لما حدث في العراق من المحتل، بعد تحطيم الجيش وتسريحه مع حرس الحدود فُتحت أبواب الدولة العراقية على مصراعيها لمن يأتي بالطائرة أو متسللاً من الحدود، فكان ما يحدث الآن عن رؤية وتخطيط لا عن ورطة كما يصورها البعض.

الإنتاج والانتماء

27 سبتمبر 2007

هناك سمة صبغت اليوم الوطني في السعودية لهذا العام، وأرجو ألا تتحول إلى ظاهرة مستقبلاً، أقول هذا حذراً من أن ينجرف الاحتفال باليوم الوطني والاحتفاء به والتذكير بأهمية الحفاظ على مكتسباته إلى دائرة التجاري… الاستهلاكي، نموذج على ذلك يمكن قراءته من خلال الزينات والطلب من الطلاب والطالبات إحضار أعلام سعودية إلى فصولهم الدراسية، من جانب يعلم الجميع أن بين الطلبة من لا يستطيعون مالياً إحضار أعلام، وسيشعرون بالنقص أمام أقرانهم، وكنت أود أن اقترح أن يطلب من مجموعات من الطالبات والطلاب، القيام بخياطة علم السعودية وخريطة الوطن، لنصطاد عصفورين بحجر، نعلمهم الخياطة ونحفر في قلوبهم تضاريس البلاد، إلا أنني تراجعت عن هذا الاقتراح لعلمي بأن دكاكين خدمات الطالب تقوم بكل المهمات عن المعلمين والمعلمات والطلبة والطالبات، لذلك ترى أعدادها في الشوارع يفوق المدارس، هنا نحن نقوم بتربية أبنائنا وبناتنا على الاستهلاك… نجعلهم عالة أخرى، مهمتهم الوقوف طوابير أمام دكاكين ليحصلوا على المنتج والكل يعلم من قام بإنتاجه، ومع ذلك يحصلون على درجات عليه! ماذا يمكن أن يزرع في وجدان النشء من وضع مثل هذا؟ كل شيء يمكن شراؤه بالنقود. والأخطر من هذا أنهم يرون بأنفسهم أن المدرسة “حضن التربية” تعطي مشروعية للتزييف والانتحال بموافقتها على “عمل الطالب” الذي لم يقم به، بل ربما تحاسبه إذا لم يؤده بتلك الصورة! ونتحدث عن مخرجات تعليم لا تعرف قيمة الإنتاج ويتهمها البعض بضعف الانتماء؟ هنا فتش عن نوع التربية وماهية التعليم. ونشأة دكاكين خدمات الطالب مماثلة لنشأة مكاتب الخدمات العامة، كلاهما صورة من صور التسويغ لعمل تجاري يستهدف المجاميع، يمكن دفع المشترين لها بتعميم أو أمر من داخل المدرسة، هذه الدوائر الوسيطة التي لا تنتج سوى أجيال من العالة الاجتماعية ماذا ستفعل للوطن يا ترى؟ ولا أجد في إصلاح هذا الأمر من وزارة التربية والتعليم صعوبة تذكر، الحل متيسّر وسهل، وهو أن تكون أعمال الطلبة والطالبات داخل المدارس لا خارجها، وتحت إشراف فريق التعليم. من هنا سيكون الاحتفال باليوم الوطني أكثر إشراقاً، وسيعلم الجيل الجديد أن هذا “الوطن” المترامي الأطراف الذي يستظلون بظله، مفتخرين بالانتماء إليه، لم يكن ليكون لولا أن وفق الله تعالى الملك الموحّد عبدالعزيز ورجاله - رحمهم الله أجمعين – إلى أن يعملوا بأمانة وإخلاص بالدم والعرق، حتى وقف كياناً شامخاً يحتاج منهم للحفاظ عليه إلى مزيد من العمل بأمانة والإنتاج المخلص.

شاب مع السفارة الأميركية

26 سبتمبر 2007

لكل دولة الحق في منح تأشيرة سفر إلى أراضيها أو رفضها، فهو حق سيادي، هذا أمر مفهوم لا خلاف عليه، لكن دعوني اروي لكم قصة شاب سعودي حصل على بعثة وتأشيرة من السفارة الأميركية في الرياض وسافر إلى ولاية اوريغن، واجتاز برنامج اللغة في احد المعاهد، ثم انضم إلى إحدى الكليات، إلى هنا والأمور جيدة، أمضى الشاب تركي تسعة عشر شهراً في الولايات المتحدة، ثم قرر التمتع بإجازته السنوية وعاد إلى السعودية وقدم أوراقه للسفارة الأميركية للحصول على تأشيرة العودة فتم رفض طلبه من دون توضيح الأسباب، على رغم أنه للتو عاد من هناك، ولم يكتف موظف السفارة الأميركية برفض الطلب بل تعامل معه، بصلف، وتجاوز الأمر إلى أن يطلب الموظف من الشاب السكوت والاستماع وعدم الكلام، ويذكر والد الشاب في رسالته أن ابنه تعرض لأزمة نفسيه صعبة بعد تبخّر جهد تسعة عشر شهراً هباء منثوراً، واضطر والده إلى أن يعرضه على عيادة نفسية، ويشير الأب إلى أن ابنه الشاب مجتهد في دراسته ومتفوق، ولم تسجل عليه أية مخالفات للأنظمة الأميركية.
هذا النموذج قد يخبرنا عن نماذج أخرى ما يتعرض له الشباب المبتعثون وهم بالأساس مسؤولية وزارة التعليم العالي.
وفي مقابل هذا التصرف العجيب من موظف السفارة والفوقية في التعامل، هنأ السفير الأميركي لدى السعودية فورد أم. فريكر السعودية حكومة وشعباً بمناسبة اليوم الوطني، في تصريح إلى وكالة الأنباء، ومن ضمن ما قاله السفير الآتي: “وأثني على سعي المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين إلى توفير المزيد من الفرص للشباب لتطوير مهاراتهم، والمضي في توفير منح دراسية جديدة لمساعدة الشباب على الدراسة في الخارج، للتعلم والتطور ومعايشة ثقافات أخرى”.
وتطرق إلى التعاون بين المملكة وبلاده في المجال التعليمي، حيث يواصل عدد كبير من الطلاب السعوديين الدراسة في أميركا، مبدياً سرور الشعب الأميركي بأن تتاح له الفرصة للتعرف على المملكة العربية السعودية وشعبها، ورأى أن برنامج الملك عبدالله للابتعاث الخارجي سيحقق فائدة كبيرة للمملكة العربية السعودية والجيل القادم ومزيداً من التقدم للمملكة”.
وأسأل السفير الذي لا اشك في حرصه على تطوير العلاقات بين البلدين، كيف يمكن استفادة المبتعث من الفرص إذا كانت تقطع عنه بعد تجاوزه تسعة عشر شهراً من دون تبرير؟ وبتعامل فوقي اقل ما يقال عنه انه لا يشير إلى اهتمام بحقوق المبتعث… الإنسان! بل انه يجعل مستقبل المبتعثين على كف عفريت التأشيرة، إضافة إلى الصورة القاتمة التي غرزت في نفوس الشباب الذين تعرضوا لمثل هذا التعامل عن الولايات المتحدة وسفارتها وشعبها.