أرشيف شهر أكتوبر 2007

الفجوة المقبلة

26 أكتوبر 2007

أراها مهرولة مسرعة في عدد من القطاعات الحكومية وسببها ندرة التوظيف، كثير من الجهات الحكومية من وزارات وغيرها لا تستحدث لها وظائف جديدة، يتم هذا منذ سنوات التقشف ليستمر في سنوات الفائض، والمشكلة التي ستكتشفها الجهات الحكومية في السعودية مستقبلاً، هي تناقص أعداد صغار الموظفين التنفيذيين ودورهم في غاية الاهمية. ومع تقاعد عدد لا بأس به من الصفوف المتقدمة من الموظفين ذوي الخبرة والمراس الوظيفي، فإن هناك خبرة وظيفية متراكمة ستتبخر.
عدم استحداث وظائف جديدة في كثير من الأجهزة الحكومية، هو المشجب الحالي الذي يُعَلَّق عليه كل تقصير أو نقص في تقديم الخدمات، لأن قولهم: “البند لا يسمح” لم يعد مقنعاً لأحد. البند حالياً في أحسن حالاته، حتى اشتقت لأن اسمعها من مسؤول مثلما كنا لا نسمع سواها في مرحلة سابقة. هناك رأي آخر يقول إن الجهاز الحكومي يمكنه أن يقدم خدمة أفضل بعدد اقل من عدد الموظفين الحاليين، بمعنى انه يشكو من ترهل، وتشوبه البطالة المقنعة. نوعياً، هذا الرأي فيه صحة، لكن عدم استحداث وظائف جديدة طوال السنوات الماضية، يفيد بأن الجهاز الحكومي يعمل بموظفين أقل، مع استمرار أداء غير مُرْضٍ. والدليل اختناقاتٌ وبطءٌ في أكثر من قطاع.
الجانب الآخر لِمَا أود الإشارة إليه حتى يلتفت إليه المختصون، هو جانب تدوين الخبرات. الخبرة في الجهاز الحكومي إجمالاً تكتسب بالاحتكاك بين الموظف الجديد، وزميله الأقدم تجربة إذا قدمها الأخير عن طوع، أو قد تأتي بالاجتهاد. من النادر أن تجد لوائح منظمة واضحة المعالم يعود إليها الموظف الجديد،  لسرعة فهم طبيعة العمل واكتساب الخبرة، إنها متناثرة هنا وهناك في تعاميم أو قرارات، وربما تكون في رأس موظف مخضرم يقبع في مكتب خلفي. طبيعة العمل والخبرات واللوائح لم تُمَنْهَجْ في أدلَّة تُسهِّل على الموظف الجديد الاسترشاد بها. والخبرات هي من حق الجهاز الحكومي، إلا أن كثيراً من الموظفين يتقاعدون والخبرات في رؤوسهم. في بعض الإدارات يضطرون إلى تمديد سنوات عملهم بسبب الحاجة، أما إذا تقاعدوا فستذهب معهم الخبرة التراكمية إلى خارج الجهاز الحكومي. ويروي لي أخ كريم أنه عندما تسلّم إدارة عامة في جهاز حكومي مهم علاقته بالجمهور كبيرة ومتشعبة لم يجد خبرات أو لوائح مدونة واضحة المعالم، تُبَيِّن كيفية التعامل مع كل حالة، ليستطيع البناء عليها، لذلك اضطر إلى أن يبدأ من جديد. الواقع يقول إنه إذا كان المدير أو رئيس القسم مهتماً بعمل الموظف الجديد فليس لديه إلا صور الخطابات التي أصدرتها الجهة ليقرأها ذلك الموظف حتى يتمكن من التعرف على طبيعة العمل.

