أرشيف شهر ديسمبر 2007

أمن المعلومات الشخصية

26 ديسمبر 2007

تطور التقنية يدفع إلى تطور الاحتيال وقد يسبق الأخير الأول، ومن غرائب البنوك، انك تسكن في الرياض بجوار البنك الذي تتعامل معه، ويتم الاتصال بك من «الشرقية» (300 كليومتر)، لإخبارك بصدور بطاقة ائتمان أو صراف لك، ويطلب عنوانك! مع كل التحديثات التي تمت وتتم وتقفل لأجلها الحسابات الشخصية، ثم ترسل لك عن طريق البريد الذي يعتمد على توقيع أي شخص في المكان.

جانب آخر أصله ولع البنوك وشهوتها لزيادة عدد «الممسوكين من رقابهم» بواسطة البطاقات دفع بعضاً منها إلى خطوات عدة، من الترغيب التليفوني بصوت نسائي، «ما ودك ببطاقة للأبناء أو الزوجة أو احتياط… وببلاش!»؟ وربما إصدار بطاقات من دون علمك.

وإذا عدنا لأسلوب التقاضي بين العميل والبنك عند الخلافات وما أكثرها، الذي يفترض أن يعيد الحقوق لأصحابها ويكون عدلاً بين الطرفين، وعلمنا أن اللجنة المكلفة بذلك تعيش وتعمل داخل حضن مؤسسة النقد، والأخيرة مع البنوك قلباً وقالباً، وعلى المتضرر من العملاء تكريس حياته للاستمرار في كتابة الخطابات في جولات «من أطول نفساً»، إذا علمنا ذلك يمكن لنا توقع الكثير من الأخطاء… ومعها الأخطار على حقوق الناس وربما الأمن الذي يتتبع تمويل الإرهاب ومنابعه الآثمة لم تجف.

بعد طول انتظار ومطالبات عدة شاركت فيها، أصبحت البنوك السعودية تضع رسالة تليفونية عند اتصالك بالخدمة المصرفية الهاتفية، تحذّر فيها ممن قد يتصل بك زاعماً انه موظف بنك ويطلب معلومات، هذا أمر طيب، على رغم تأخره طويل التيلة. وكثيراً ما يوصف صاحب الخدمة او العميل بعدم الوعي وليست هناك توعية، ولا يخفى أن بعض البنوك هي من أكثر المستفيدين من انخفاض الوعي المصرفي، خصوصاً ان سوءاتها لا تظهر على السطح.

لست ضد البنوك على الإطلاق، لي معارف اعزهم وأقدرهم من ملاك بعضها وموظفين كبار وصغار احترمهم في بنوك أخرى، لكنني ضد «استهبال» البشر وغض الطرف عن الثغرات. نحن متأخرون كثيراً في التوعية المصرفية وشعاع حقيقة أن هناك ضياع حقوق لا يستطيع حجبه اكبر منخل في العالم.

الآن يشتكي مئات الآلاف من الأميركان من سرقة المعلومات الشخصية، إذ تحتفظ المتاجر بتلك المعلومات المدونة على البطاقات، وتخترق من محترفين، ويعاد استخدامها بإصدار بطاقات مزوّرة، لها سوق سوداء تباع فيها على «الانترنت». محترف منحرف مع جهاز كومبيوتر محمول وبرنامج يمكن تحميله مجاناً من «الانترنت»… النتيجة سرقة معلومات لاسلكياً، فهي متاحة بالهواء وإن لم نرها. هذا هناك في أميركا، أما لدينا فما زِلنا نزحف على درجات الألف باء… حماية وتعويضاً.

