أرشيف شهر يناير 2008

عجائب

16 يناير 2008

لمكافحة الجريمة والفساد والتجاوزات في مجتمعنا، لا بد من التعاون مع الجهات الحكومية. يأتي التعاون بالحرص على إبلاغ الجهات الأمنية والرقابية. دائماً ما يُحض الجمهور على مثل هذا التعاون.
لكن، ما الذي يحدث أحياناً؟ يحدث أنه يتم غمط الحقوق الأدبية لمن بادر، فلا ينوه عن جهده وهو الحد الأدنى، وربما يهمل بلاغه فيسبب له ذلك إحباطاً قد ينتج منه اتجاه للتساهل مستقبلاً. فعندما يعلم بمخالفة وتحدثه نفسه بالإبلاغ عنها يردد: وما الفائدة؟
في حادثة عامل المواد الغذائية المصاب بالإيدز، الحقيقة أن الذي قام بالإبلاغ عنه مواطن كان يريد نقل كفالته، فبعد الكشف الطبي اتضح أنه مصاب بالإيدز، فقام بالإبلاغ ودخل في متاهة تداخلات الصلاحيات وضبابيتها لدى عدد من الجهات، ومن بلاغه يمكن بعد التحقيق معرفة عدد من الثغرات في مراكز الشرطة وإدارة الترحيل، لا أحد يتسلمه ولا أحد يعرف إلى من يسلمه! ونقل كفالة من دون فحص، فهل يعقل هذا؟ أما المستوصف فلم يبلغ عنه بحسب النظام.
الأخبار الصحافية التي نشرت، في البداية لم تصور الأمر بدقة وجلاء.
ولم يظهر في الصورة أن المواطن كان هو من قام بالواجب الأمني، إلى أن نشرت «الحياة» التفاصيل يوم الأحد.
حادثة أخرى بطلها العامل الذي يجهز جيف الدجاج في دورة المياه الخاصة بالنساء، أيضاً كان المُبَلِّغ مواطناً آخر، ارتاب في الأمر وأبلغ عنه. أيضاً في الأخبار المنشورة لم تتضح هذه الصورة بجلاء، إذا أردنا تعاون الجمهور يجب أن لا تُغْمَطَ حقوقهم، فإذا لم يرغبوا في ذكر أسمائهم فلهم ذلك، على أن يذكر في ما ينشر «بناء على بلاغ من…»، أيضاً في هذا تشجيع للآخرين للمبادرة وعدم التراخي.
هذه نقطة مهمة أرجو أن تؤخذ في الحسبان سواء من الجهات المعنية أم من الزملاء الصحافيين، لا تأخذكم الرغبة في إعادة صياغة الخبر، وعبارات الإنجاز، عن التأكد من أصله وأساسه. المبادرة للإبلاغ هي أيضاً إنجاز لإنسان شريف دفعه حبه للوطن ولخير مجتمعه وناسه للمبادرة. فهو يحب للآخرين ما يحبه لنفسه.
حسناً، هل تريد أن تضحك من الأسى؟ عامل الدجاج «الفطيس» لم يوقف أيضاً، بل أطلق سراحه، علمت أنه عاد لجمع أغراضه… ربما «بقايا ريش». لن أستغرب إذا ما تم نقله للعمل في مكان آخر. تضاف للجهات المذكورة أعلاه جهة غائبة وكأن الأمر لا يعنيها، إنها وزارة الشؤون الإسلامية، إذ أوكلت المساجد للعمالة من دون مراقبة تذكر.

هارون الرشيد «ثانك يو»

