أرشيف شهر يناير 2008

نقاط على الحروف

21 يناير 2008

وضع وزير التجارة والصناعة الدكتور هاشم يماني النقاط على الحروف. ففي آخر تصريح صحافي قال: «إن معالجة موضوع الأسعار مسؤولية الدولة بأطرافها كافة، لأن هناك، إضافة إلى السياسة التجارية، سياسة مالية ونقدية تتحكم في السيولة في السوق وبين الأفراد وبين المؤسسات، وكذلك المشاريع وسرعة نموها وطرحها، وأيضاً علاقة الريال بالدولار».
مشكلة وزارة التجارة أنها في الواجهة أمام المستهلكين، فهي، كما يُفترض ويتوقع الناس، من يحميهم من الاحتكار والتلاعب بالأسعار وبالمعروض من السلع. وأصل الخلل في تقديري، ناتج عما يتوقعه الناس في مقابل ما تعودت الوزارة على عمله، والأمر يحتاج إلى مزيد من الشرح.
يؤمن الجمهور بأن الدولة أوكلت لجهات حكومية اختصاصات معينة، هدفها الأعلى توفير سبل العيش الكريم للمجتمع. هم هنا يتوقعون من هذه الجهات - بما لديها من إمكانات وكوادر بشرية - أن تكون على استعداد تام لتضع الحلول قبل بروز العقبات. أيضاً يتوقع جمهور المواطنين تنسيقاً وتناغماً بين الجهات الحكومية لتحقيق هذا الهدف، وهم في الحقيقة غير مسؤولين عن أي إخفاق تنسيقي بين هذه الجهات، سواء كانت البيروقراطية سبباً ظاهراً له، أو كان الركون والدعة، وتَرْكُ من في واجهة الإعلام يتحمل عبء الضغوط.
في المقابل - وفي تقديري الشخصي - أن وزارة التجارة لم تكن حاضرة الحضور المطلوب لحماية حقيقية للمستهلك ولا حتى لتوعيته التوعية السليمة، الحقيقة أن هذا الخلل في دور الوزارة لم يكن من مواليد هذه السنة أو التي قبلها، بل هو قديم قد بلغ من العمر أَشُدَّه، بمعنى أن الوزير الدكتور هاشم يماني ليس مسؤولاً عن ميلاد هذا القصور، بل هو نقص وخلل تراكم في عهود وزراء سابقين، أنتج ضعفاً واضحاً، وربما تلاشياً، في دور الـــوزارة تجـــاه المستهلكين. وأتذكر أني مع زمـــلاء كرام كتبنا مراراً وتكراراً مطالـــبين وزراء تجارة ســـابقين، بإنشاء جهاز فعال مســـتقل لحماية المســـتهلك، دون فائدة تذكر.
استمر عمل الوزارة بصورته السابقة الاعتيادية.و ما فاقم الأزمة، غياب حماية حقوق المستهلك الذي يرد عليه بحرية الاقتصاد، فكانت حرية على حسابه. ووصل الأمر إلى عدم الممانعة في إنشاء الغرف «التجارية» إدارات، مرة لحماية المستهلك ومرة لتوعيته ولغيرهما من شؤونه، وفيه ما فيه من تعارض صارخ بين المصالح. الآن تعمل الوزارة من الصفر لإنشاء وكالة حماية المستهلك! متى تنتهي من ذلك، إذا علمنا أن قرار إنشاء هيئة حماية المنافسة صدر منذ سنوات عدة؟
لعلها خيّرة إن شاء الله. بقي أن نسمع من الجهات الأخرى المتوارية عن المشهد الإعلامي، فلا تتفاعل مع قضايا المجتمع بالصورة المطلوبة، مع أنها المعنية بالسياسات المالية والنقدية.

