أرشيف شهر أكتوبر 2007

سكريات

16 أكتوبر 2007

أكثر ما يستهلك الناس في الأعياد، الشوكولاتة التي صارت تنافس التمور. ومن المفارقات أن “السكري” اسم لنوع شهير من التمور في السعودية يزداد الطلب عليه حتى من أهل الخليج، وهو أيضاً اسم يطلق على مرض السكر المنتشر بين الكبار والصغار في الخليج وبمعدلات تزايد مرتفعة، منذراً بأخطار مستقبلية مروعة، والتوعية به وعنه لا تتعدى أسابيع تنشط عند الاحتفال بيومه العالمي بعد قرابة شهر من الآن تأتي من باب “مع الخيل يا شقراء”، وهي توعية تمشي على رجل واحدة، في صورة من صور المواجهة العرجاء. قدم أحد الإخوة لضيوف أجانب “خواجات” زائرين للبلاد عصيراً من الأنواع المنتشرة المصنعة محلياً، التي يطلق عليها تجاوزاً عصائر طبيعية، مع صور ملونة للفواكه، فلم يستطع احد من الضيوف استساغته وطلبوا ماء لتخفيف معدل السكر فيه، حتى لو ذهبت إلى محال بيع العصائر الطبيعية ستجد أنهم يضيفون السكر إلا إذا طلبت منهم عدم الإضافة، الأصل هو السكر والجوع للسكر منتشر، وصوت التوعية ضعيف والجمعية المعنية مواردها أضعف، ما زال البعض يعتبر السكر من الغنائم. وإذا أردت أن تطلب فنجان أو كوب قهوة من محال بيع القهوة المنتشرة، فهو سيأتيك سكر زيادة مهما طلبت تخفيف مقدار السكر. السكر لدى العمالة أيضاً من الغنائم، أما إذا اتجهت إلى المشروبات الغازية والقوة أو الطاقة، وكل هذه الآفات العصرية فحدث ولا حرج أنها في الأصل مشروبات السكر مضافاً إليها ماء ونكهة. الشاي لدى بعض السعوديين هو أيضاً ماء وسكر مع شيء من الشاي. ويمكن استثناء سائقي النقل الثقيل، مع أن معظمهم تعرضوا للانقراض، من هنا تجد أن السكر والسكريات تحيط بك من كل جانب، ويتربى عليها أطفالك، أكثر من نصف المجتمع هم من هذه الشريحة أو قريبين منها، ولعل من المضحك المبكي أن بعض تجار التمور يغشون التمر “المكنوز” أي المحفوظ برذاذ السكر، لا ليعطيه حلاوة، بل للتجميل، وكأنه دبس التمر، كما أن بعضهم يغشون هذا التمر بمواد أخرى تعطيه لمعة كاذبة، فإذا رأيت وجه الكيس البلاستيكي للتمر “يلصف” أي يلمع، تذكر أن ليس كل ما يلمع ذهباً، وعلى رغم أن السعودية من اكبر منتجي التمور ومستهلكيها فإنك لن تجد معلومات علمية على عبوات التمور، خصوصاً تلك التي تخبرك عن عدد السعرات والسكريات فيها، مع توافر انواع مختلفة لها الطعم ذاته وربما أخف على المعدة مع مقدار أقل من السكريات وهي التي يجب تشجيع إكثارها واستهلاكها. لن نستطيع مواجهة مرض السكري والسكر يحاصرنا، فلا مواصفات واضحة، وإن وضحت وصدرت لا تطبيق حازم لها.