15 يناير 2008

أشرت أمس إلى أهمية تصريحات القنصل في سفارة بنغلاديش لدى السعودية السيد هارون الرشيد حول العمالة البنغالية، التي نُشرت في صحيفة «الحياة»، وتوقعاته بأن عددها سيتضاعف قريباً.
أعجبني في تصريحات القنصل حرصه على عمالة بلاده، حتى ولو كان طوفان الإعلام في السعودية ضدها، معظمه حتى أكون أكثر دقة، وحتى لو بادر مواطنون على صفحات «الإنترنت» لرصد ظواهر تلك العمالة السلبية بالصور. وتوقفت عند ما كشفه التصريح من عدم اهتمام مسؤولين سعوديين وأيضاً رجال أعمال (ذكرهم من دون أسماء) بما يدور في الشارع السعودي، لأنهم في لقاءات مع السفير البنغلاديشي لم يذكروا شيئاً له عن ممارسات سلبية من كل نوع، تقوم بها بعض تلك العمالة، على رغم انه سألهم، ركّز معي عزيزي القارئ: السفير سألهم! يعني فتح لهم الباب، كأنه قال: «عسى ما في الخواطر شيء»، ومع ذلك لم يلمس لديهم أي استياء أو تذمر، أما رجال الأعمال فلم يبدوا رغبة في إيقاف استقدام تلك العمالة، إذ قال إنهم في السفارة اتصلوا بعدد «كبير» من رجال الأعمال السعوديين ولم يبدوا رغبة في الإيقاف.
فماذا تريدون من سفارة بنغلاديش أكثر من هذا؟
يمكن القارئ العزيز الفهم وتدبر ما ورد في هذا الجزء من اللقاء المثير. أركّز عليه مرة أخرى لأنني ظننت، من باب التفاؤل، أننا سنرى في اليوم التالي رداً رسمياً من جهات معنية.
الكشف الكبير الذي جاء بين سطور الحوار مع القنصل البنغلاديشي هو الأكثر أهمية وعمقاً، لأنني اعرف أن من واجبه الحفاظ على مصالح بلاده ومواطنيه، وعلى الآخرين أن يحافظوا على مصالح بلادهم ومواطنيهم، كل طرف معني بواجبه، ومن لا يقوم به على مسؤوليته. ولأننا لم نقرأ تصريحات من المسؤولين الذين قابلهم السفير البنغلاديشي في السعودية ولم يبدوا له استياء، وكذلك لا نعرف ما هي رؤية رجال الأعمال السعوديين الذين لم يبدوا رغبة في إيقاف تأشيرات العمالة البنغالية «على رغم أن بعضهم يشتكي على صفحات الصحف من سرقات»، يحق لنا الاجتهاد وافتراض أن هناك رؤية سعودية لما يحصل من جرائم وتجاوزات، مارستها بعض العمالة البنغالية أو اتهمت بها، نريد أن نعلم ما هذه الرؤية أو يتفضل علينا مرة أخرى القنصل مشكوراً، بإعلان أسماء المسؤولين ورجال الأعمال السعوديين، حتى تقوم الصحافة بواجبها من باب العلم، تنويراً وتوعية للرأي العام، وإحقاقاً لحقوق تلك العمالة المظلومة، أما خلاف ذلك مثل انتقاد تصريحات القنصل، فهو تجديف في الهواء، والدليل ما نقله القنصل عن السفير من أن لا احد أبدى استياء أو تذمراً.
سؤال لا يجوز الهرب منه، يستند الى ما سبق: هل يهتم المسؤولون ورجال الأعمال السعوديون الذين التقى بهم السفير بما يدور في مجتمعهم، أم أنهم في عزلة عنه؟