عنق الزجاجة… سابقاً

25 ديسمبر 2007

لا أخفي على القارئ أنني كنت قلقاً على موسم حج هذا العام 1428هـ. من الأسباب المعروفة، الاستهداف الذي يتعرض له استقرار السعودية من قوى إرهابية متعددة، دول ومجموعات تلبس أردية مختلفة. والمتابع لا بد من يتذكر إن مواسم الحج السابقة كانت فرصة تنتهزها، على سبيل المثال، بعض القيادات السياسية العربية، التي أدمنت الظهور الإعلامي وكاميرات الفضائيات للتشويش على السعوديين، وهم يتحملون أعباء تنظيم الحج. فالحمد لله الذي أشغلهم في أنفسهم. أما الأسباب المستجدة لذلك القلق، فيمكن حصرها في الأوبئة، أنفلونزا الطيور تفشي وباء الكوليرا في العراق وإيران، مع قدوم حجاج كثر من تلك البلاد، إضافة إلى أن معظم الدول التي يفد منها الحجاج هي دول نامية، مستوى الخدمات الصحية فيها منخفض أو اقل من ذلك، قد لا يستطيع الوفاء بالمتطلبات. يمثل بعض هؤلاء مصادر لنقل الأمراض لإخوانهم الحجاج الآخرين، ولعلم من هم خارج السعودية، فإن المستشفيات والمستوصفات في مناطق السعودية المختلفة وقبل موسم الحج بفترة، تزدهر بالتحصينات للوقاية من الأنفلونزا إلى الحمى الشوكية، فإذا وضعت في الذهن، صورة متطرفة، مثل أن هناك حاجّات من خارج السعودية يأتين ليلدن في موسم يصعب على الرجال يمكن لك تخيل الصورة.
ما سبق في كفة ورمي الجمرات في الكفة الأخرى، كل الحجاج لا بد من أن يمرّوا بهذه النقطة الحرجة، هي عنق الزجاجة في الحج، إلا أن هذا الموسم لم يشهد نجاحاً أمنياً وصحياً فقط، بل تجاوز مشكلة جسر الجمرات العصية بمراحل، فشاهدنا الحجاج وهم يرمون الجمرات بيسر وسهولة مكنت مذيعي القنوات الفضائية من الوقوف بجوارهم. وكان التوكيل في الرمي شائعاً، خصوصاً للنساء اللائي يُخشى عليهن من خطر الازدحام، واعتقد أن هذه السنة مكّنت الجميع من الرمي كباراً وصغاراً، كلف مشروع جسر الجمرات الضخم الكثير من المال والجهد، وهو لا يستخدم في السنة سوى لثلاثة أيام فقط، وما ان انتهى الحجاج من الرمي، حتى بدأ آلاف العمال في استكمال مراحل جديدة من المشروع الكبير، كل هذا تيسيراً للحجاج، وهو أمر واجب يحتفي ويفتخر به أهل السعودية قيادة وشعباً، وأختلف مع الذين يكررون أن موسم الحج موسم اقتصادي للموازنة السعودية، لأن رواج السكن وتجارة المواد الغذائية في مكة المكرمة والمدينة المنورة أثناء الحج، لا يقارن على الإطلاق بالمبالغ الضخمة التي تصرف على البنية الأساسية في المشاعر كل عام، في حين لا تستخدم سوى لفترة قصيرة جداً، يمكن لي القول إن السعوديين احتفلوا بعيدين عيد الأضحى المبارك وعيد نجاح باهر لموسم الحج. فالشكر لله تعالى، ثم لكل المخلصين الذين كانوا وراء هذا النجاح.

لندعم الأمهات

24 ديسمبر 2007

فكرة ذكية قدّمها، مشكوراً، الأخ الكريم فهد صالح الربدي، تستحق العناية الإيجابية والدراسة من اللجنة المكلفة بتنفيذ قرار دعم بعض السلع الغذائية، ومن فرط ابتهاجي بالفكرة احتفظت بها إلى حين مرور ذروة أيام الحج والعيد، لعلمي أن القراءات الرسمية في الوزارات لما ينشر في الصحف خلال تلك الأيام تكون غالباً في حال سبات.
إذا أراد الإخوة الأعزاء في وزارة المال السعودية ومعهم أعضاء لجنة تطبيق قرار دعم حليب الأطفال، الموقّرين، تحقيق إنجاز مشهود وأهداف كثيرة تتشعب اقتصادياً واجتماعياً وتربوياً، أقترح عليهم القراءة المتأنية لهذه الفكرة، ومن المهم ألا يثني عزمهم الانطباع الأول، الخادع، الذي قد يوحي بصعوبة التطبيق، لأن الأهداف الإيجابية المتحققة أكثر وأعم وأشمل… بل إنها أعمق.
من أسهل الأمور على أعضاء اللجنة المعنية عمل جرد لمستودعات تجار حليب الأطفال، ووضع معادلة حسابية ثم الصرف وترك أمر رقابة الأسعار لجهات نعلم أنها لا تقوم بواجباتها على الوجه المطلوب، ثم ان الأفكار والإجراءات الناجحة ليست بالضرورة هي الأسهل تطبيقاً، بل الأنجع في تحقيق الأهداف المرجوة.
والفكرة تتلخص في دعم الأمهات المرضعات بدلاً من دعم حليب الأطفال المجفف المستورد، قد “يزم” البعض شفتيه أمام هذه الفكرة للوهلة الأولى، خصوصاً ممن تعودوا على الإجراءات السهلة والمعتادة، إلا أن التدقيق بها ومعرفة النتائج الإيجابية المتوقعة لتطبيقها وتعددها تدفع للتأني، أولها تشجيع الأمهات على الرضاعة الطبيعية والفوائد الصحية للطفل والأم معروفة ومعلومة، حتى ان الرضاعة الطبيعية للأم تسهم في تقليل احتمالات الإصابة بسرطانات الثدي وعنق الرحم، والفوائد التربوية من الرضاعة الطبيعية في العلاقة بين الأم والطفل معروفة أيضاً، يضاف إلى هذا فوائد اجتماعية للأسرة السعودية وإعانة غير مباشرة لها، بدلاً من إعانة سلع مستوردة قد تتلاشى بمبررات التضخم وخلافه، أيضاً هذه الأموال ستبقى مفيدة داخل دورة الاقتصاد المحلي، ويُقدِّم الأخ فهد الربدي إحصاءات في رسالته وجدولاً يوضح عدد الرضعات اليومية، ليخلص في النهاية إلى أن الإعانة التي يتوقعها للأم المرضعة قد تصل إلى نحو 6 آلاف ريال طوال فترة الرضاعة المعتادة، والرسالة القصيرة مع البيانات جاهزة للإخوة في اللجنة المعنية. عند العلم بالفكرة يتحدد الاتجاه ليصبح بالإمكان الشروع في الدراسة، ولا ننسى أن الهدف من قرار إعانة حليب الأطفال هو التيسير على الأسرة السعودية، وفي الاتجاه لدعم الأم المرضعة تجاوز لذلك الهدف بمراحل، هي أيضاً ليست من البدائل فقط، بل عودة للأصل والطبيعي، وأشكر الأخ الكريم فهد الربدي، وأجد أن بيروقراطية اللجان في امتحان بين السهل المكرر والأقل سهولة وأكثر فائدة وأنجع في تحقيق الهدف البعيد… النبيل لقرار الإعانة، ولمحبي الأولوية ستكون السعودية أول دولة تدعم الأمهات، بحسب علمي، والفضل في هذا عظيم، والموضوع يستحق أن يعاد طرحه منتظراً رد فعل إيجابي، والله المستعان.