بين مدريد والخريف

15 أكتوبر 2007

لم يحصل العرب على شيء يذكر من مؤتمر مدريد للسلام، مع أن المعطيات في ذلك الوقت كانت أفضل كثيراً من الوقت الراهن. كانت صورة الولايات المتحدة الأميركية أحسن بمراحل من صورتها الحالية. خرج الجميع بعد أن تم إصلاح الخطأ الجسيم الذي ارتكبه صدام حسين بغزوه واحتلاله الكويت، مع أن الثمن باهظ لإصلاح تلك الكارثة، سياسياً واقتصادياً على دول المنطقة، خصوصاً الدول الخليجية، وفي مقدمها السعودية. وتحقق هذا بإرادة  عربية - دولية من الصعوبة أن تتكرر، قيادة جورج بوش الأب للولايات المتحدة لا تقارن على الإطلاق بقيادة ابنه، الصورة عن أميركا وسياستها انقلبت جذرياً. كانت هناك نيات وآمال وأحلام، ولو ظاهرياً، للعمل على حل القضية الفلسطينية، التي تُستخدم دائماً عباءة لتحقيق المطامع السياسية، والعرب كانوا أكثر مقاطعة منهم الآن لإسرائيل، وهي في ذلك الوقت - نظرياً - محشورة في زاوية ضيقة، لكن مؤتمر مدريد تحوّل إلى احتفالية إعلامية أكثر منها سياسية، وما زالت الذاكرة تحتفظ بالتراشق الإعلامي الذي تم في المؤتمرات الصحافية بين وزير الخارجية السوري آنذاك ورئيس الوفد الصهيوني، ورفض أعضاء من الوفد الأخير حضور الجلسات، لأن أفراداً من الوفد الفلسطيني كانوا يعتمرون الشماغ! وسط هذه الاحتفالية العالمية انسل اتفاق أوسلو من تحت الطاولة وكان ما كان. سلطة فلسطينية عاجزة، على رقعة صغيرة من الأرض، تتحكم بها سلطات الاحتلال، والقتل والخنق الاقتصادي والسياسي مستمر مع استشراء

الاستيطان. والحقيقة أن الدولة الصهيونية لا تريد سلاماً، لأنها لا تعيش سوى على الدماء والغطرسة وفرض الأمر الواقع، أصبحت السلطة الفلسطينية أكثر المطبعين مع السلطة المحتلة. من المفارقات أن الذي قاد اتفاق اوسلو يقود السلطة الفلسطينية حالياً. وقتها - أيام مدريد - كان الإعلام الإسرائيلي مستميتاً في اختراق جدار الرفض العربي الإعلامي، انظر إلى واقع الإعلام العربي الفضائي خصوصاً، الآن وكيف أصبحت لإسرائيل وجهة نظر وتبرير يجرى تسويقهما كل يوم.
إذا كانت الظروف العالمية والعربية التي أحاطت بمؤتمر مدريد أفضل نسبياً من أوضاعها الآن، مقارنة بوضع الدولة الصهيونية، ولم يتحقق شيء يذكر بعد عقد ونصف العقد، فهل يمكن التفاؤل بمؤتمر الخريف، وبجهود سياسية يقودها جورج بوش الابن وكوارثها التي حلت بأفغانستان والعراق شاهدة؟ وإسرائيل أكثر قوة وعنجهية، والعرب أكثر تفككاً وعجزاً، والفلسطينيون أكثر انقساماً؟ إن من أسهل الأمور أن تتوقع مطمئناً أنه لن يحدث انفراج يذكر. هي فقاعة إعلامية سياسية في أحسن الأحوال… من هنا يجب الاستفادة من تجربة مدريد/أوسلو، والإصرار على خطوط واضحة المعالم. وعلى السلطة الفلسطينية أن تكون واضحة الأهداف. اوسلو ما زال ماثلاً أمامنا، لأن في عقد المؤتمر بحد ذاته زخماً سياسياً غير مستحق، لإدارة أثبتت الأحداث في العراق وفلسطين وأفغانستان عدم أهليتها لتحقيق السلام.