هارون الرشيد… شكراً

14 يناير 2008

المقصود هو القنصل البنغلاديشي في سفارة بنغلاديش في السعودية، السيد أس. أم. هارون الرشيد، الذي اخبرنا - في لقاء صحافي أجراه الزميل محمد الجمعي في صحيفة «الحياة» - حفظنا الله وإياه، معلومات ليس من السهل العثور عليها، فنحن آخر من ينشر الأرقام والإحصاءات الحديثة.
أولها أن في بلادنا 1.5 مليون عامل بنغالي، ولم يذكر السيد هارون الرشيد هل يشمل هذا الرقم من يعمل في السوق السوداء أم هو محصور في النظاميين منهم ؟ ثم اتهم بعض الصحافيين بالكيد لعمالة بلاده، وذكر التالي: «لم نتلق من الحكومة السعودية أي أمر يشير إلى وجود استياء رسمي أو شعبي من رعايانا، والسفير البنغلاديشي لدى الرياض، سأل عدداً من المسؤولين السعوديين عن موقفهم من جاليتنا المقيمة في السعودية، ولم يلمس لديهم أي استياء أو تذمر، كما أننا اتصلنا بعدد كبير من رجال الأعمال ولم نجد لديهم أية رغبة في وقف الاستقدام من بلادنا».
وهذا الكلام يثير علامات استفهام كثيرة، فإذا سلمنا به فإن كل ما يدور في الشارع السعودي والصحافة السعودية ليست له قيمة تذكر والعهدة على سعادة القنصل! مع التنويه بأنه لم يذكر مسؤولاً بعينه وفي هذا تعميم مخل.
لم يذكر القنصل أسماء صحافيين ممن اتهمهم بتشويه صورة العمالة البنغالية، لكن الصحافة حقيقةً تعبر عن الواقع وتنقله، وليس لديها موقف محدد تجاه جنسية بعينها، وإن كان هناك هامش عدم دقة أو لبس فهو بسيط، والكرة الساخنة الآن في مرمى الجهات الحكومية السعودية بعد هذا التصريح «المستريح».
الحوار الذي نشرته «الحياة» مهم جداً، وحاولت حفظه على جهاز الكومبيوتر لكنه اختفى، يعلم الله تعالى، بحثت عنه مرة أخرى فلم أجده!
من أهم ما جاء في الحوار توقع القنصل أن عدد العمالة البنغلادشية في السعودية سيتضاعف قريباً، ولم يحدد المدة الزمنية للقريب هذا، لكنني بعد هذا الجزم كدت أتصور وأتخيل انه هو من يُصدر التأشيرات!
وعلى العكس من البعض، لا أتصور أن مشكلة التجاوزات والسرقات محصورة في العمالة البنغلادشية او غيرها، بل أن هناك مواطنين لهم دور مهم إما بالتسيب والتساهل أو بالمشاركة في تلك الأعمال، وربما باستخدام تلك العمالة أدوات من جانب بعض ضعاف النفوس، ويكبر الشق مع عدم الصرامة في تطبيق الأنظمة والبحث عن اصل العلة.
أخيراً اشكر سعادة القنصل على هذا التصريح «المستريح»، واطمع في جواب على هذا السؤال: هل تضمن لنا سعادتكم أن عمالتكم ليست من أصحاب السوابق في بلادكم؟ أما بالنسبة الى المواطنين السعوديين فأنصحهم بالاستعداد لاستثمار الفرصة والبدء في تشييد غرف للإيجار.

تداخلات تنتظر «مبادرات»

13 يناير 2008

طالعت صورة لوزير النقل وهو يتفقد سير العمل بمشروع الضلع الشمالي الغربي في الرياض. تذكرت عندها «علة» مخرج 15 في الدائري الشرقي، وهي علة جديدة، إذ كان طريقاً عادياً ثم تم تطويره. وهو أمر طيب ومشكور ومحمود، ليصبح سريعاً كحد السكين. المشاة المساكين ما زالوا على عادتهم القديمة، يقطع الواحد منهم طريقاً تعوَّد عليه لسنوات طويلة، والنتيجة حوادث دهس مفجعة. المطلوب سرعة إنشاء جسر للمشاة، ووضع سور لمنعهم من قطع رقابهم، إنهم في ذمتكم.
هذا نموذج للتداخلات في الاختصاصات أو نطاق الصلاحية والإشراف. بعد السؤال علمت أن هذا الجزء لا يتبع للبلديات، بل لوزارة النقل. هناك أكثر من طريق داخل مدينة الرياض جزء منه يتبع البلديات، والآخر وزارة النقل. أجزاء من طريق الملك فهد، جسر الخليح، كنماذج. لا بد من أن مدناً أخرى تعيش الوضع نفسه. بدأت بالطرق للخطورة، وضحايا أبرياء، مع بطء عهدناه من الجهاز البيروقراطي، إنما التداخلات في الصلاحيات كثيرة ومتشعبة وهي توفر مساحة ضبابية لرمي المسؤوليات، كل جهة على الجهة الأخرى. أيضاً هي توفر ثغرات في الأنظمة تتيح لمن يريد النفاذ أو التسيب تحقيق غايته، هي مثل عمود مائل يستند إليه الموظف البيروقراطي عاملاً بالمرجع الشهير للعمل الوظيفي: «لا تحرك تبلش».
آتي بأمثلة حاضرة بدلاً من التعميم الذي لا يحقق غاية المقال:
- في تراخيص العيادات البيطرية، ونحن على هامش أنفلونزا الطيور، هناك تداخلات في الصلاحيات وعدم وضوح رؤية بين وزارة الزراعة والبلديات.
- في إصدار الشهادات الصحية للعاملين تداخل بين وزارة الصحة والبلديات، خصوصاً ما يتعلق بالعاملين في المنشآت الغذائية، خذ نموذجاً قصة العامل المصاب بالإيدز «أخيراً» والذي حمّلت كل جهة مسؤوليته للأخرى وهي نموذج ممتاز للعقلية البيروقراطية.
- في تراخيص «مصانع» أو «معامل» (ما الفرق؟) المياه، تداخل بين وزارتي المياه والصناعة والبلديات؟
- في قضايا الغش التجاري تداخل بين البلديات ووزارة التجارة.
- في الشروط بين تراخيص الاستثمار الأجنبي والمحلي ضبابية واختلاف واضح.
هذه أمثلة، وما لدى العارفين داخل الجهاز الحكومي أكثر، والحاجة ماسة لإصلاح هذه التداخلات، بما يحقق انسيابية في الإجراءات، ووضوحاً في المسؤوليات الرقابية تسهم في تحقيق الأهداف العليا.
والحلول ليست صعبة، وهي مناسبة لأن أدعو الله تعالى إلى أن يوفق الرئيس الجديد لهيئة الخبراء في مجلس الوزراء الأستاذ عصام بن سعد بن سعيد في مهمته الجديدة، ومعها دعوة للمبادرة والنظر بهذه التداخلات، لأنها أسهمت في كثير من السلبيات التي قد لا تحصى… خصوصاًً أن احدى مهمات هيئة الخبراء «مراجعة الأنظمة السارية واقتراح تعديلها»، ولا بد من التأكد الميداني من قدرة الجهة المعنية على القيام بالمهمة على الوجه الأفضل قبل إيكالها لها، والتاريخ العملي مرجع ثري.