صور من الحج

23 ديسمبر 2007

يحمل الحاج همومه معه إلى المشاعر المقدسة في مكة المكرمة، فَيُكْثِر من الدعاء إلى العزيز المنان، الحجاج من لبنان، مثلاً، تضرعوا بالدعاء إلى الله تعالى لإنهاء أزمة كرسي الرئاسة… المستطيلة! مشكلة الساسة هناك أنهم لم يستطيعوا… أن يكونوا لبنانيين مئة في المئة، وفي أعماق أداء جموع الحجيج للفريضة صور جميلة ومواقف أكثر جمالاً، هي مخزون ثري للعمل الإعلامي، توقعت أن تقوم قناة “الجزيرة” وهي تحضر للمرة الأولى لنقل الحج بتقديم شيء مختلف، ولم أجد فرقاً عن قنوات أخرى، أما السعودية منها خصوصاً وهي تختزن تجربة إعلامية تراكمية في الحج فما زالت على “طمام المرحوم”، الزميل الكاتب محمد السحيمي في “الوطن” أجاد في نقد ذلك قبل أيام بأسلوبه اللاذع.
من أجمل صور الحج التي شاهدتها، صورة رجل الأمن السعودي وهو يحمل طفلة تائهة، من مشكلات الحج الدائمة التيه، لكبار السن والأطفال، لذلك شُيدت مواقع للحجاج التائهين وللأطفال، تذكّر اختلاف اللغات والثقافات، وضيق وقت أداء المناسك، وارتباط الحاج بمجموعات ورحلات لتعلم صعوبة الأمر، عثر رجل الأمن على الطفلة التائهة صباح يوم عرفة، واستمر يحملها إلى الساعة الواحدة من فجر يوم النحر، إذ رفضت الطفلة “عمرها سنتان” أن توضع في مركز الأطفال التائهين، وتشبثت به، رقّ قلب الرجل فاستمر في حملها. وعلى شاشة إحدى القنوات مقابلة مع حاج عربي أحضر ابنته العشرينية للحج وهي تعاني من تخلف دماغي، شرعاً هي غير مكلفة، ونقلها والعناية بها وسط الملايين غاية في الصعوبة، مشهد آخر نقلته “الحياة” لحاج روسي عانى من أزمة نفسية، فحاول الانتحار بالقفز من بناية إلى أن تمكن الأمن من إنقاذه ونقله إلى المستشفى، أما الحاجة العراقية نورة الشمري، فكان لها في الحج عيد إضافي، إذ التقت بابنها ناصر المهاجر إلى استراليا منذ خمسة أعوام، يوم عرفة أسوأ أيام إبليس في الدنيا، من هنا أدعو الخالق عز وجل مثل ما أخزاه أن يخزي أبالسة البشر وهم كثر، والمتطرفين منهم في العراق وغيره بأي رداء ظهروا ويعيد الاستقرار.
الصحف تفوقت على القنوات في نقل هذا الموسم، أما في الجانب الرسمي، فهناك إشادة بالنقل الترددي بالحافلات ودوره في تسهيل الحركة، ويظهر لي أن حل شبكة سكة حديد صغيرة في المشاعر أفضل بكثير وأنظف وأكثر أماناً وأسهل إدارة، ضع في الحسبان أعداد تلك الحافلات وسائقيها والمساحة التي تحتلها، إضافة إلى صعوبة إدارتها، ومن حج يعلم تأخر الوصول إلى مزدلفة ومعاناة البشر داخل المركبات، وفي الحج صور سلبية كثيرة، أصحاب الإعاقات المتسولين وعصابات السرقة والنشل وحملات الحج الوهمية أو سيئة الخدمة، التي لن يوقف أصحابها عند حدهم إلا التشهير بالصور والأسماء مع الغرامات الكبيرة… أما التهديد والوعيد وحفظ العقوبات في الأدراج فهو يفرخ المواليد كل عام من حملات “النصب”.