“لعبة الموت”

25 أكتوبر 2007

في بعض ما يطلق عليه مدن ترفيهية، وهي مشاريع خاصة توفر الألعاب الجماعية للأطفال وعائلاتهم مع كومة من المحال التجارية، هناك آلة تسمى “لعبة الموت”، يستقلها أطفال، وربما نساء، ترتفع بهم إلى أعلى ثم تنزل بسرعة جنونية إلى أسفل ليدوخوا السبع دوخات، منتظرين هلعين أن تتوقف بهم، في أكثر من حادثة تعرّض أطفال إما للموت أو الإعاقة، وفي الحد الأدنى كدمات وإصابات ورعب سيبقى طوال الحياة في المخيلة.
آخر هذه الحوادث مأساة الطفل مروان (سبع سنوات)، في المدينة المنورة المتوفى دماغياً الآن بسبب سقوطه إلى الموت من “لعبة الموت”. تخيل عائلة تبحث لأطفالها عن ترفيه بريء لتكون النتيجة مأساة تقطع نياط القلب.
إذا كان اسمها “لعبة الموت” فهي طريق إلى الموت يمكن للمسؤول أن يحتج بذلك. ولست أدعو إلى تغيير الاسم. بعض المواقع الأخرى تسميها بحسب علمي “الأفعوانية”، ولن ينالك من الأفعى سوى سمها.
من باب سد سبل موت الأطفال وإحراق قلوب ذويهم، أدعو إلى إلغاء كل الألعاب الخطرة على الأطفال. ومعلوم انه في الخارج يأخذ الآباء أبناءهم يداً بيد لمثل هذه الألعاب مع شروط سلامة صارمة. في بلادنا تذهب بهم الوالدة مع الخادمة ولفيف من النساء، وهن أقل خبرة وقدرة، يضاف إلى هذا أن أحوال العاملين او العاملات من حيث الكفاءة والتخصص ليست بالجيدة، هي لا تختلف كثيراً عن تلك التي تراها متسكعة في الشوارع، أما الرقابة الدورية فهي تعيش على زيت البركة.
أطفالنا ليسوا بحاجة إلى الدوخة، يكفي أن يعيش آباؤهم وإخوتهم الكبار كثيراً من الدوخات، إنهم دائخون بين غلاء الأسعار وشحّ الوظائف وإحباط يعيشه الشباب من دون انفراج وظيفي محسوس وملموس.
لسنا بحاجة إلى أن يدوّخ أطفالنا، ستتيح لهم الحياة العلم  بأنها بين ارتفاع وانخفاض. إن هذه الألعاب في تقديري تؤدي بالنفس إلى التهلكة، والحياة والحفاظ عليها مقدمان على كل شيء، فكيف إذا كانت حياة طفل لا يعلم العواقب؟ إذا كان الغرب قد اخترع هذه الألعاب فهي قد أتت بعد تجارب تراكمية مريرة، طوال عقود، نشأت بموازاتها شروط سلامة صارمة وحقوق قانونية وتعويضات لا تتوافر لدينا، لأننا لا نستورد سوى  الآلات فقط.

العروس الصغيرة

24 أكتوبر 2007

تحولت قرية ثول الساحلية السعودية الأحد الماضي إلى عروس صغيرة، بوضع حجر الأساس لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية. وهي جامعة مختلفة عن غيرها في أكثر من جانب. فهي للعلوم والتقنية، غرضها احتضان الباحثين والعلماء، على مساحة تقدر بـ 36 مليون متر مربع، في أربعة مراكز كبيرة للبحوث في مجالات العلم المتقدمة، مع مجمعات أكاديمية وإدارية، وشبكة لتقنية المعلومات والاتصالات، إضافة إلى حي سكني يحتضن 10 آلاف شخص. الجانب الثاني أنها
تقام خارج المدن المكتظة، ما سيسهم في تطوير مواقع جديدة، وتنمية ثول والقرى المحيطة بها. كل هذا سينعكس إيجاباً على السكان والاقتصاد. الثالث - وهو اللافت أكثر من غيره - أن شركة أرامكو السعودية، بما عرف عنها من انضباط وجودة في الأداء هي من يتولى تنفيذ حلم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، خارج نطاق دهاليز البيروقراطية الحكومية والنماذج المكررة.
هو حلم جميل لخادم الحرمين الشريفين، وحلم يتحقق لأبنائه المواطنين، أعلن عن ميلاده هذا الأسبوع في “ثول”.
وضع حجر الأساس لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، والبدء في تشييد حلم الملك عبدالله يعطي إشارة ملكية واضحة لكل القائمين على الجامعات السعودية ومراكز البحث فيها. هي نقطة جديدة للانطلاق وإعادة النظر في برامجها، وماذا استفاد الاقتصاد والمجتمع حقيقة من مراكز البحوث والمعامل فيها. وينتظر من شركة أرامكو التي تدير هذا المشروع المستقبلي وتشرف عليه أن تقدم النموذج لتعيد العالم والباحث إلى معمله ومركز بحثه، معززاً مكرماً هو وما ينتج، بعيداً عن الصورة التي ترسخت في تحويل البحوث العلمية والشهادات إلى وسيلة ارتقاء وظيفي لا غير، تمهيداً للإمساك بزمام مواقع أو مناصب.