«خوش صناعة»

20 يناير 2008

نشرت صحيفة «الحياة» نقلاً عن «رويترز» خبراً يقول إن هيئة رقابية عالمية مقرها الولايات المتحدة سحبت شهادة الجودة الممنوحة للشركة السعودية لصناعات الأنابيب، لأن نسبة الرصاص في منتجاتها تتجاوز الحد المسموح به، وخلصت الهيئة الرقابية إلى انه لا يحق لهذه الشركة استعمال علامة الجودة الخاصة بالهيئة.
رصاص في مياه الشرب خطر على الصحة، لكن أنظر إلى تعليق مدير المبيعات الدولية والتسويق في شركة الصناعات السعودية للأنابيب لوكالة رويترز… قال: «إنه ليس على علم بإعلان المؤسسة وأن المنتج الذي انتقدته المؤسسة يباع في السوق المحلية فقط»!
من هنا تأتي «وطنية» الصناعة لدى هذه الشركة، فما دخل «رويترز» او مؤسسة «ان.اس.اف انترناشيونال». المنتج لا يباع سوى في سوقنا. كأنها هجمة مرتدة على صناعتنا الوطنية الوليدة «المعطاءة» من جانب الصناعيين الغربيين، بعد أن دحرتهم في عقر دارهم، فلم يكن أمام مدير المبيعات الدولية (»لاحظ الدولية») إلا أن «يزبن» داخل السوق المحلية، فهي سوق رحبة تتجول فيها المنتجات الرديئة من كل حدب وصوب، وسمننا - ولو كان فيه رصاص - في دقيقنا… «ايش دخلكم انتم».
وزارة المياه ومصالح المياه في السعودية مدعوة للنظر في هذه المنتجات ومواجهة الشركة، هناك اعتراف صريح من مسؤول فيها بحصر مبيعات الأنابيب التي تحتوي على نسبة رصاص غير مسموح بها في الدول المتقدمة في سوقنا المحلية فقط، «بعضمة» لسانه، والشاهد «رويترز» ولسانها طويل وربما هناك تسجيل، لو كانت صحيفة محلية هي التي نشرت مثل هذا الخبر اعتماداً على جهودها الذاتية لربما تم تكذيبها وشن حملة عليها.
ننتظر تحقيقاً رسمياً نرى فيه من وزارة المياه ومصالحها ووزارة التجارة و «الصناعة» مقدار حرصها على صحتنا أولاً ثم على صحة الصناعة الوطنية الحقيقية التي يتعامل العاملون فيها مع سوقهم «الوطنية» بما يرضي الله تعالى لا الأميركان.
***
من تأجيل إلى تأجيل ينتظر من تبقى من موظفي شركة «سدافكو» المفصولين أن تُنهي الهيئة العليا لتسوية الخلافات قضيتهم. تناقص عددهم بفعل ظروف الحاجة من 25 موظفاً إلى 15، وتتحول إجراءات وزارة العمل الطويلة إلى سوط على رقابهم، يستخدم من جانب الشركة. في ظل هذا الوضع هم لا يستطيعون العمل في موقع آخر، لأن هذا مخالف للنظام، في حين يسمح هذا النظام للعمالة المقيمة بالعمل عند الغير في حال وجود قضايا عمالية تتطلب وقتاً طويلاً! وهو أمر عجيب، فأين المساواة؟ «سدافكو» استفادت من نظام تشجيع الصناعة الوطنية والإدراج في سوق الأسهم ورفعت الأسعار وتحقق أرباحاً، ومع ذلك تبخل على الموظفين السعوديين بحقوقهم، وتستمر في استثمار بطء الإجراءات.

خدر لذيذ

19 يناير 2008

المديح «أحياناً» قد يضر بأداء الجهة الممدوحة، ما يؤثر سلباً في خدماتها، وخلال الفترة الماضية حظيت شركة أرامكو السعودية بالكثير من الإشادة والتنويه، بتجربتها الإدارية وكفاءة موظفيها العالية وأسلوب تخطيطها المستقبلي.

آخر من امتـــدح ذلك الموقّــِع أدناه في معرض التعليق على الاكتتـــاب الأخير، إذ اقترحتُ تخصيص كامل فتــرة الاكتتاب في شركة «بترورابغ» للمواطنين، فإذا لم تتم التغطية من المواطنين الأفراد حينها يتم طرح ما تبقى للصناديق والمحافظ الاستثمارية. بالطبع، لم أنتظر تعليقاً من «أرامكو» ولا حتى هيئة سوق المال، ولك أن تنظر إلى ما حصل عليه المواطن الفرد الذي اكتتب، 41 سهماً لا غير، مصدقاً لمقالي «فتات الاكتتابات» للمواطن، و «حضانة» للصناديق الاستثمارية.