كرم

22 ديسمبر 2007

المبادرة أو إبداء الاستعداد لدفع الحساب في مطعم أو مقهى من الصفات الظاهرة في الشخصية العربية… نسبياً، خصوصاً إذا ما قارناهما بأجناس أخرى.
تلتم مجموعة من الشبان على طاولة مقهى يتسامرون فإذا وصلت الفاتورة تحولت إلى مصدر للخلاف، وعلى درجات مختلفة تبدأ من الاعتراض الشفهي المتعدد الطبقات الصوتية إلى ذروة استخدام الأيدي، مروراً بالأيمان والحلوف ورمي الطلاق على زوجة بعيدة عن المشهد، ربما تكون بحاجة ماسة إلى مصروف يومي! يُنظر إلى هذا المشهد المتكرر على أنه صورة من صور الكرم العربي، يندهش لها آخرون، ومن العجب أن صورة الكرم وسمات شخصية الكريم في الثقافة العربية تركزت حول ما يصل إلى الجوف خصوصاً، والمادة عموماً، وقليلاً ما يُنظر في هذا الشأن إلى الجانب المعنوي أو التعاملي، فهذا الذي استلّ محفظته بفروسية، لإكرام أصحابه بدفع الحساب ليس هو بالضرورة أكرمهم تعاملاً أو أكثرهم وفاءً للحقوق التي هي أولى وأحق للمبادرة، بل قد يكون هناك فَرْد من هذه المجموعة هو أحوج ما يكون إلى قيمة الفاتورة، ليحفظ ماء وجهه، ولن يلتفت أو يسأل أحداً!
 في مثل هذه المواقف المتكررة أفتش عن “الأنا” ودرجة أثرها في إخراج هذه الصورة اليومية… فهل لكون المشهد جماعياً تدفع “الأنا” صاحبها إلى الإصرار على مثل هذا التصرف؟!
واللافت أن هذه المواقف ربما تحمل مؤشرات تتنافى مع الصفات الكريمة وحسن الخلق في التعامل، عندما يصل الأمر إلى اشتباك بالأيدي والتدافع لتصبح غالبية أفراد المجموعة “كمبارس” في مشهد كوميدي يجذب أنظار كل المتواجدين في المكان، مع أن الجميع – تقريباً - قام أو سيقوم لاحقاً بدور فيه.
والأمر ينطبق على تقديم الآخر عند الدخول إلى مكان أو الخروج منه، تكريماً له، لدرجة تصل الحال ببعضهم إلى جر الثياب والدفع بالأيدي، مثله مثل مشهد تكريم الضيف بالجلوس في صدر المكان، يمكن سحبه سحباً، على رغم أن كثيراً منا يردد: “إكرام النفس هواها”.
لا أشك لحظة أن هناك دافعاً نبيلاً من تصرفات كهذه، لكن الطريقة تَحْرِفه عن مساره وتحيله إلى مشهد مؤذٍ، وهو لو تحّول في صورته الساخنة المترعة بالإثارة والعنفوان إلى الكرم بمعناه الشامل في التعامل الحسن وحفظ الحقوق ومساعدة المحتاج المتعفف الذي قد يكون جالساً وسطنا، ونحن لا نريد أن نعلم! لكننا مجتمعياً في حال أفضل، والإشارة واجبة إلى تحول لطيف عند الأكثر تعليماً وأدباً جعل هذه المواقف أخفّ وطأةً وأكثر سلاسةً، يقوم أحد أفراد المجموعة من مقعده بعذر الذهاب للاغتسال ويرتب مع إدارة المكان تسديد الحساب، وأصدقاؤه منهمكون في الحديث، بعض آخر، وهم قلة، يحدّدون وقت انصرافهم للاغتسال مع قدوم الموظف حاملاً الفاتورة فيريحون ويستريحون.