بل تقسيم ووصاية

23 أكتوبر 2007

لا يستطيع المرء أن يفهم منطق بعض السياسيين الأميركيين. أمثال هؤلاء يكررون أن العراق “الجديد” دولة موحدة، ذات سيادة وله حكومة منتخبة ودستور تم التصويت عليهما وحظيا بثقة الشعب العراقي، هكذا يقولون، إذا كان الأمر كذلك كيف يحق لأعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي اقتراح مشاريع “ملزمة أو غير ملزمة” لتعديلات في النظام السياسي في العراق؟ لو كان مجلس الشيوخ العراقي لفهمنا لكنه مجلس الشيوخ الأميركي.
نشرت صحيفة “الحياة” في صفحة الرأي يوم الجمعة الماضي مقالاً لرئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي جوزف بايدن جونيور تحت عنوان “تقسيم العراق شيء والنظام الاتحادي شيء آخر”، أشار فيه إلى أصداء الاقتراح الذي قدمه مع احد زملائه، والنقاش الذي يجري حوله، موضحاً أن هذا النقاش شمله قدر كبير من المعلومات المغلوطة والمضللة، وطالب بقراءة نص التعديل الذي اقترحه مجلس الشيوخ الأميركي ثم أورد توضيحات.
ويطيب لبعض الساسة الأميركيين ومن يعمل معهم من العراقيين لتسويق مشروع التقسيم أن يأتوا بالمثال الاتحادي الناجح المطبق في دولة الإمارات العربية المتحدة، وفي هذا تضليل ما بعده تضليل. النظام الاتحادي في دولة الإمارات العربية هو نظام وحدوي، لأنه النظام الذي جمع إمارات صغيرة كانت مستقلة عن بعضها البعض، فهو لم يأت ليقسم دولة موحدة، أما العراق فهو دولة موحدة أصلاً لا يحتاج لمن يوحده لكن هناك رغبة عارمة في تقسيمه ولا بد من تسويغها وتسويقها، من هنا النظام الاتحادي في العراق “المقترح أميركياً ومن ساسة عراقيين سلّمهم المحتل سدة الحكم” هو مشروع تقسيم وتجزئة، وهو الخطوة الثانية لتحقيق طموحات الأحزاب التي جاءت بالمحتل للعراق، ثم انه من المضحك أن تتم الآن الإشارة إلى الدستور العراقي والاستفتاء الذي تم عليه، من دون إشارة إلى أنه تم تحت سلطة قوات الاحتلال وقوى عراقية ليس لها هدف سوى تجزئة العراق إما طمعاً بالنفط وتكوين دويلة طائفية في حالة المجلس الأعلى للثورة أو طموحاً إلى الاستقلال بالنسبة للأكراد كخطوة للوصول إلى دولة كردستان الكبرى.
التضليل هو ما يحاول رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي تسويقه في مقاله، أما مطالبته بقراءة نص التعديل فلا معنى له. غزت أميركا العراق بدعوى نزع أسلحة الدمار الشامل وثبت كذب زعمها، وسوّقت للأمر بحقوق الإنسان الذي يعيش الخراب الآن، والديموقراطية التي ثبت أنها الفوضى الدموية، حتى قال بعضهم إنها كابوس لا نهاية له، لم تغز أميركا وبريطانيا العراق لتحافظا على وحدته، بل احتل لأجل السيطرة على النفط وهي تقدم المواقع الجغرافية لمنابع النفط بالتقسيم لبعض الأحزاب العراقية لتكون السيطرة عليه أقوى.