ما يدفعنـــي للحديــــث عن الآثـــار السلبية للمديح والإشادة شيء أهم، وهو نقص الكيروسين في مناطق مختلفة من السعودية، وتعذّر الحصول عليه من جانب بعض المواطنين وسط درجات «برودة» تحت الصفر والصقيع. وكنت أتوقع أن إدارة أرامكو «ذات جودة عالية»، اتضح أنها أحياناً لا تختلف عن جهات أخرى، فبعد كيل المديح استسلمت لخدر لذيذ، ثم ألقت في تصريح لأحد مسؤوليها اللوم على محطات ومتعهدين وكأن لا دور لها في إدارة هؤلاء والإشراف عليهم، ومنع نشوء سوق سوداء لسلعة بالغة الضرورة، وأنقل للإخوة المعنيين بالكيروسين في شركة أرامكو العزيزة أسئلة من مواطنين عن مدى ارتياحها لطريقة توزيع مادة التدفئة تلك على المتعهدين، وهل يقوم هؤلاء بواجبهم على أكمل وجه أم أن هناك من يستغل زيادة الطلب؟

ثم إن شركة ارامكو لديها من القدرات والإمكانات ما يمكِّنها من تقدير الحاجات المستقبلية، وهي على اطلاع بأوضاع تغيرات درجات الحرارة مستقبلياً، فهي تعمل في البر والبحر، وتبدلات الطقس تعني لأعمالها الكثير، فأين مسؤولوها من توقع زيادة الطلب وتوفير الكميات المطلوبة وزيادة المعروض منها قبل فترة مناسبة؟

من السهل رمي تهمة التقصير على متعهدين ومحطات، لكن هذا يستدعي سؤالاً عن دوركم في سد الثغرات، وبين أيديكم إمكانات ضخمة. والذي حصل مع الكيروسين في الشمال العزيز وحفر الباطن شبيه لما يحصل في الدقيق وكذلك في أعلاف الماشية، والردود هي نفسها بـ«الكربون».

عن العمل الخيري

18 يناير 2008

قصة حيزان التي علّقت عليها بالأمس، ليست الوحيدة التي تعبّر عن حالات إنسانية محتاجة، أمام ضعف أداء العمل الخيري المؤسساتي، واستمرار عمله بنمط قديم. ثم إن هناك أموراً حدثت زادت من صعوبة العمل الخيري في الخارج، لبعض الجمعيات والأفراد أيضاً. وقد طالبت منذ زمن بالاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى الذين عملوا تطوعياً في الخارج بحيث تستثمر في الداخل.
خلال عملي متفرغاً للصحافة في فترة مضت كنا نواجه مشكلة عند عرض حالة إنسانية تتطلب تبرعات من المحسنين، كان هناك تجاوب في البذل لكن، أن تستقبل الصحيفة أو محرر الصحيفة مالاً نقداً، كان أمراً فيه إشكالات عدة، لأن اتهام الذمة سهل ونفيه بالغ الصعوبة، وفي شأن مثل هذا… التدقيق شبه مستحيل، في حين يبقى الانطباع السلبي غالباً في الأذهان حتى وإن لم يكن صحيحاً بالمرة، هذه حقيقة عايشتها. من هنا كان الحذر على الصحيفة والعاملين بها واجباً، وكان الحل الموقت أن يسلّم صاحب التبرع بيده تبرعه ويصوّر ويوثّق. هذا الحل يحمل بداخله معوقات، فليس كل متبرع على استعداد للحضور، وليس كل صاحب حاجة قادراً على الوصول.
تذكرت هذا بعد مطالعة مأساة أم نواف التي نشرتها «الحياة» في طبعاتها السعودية، وهي أم لخمسة أكبرهم فتاة في الثامنة عشرة تعمل في مستوصف براتب مقداره 1500 ريال، تبقى منها 500 ريال للمعيشة! وأصغرهم طفل في الرابعة من عمره. أم نواف مريضة مسجونة بسبب 350 ألف ريال ديوناً متراكمة، والأطفال محرومون من أمهم السجينة، والأسرة في وضع صعب.
سألت الزميل فيصل المخلفي الذي كتب القصة، هل اتصلت أي جمعية خيرية للنظر في حال أم نواف، فأجاب بالنفي، ولم أستغرب، الجمعيات الخيرية - في الغالب - لا تتفاعل مع ما ينشر.
احد دوافع الكتابة اتصال من صديق يحب عمل الخير، اقترح علي دعوة 350 فاعل خير للتبرع بألف ريال من كل واحد منهم. قلت الفكرة جميلة والتطبيق صعب، فمن الذي سيجمع المال؟ أرجو ألا يقال أرسلوه إلى جمعية خيرية لأنهم لا يتفاعلون والله أعلم بأحوالهم. ومع موجة البرد الشديد في الشمال العزيز والبحث عن سبل لمساعدة المحتاجين هناك، لا بد من البحث عن رؤى جديدة للعمل الخيري. أما الذين يرددون أن هناك تضخيماً وبحثاً عن الإثارة أو الشهرة متهمين بعض الأقلام بذلك فحسبنا الله عليهم.
السؤال موجّه إلى المسؤولين الكرام في وزارتي الداخلية، والشؤون الاجتماعية: كيف السبيل لفتح أبواب جديدة للعمل الخيري بعيداً عن الشبهات الأمنية والذمية وكذلك البيروقراطية، وبما يحقق التكافل الفعّال بين أفراد المجتمع؟