ضعف الرد العربي

14 أكتوبر 2007

تحرص بعض القنوات الإخبارية الأميركية في آخر بعض نشراتها على عرض تحقيقات تلفزيونية “إنسانية”، تتلخص حول مفاجآت حلوة لأطفال أميركان وهم على مقاعد الدراسة، في غفلة من الأطفال يدخل والدهم الجندي أو الضابط بلباسه العسكري قادماً من العراق بالسلامة، من المطار إلى المدرسة مباشرة، وتركز الكاميرات والتعليقات على تلك اللحظات الإنسانية مع بكاء الفرح ودموعه المتناثرة، والحقيقة أنني أتفاعل مع تلك اللحظات… للحظة… ثم يبرز سؤال كبير ضخم يقول: وماذا عن أطفال العراق الذين لا يملكون حتى أمل انتظار عودة آبائهم وأمهاتهم؟ بل منهم من رأى مصرع أحدهما أمام ناظريه بأيدي أولئك، ومنهم من قُتل معهما. أطرح السؤال مراراً: لماذا تكون الإنسانية منحازة عوراء بهذه الصورة؟ فهل تم تقسيم البشر إلى درجات، الإنسان غربي، وما تحت الإنسان… عربي؟ وهل مشاعر الأطفال تختلف من عرق إلى آخر ومن جنسية إلى أخرى؟ هؤلاء الجنود والضباط الأميركان الذين يعودون عودة نهائية إلى ديارهم أو في إجازة قصيرة، يحتضنون أبناءهم وزوجاتهم فرحين أمام كاميرات القنوات الفضائية التي تنتقي ما تبث، ماذا فعلوا ويفعلون يا ترى في العراق؟ وكم طفلاً يتّموا وأباً قتلوا فلذة كبده وامرأة ترملت على أيديهم، وهم محصنون من الملاحقة الدولية؟ سُلّم إنسان العراق ومقدراته إلى أيدي الدبابات الأميركية البريطانية، وفرق المرتزقة الذين استقدموا من كل حدب وصوب، تم تجميعهم للقتل واستباحة بلد واحد جرى تقسيم سكانه، ويجري تقسيمه جغرافياً الآن، قبل القرارات بالأسوار التي تفصل بين أحياء بغداد، كل هذا تم ويتم بموافقة وخنوع من سياسيين عراقيين لا يرون إلا مصالح أحزابهم الضيقة، يلحسون تصريحاتهم كل يوم على رغم أنها كل ما يملكون أمام جبروت السيد المحتل، لكنها الصفقة التي أتت بهم، ما كان لهم أن يكونوا على سُدّة الحكم لولا هذا المحتل. العراق الدموي المقسّم هو صناعة أميركية بامتياز، وهو نتيجة لتخبط سياستها الخارجية هي وحلفائها، ولا يبدو في الأفق تغير جوهري يذكر. ذهبت جنات اليابان وألمانيا الموعودة، تبدلت إلى جحيم دجلة والفرات، وقتل الإنسان قبل أن يحصل على حد أدنى من حقوقه، وثبت أن أسلحة الدمار الشامل جاء بها المحتل وأعوانه المعلنون والمتخفون، ويجرى العمل للتقسيم وتجذير الحرب الأهلية والعرب صامتون، إن مستوى الرد العربي الضعيف على إعلان تقسيم العراق ينذر بأخطار جسام تطاولهم جميعاً.

لا يعرفون الحلوى

13 أكتوبر 2007

أصر أحد المحسنين على دال للخير من الشباب الخيرين في محافظة الليث (غرب السعودية) أن يشتري بالمبلغ الذي أرسله له في شهر رمضان المبارك حلوى ويوزعها على أطفال الفقراء، لم يكن يرغب في شراء أكل أو ملابس، بل حلوى وللأطفال، كان المحسن، تقبل الله منه، يريد أن يدخل الفرحة على قلوب هؤلاء الأطفال الضعفاء، وليس هناك أجمل من متعة إدخال السرور على الأطفال، فكيف إذا كانوا فقراء؟ المفاجأة، كما أخبرني شاهد العيان، أن الأطفال لم يتعرفوا على الحلوى، وصاروا يتساءلون بينهم عن هذه الأشياء الغريبة التي قدمت لهم، كأن أعينهم تطالعها للمرة الأولى. ومحافظة الليث من محافظات مكة المكرمة كتبت عن أوضاع الفقر في مراكزها أكثر من مرة، ولم أسمع أو أقرأ عن تحرك رسمي تفاعلي يتناسب والأحوال هناك، فهذا عن المعلن عنه بالصور والتحقيقات الصحافية فكيف عن غير المعلن؟ وفيها - أي الليث - بحسب علمي مركز للتنمية الاجتماعية، لعل الإخوة الكرام في الوزارة يفصحون عن إنجازاته، وماذا قدّم منذ إنشائه؟ خصوصاً أن الوزارة تذكر دائماً أن لديها عشرات من مراكز التنمية الاجتماعية. وفيها أيضاً جمعية خيرية تتبع للوزارة، لعل الإخوة في الوزارة يخبرون عن أحوالها، ولماذا لا تستطيع أن تقوم بواجباتها، خصوصاً مع زيادة الاعتمادات المالية للجمعيات الخيرية كما أعلن مطلع شهر رمضان المبارك، وأنه يوم العيد، فكل عام وأنتم مع أحبابكم بأفضل حال، كل عام والوطن مع الجيران بخير وأمن ونماء، والمسلمون قد استعادوا عزتهم والعالم أجمع أكثر هدوءاً وسلامة، والقوى العظمى لاهية داخل حدودها.
إنه يوم عيد الفطر السعيد، والعيد أولاً للفقراء، أغناهم الغني تعالى من فضله الواسع، والعيد للمرضى شفاهم الشافي بقدرته ورحمته. لذلك أُذَكِّر بهم وبأحوالهم مع أطفالهم، فالعيد ارتبطت بهجته بالأطفال وبالحلوى ولا طعم له إلا بهما، أعاده الله علينا وعليكم بالخير والنماء، وعلى القوى العظمى والمستعظمة بالانشغال في نفسها… اللهم آمين.