“جايك في السالفة”

22 أكتوبر 2007

كان هناك لغز يحيرنا ونحن صغار يقول ما الشيء الذي كلما أخذت منه يكبر ويزداد حجمه؟ وبعقولنا التي ما زالت صغيرة، وأدمغتنا ذات النطاق المحدود، كنا نفكر لحل اللغز بهذه الكيفية، المفترض أن الأخذ من الشيء أي شيء يقلل منه، فكيف يزداد حجم ذاك الشيء كلما أخذنا منه؟ وهنا مربط اللغز ومتاهة الحيرة، وعندما كان يقال لنا إن الجواب هو الحفرة كنا نندهش للحظة ثم نوافق على صحة الحل، حسناً كان هذا في الصغر، لكن هل أنت مقتنع عزيزي القارئ بأن الحفرة ما زالت الشيء الوحيد الذي يزداد حجمه كلما أخذت منه؟ أتوقف هنا قليلاً، لأخبركم عن صديق يقف دائماً عند هذا الحد في كل أمر يود التحدث فيه، فلا يأتي بالجواب في الحال، وكلما طلبت منه زبدة الكلام قال لي “جايك في السالفة”، ولأن “سالفته” تطول وتطول يتضح لي لاحقاً أن هدفه الأساسي هو قول حكايته بحذافيرها كاملة مكملة، حتى انه لا يترك شاردة ولا واردة مثل فتحت باب السيارة ثم أغلق باب المصعد الخ… يقوم بتأخير زبدة الكلام لربط المستمع برباط يجد فيه متعة ما بعدها متعة، بعيداً عن انطباع المستمع، فأضطر للإنصات رغماً عني. وقد حشرت “جايك في السالفة” هنا لغرض في نفسي محاولاً توضيح أن للإطالة وقتها مثل أن تكون “منسدحاً” في استراحة وهي حالة نادرة، أما الأصل فهو الاختصار خصوصاً في مكالمات الجوال وأحاديث السيارات وهذه الأخيرة تحتاج إلى شرح ينطبق عليه “جايك في السالفة”، فمن الطريف أن يترجل راكب من سيارة رفيقه بعد أن أمضيا ساعات مع بعضهما، ثم عندما يركب سيارته يقف بجوار مركبة رفيقه ليقول له ما تذكر فجأة!
ربما يرى البعض منكم أن “جايك في السالفة” قد أثقلت دم المقال، لعل في ذلك فائدة!
الحفرة عزيزي القارئ ليست الشيء الوحيد الذي إذا أخذت منه يكبر حجمه ويزداد كبر فمه، لك أن تضيف معها حلاً آخر للغز لم نكن نعرفه ذلك الحين، وهو العمالة غير النظامية، أو السائبة أو المخالفة سمها ما شئت، وخلال الأعوام الماضية تابعت ما ينشر من تقارير عن الحملات الأمنية المتعددة في مختلف مناطق البلاد وجهودها الضخمة التي يدعو للعاملين عليها كل منصح، وقرأت عن أرقام تتعدى عشرات الآلاف من العمالة غير النظامية التي تم القبض عليها، إلا أن الحفرة تكبر، والقصص التي ترويها الصحف والناس تزداد، والأسواق مكتظة، وقد يسألني سائل بلماذا؟ وأجيب صادقاً بلا أعلم، المهم عندي هنا أن اللغز كان له حلان وليس حلاً واحداً.