“حيزان” … والله ما أنصفناك!

17 يناير 2008

قصة مؤثرة بطلها الشيخ حيزان، أتحفنا بها الزميل سعود المطيري في صحيفة «الرياض»، الشيخ حيزان الفهيدي من محافظة الاسياح في السعودية، له قصة تستحق أن تروى ثم تروى ثم تتم روايتها مرة ثالثة. وهي قصة قصيرة في أحداثها، عميقة في معانيها، أما «المشيخة» هنا للشيخ حيزان، رفع الله قدره، فهي ليست مالية، فحاله المادية «على الحديدة»، هي من الشيخوخة.
ولأنه لا يبقى إلا الذكر الطيب، انظر إلى جمال وروعة ما يذكر به حيزان. كان حيزان يعيش وحيداً مع والدته ويقوم على رعايتها، وعندما كبر في السن جاء شقيقه الوحيد الذي يسكن في مدينة أخرى في السعودية مطالباً… بماذا؟ بالحق في رعاية والدتهما المسنة، نشأ من هذا خلاف وصل إلى المحاكم، وليس من السهل على الكثيرين الذهاب إلى المحاكم إلا اضطراراً. كل واحد من ابني المرأة المسنة يطلب الحق برعايتها، حيزان قال وقتها ما معناه: «ما قاصر عليها شي»، وشقيقه له رؤية في المسألة، لم تكن الأم تمتلك مالاً أو عقاراً يسيل له اللعاب حتى يتخاصما عليه بلغة هذا الزمان. من رواية سعود كانت تمتلك خاتماً نحاسياً. واحتار قاضي محكمة الاسياح، فطلب حضور الأم محور القضية لتختار بين ابنيها، فجيء بها محمولة داخل «كرتون» يتناوب الشقيقان على حملها، وكان لجوابها زيادة في حيرة القاضي، قالت إنهما مثل عينيها لا تفرق بينهما، لم يستطع قلب الأم الاختيار، ثم حكم القاضي لمصلحة شقيق حيزان، فذرف الأخير الدموع وسلّم بالأمر وودّع والدته - رحمها الله تعالى.
ولم يذكر الزميل سعود تاريخ هذه القصة، ولو جاءت في مسلسل لما صدقها كثير من الناس، لكنه أوردها لسبب، إذ يريد التذكير بشخصية حيزان ومن هو وبِمَ يذكر. حيزان جاء مضطراً إلى الصحافة ليخبر عمّا فعل الفقر به مع الجمعية الخيرية.
إذ إن له مساعدة مالية من الضمان الاجتماعي لا تكفيه، وطلب مالاً كان يحصل عليه من الجمعية الخيرية في الاسياح فرفض طلبه، لأن دخله السنوي يبلغ 1166 ريالاً… أقول سنوياً، ولو كان حيزان محظوظاً لكان هذا الرقم للوحة سيارة جديدة، ربما تحسّنت أحواله.
طلب حيزان سحب ملفه من الجمعية فأعطاه الموظف ملفاً فارغاً. إذا كان هذا دقيقاً، فهو من الاستهتار بالبشر. والاستهتار بالمحتاج اشد مرارة.
والجمعيات الخيرية لها شروطها، وهي مناسبة لتكرار طلب فتح ملفاتها ومدى قدرتها على الوفاء بواجباتها مع ضغوط شديدة متزايدة على الفقراء. أما حيزان، رفع الله قدره، فلم افلح في الوصول إلى الزميل الكاتب لمعرفة التطورات، لذلك اكتفي بقول: والله ما أنصفناك يا حيزان.