غريب الأطوار (2من 2)

12 أكتوبر 2007

قبل أشهر التقيت في الرياض مدير المعهد السويدي في الإسكندرية السيد ان هنينجسون، وعلمت منه خلال اللقاء أن المعهد مدعوم من الحكومة السويدية والاتحاد الأوروبي، وهدفه التقريب الثقافي بين العرب والأوروبيين. والسيد يان رجل مثقف دمث الأخلاق يعرف ما يريد. أسهب خلال اللقاء في الحديث عن آمال المعهد السويدي وتطلعاته في الإسكندرية إلى نبذ التطرف، وتحسين الصورة بين العالمين العربي والأوروبي. وتحدث عن عدد من اللقاءات جمعت بين مثقفين أو متخصصين من العرب والأوروبيين بدعوة من المعهد. من هنا اسأل السيد مدير المعهد عن دوره في لجم النحات الغريب الأطوار وتياره المتطرف، والهدم الذي تمارسه مثل هذه الأفعال لجهود المعهد.
والمعهد هنا، كما يظهر لي، نموذج للجهود المتزنة، وهو مع العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية بين الحكومات العربية والأوروبية عرضة للتخريب. ولجم هذه التيارات المتطرفة الأوروبية واجب على تلك الحكومات. النماذج السابقة في مقال امس، تشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى أن لدى الحكومات والمؤسسات الأوروبية الإمكان لفعل شيء، بدلاً من الهروب إلى الأمام، بدعوى حرية التعبير. والحقيقة أنها حرية الشتائم وتدنيس المقدسات. وهي ليست من الحرية في شيء، بل إنها ضد التحضر الذي يدعون. من هنا يستغرب المرء اختفاء دور أمانة الاتحاد الأوروبي حول هذه القضية في مقابل قضية الرسوم الدنماركية، فلم نقرأ أو نسمع حساً لمبعوث هذا الاتحاد، وهو ما يجعل المرء يستنتج من دون طول تفكير أن الركض والرحلات المكوكية السابقة إبان قضية الرسوم الدنماركية، كانت لها أسباب اقتصادية بحتة. ولكون ردود الفعل تجاه  إساءة النحات الغريب الأطول لم تتصاعد إلى حد المطالبة بالمقاطعة الاقتصادية، لم يكن هناك اهتمام سياسي أوروبي يرقى لحجم القضية،
أما في ما يتعلق بنا، فقد طمأنني مشكوراً الأمين العام للندوة العالمية للشباب الإسلامي، في رد نشر في “الحياة”، بأن هناك بوادر تنسيق بين الجمعيات وجهات النصرة لنبي الرحمة لتوحيد جهودها، بحيث تعمل وفق خطط مدروسة، وهو ما ينتظر أن يصبح واقعاً له آثار ملموسة، وحتى لا تستخدم مثل هذه القضايا النبيلة أوراقاً سياسية خطابية في يد من لا يجيد التعامل معها، ويجيرها لحسابات آنية، فيتحول إلى نموذج جديد تستخدمه السياسة الغربية، ومعها الصهيونية، بعد سقوط صدَّام، وتلاشي تأثير صورة زعيم “القاعدة”.