ذكية أم غامضة؟

12 يناير 2008

نشرت الصحف أن «رئيس قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات مدير مكتب المدن الذكية» في الهيئة العامة للاستثمار السعودية، ألقى محاضرة في مدينة الخبر، بعنوان «المدن الذكية في المملكة».
أظن… أن الذكاء يستلزم الثقة بالنفس لتكون الأخيرة أكثر شفافية، أقصد الذكاء الإيجابي، فإذا كانت المدينة ذكية فلا بد من أن تكون واثقة بنفسها. من هنا يُستغرب أن يشوب معلوماتها غموض، وما دامت الهيئة العامة للاستثمار قد اعتمدت مصطلح المدن الذكية فيمكن نسخ المسمى على الاستثمار الأجنبي، لتصبح الاستثمارات الأجنبية الذكية!
ولنبدأ بالمدن الاقتصادية… الذكية.
قال المحاضر إن شراء أراض فضاء «للمدن الاقتصادية» خفض كلفتها 40 في المئة. حسناً، هل من الممكن أن يخبرنا بسعر الشراء، ثم سعر «حسابه» للبيع على المكتتبين في أسهم ما طرح من هذه المدن لنرى مقدار الخفض في الكلفة وعلى حساب مَنْ كان؟
أشار المحاضر إلى أن «الهيئة» تخطط لثلاثين عاماً مقبلة لتنويع مصادر الدخل الخ… والسؤال لماذا خططت الهيئة بمعزل عن جهات حكومية معنية أساساً بالتخطيط؟ فهل هو عدم ثقة بقدرات هذه الجهات؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا لا نصاحب الذكاء شفافية ويعلن عنه!
أعلن المحاضر أن الجهات المعنية ببناء المدن… الاقتصادية تسعى لجلب أيدٍ عاملة ماهرة من الخارج لمدة معينة، ثم تدريب الشباب السعوديين لإحلالهم لاحقاً.
وما دمنا في «طاري» الذكاء، وإذا تذكرت الفترة الزمنية التي انقضت على وضع حجر الأساس لأول مدينة اقتصادية، ومدة التخطيط قبلها وأن بنيتها الإسكانية ستنتهي، بحسب المحاضر، بحلول عام 2009، يحق لنا أن نتساءل عن أسباب عدم التخطيط لتدريب الشباب منذ ذلك الوقت… الطويل. تذكّر عزيزي القارئ أننا نتحدث عن مدن ذكية تتطلع لثلاثين عاماً مقبلة!
قلت إن الذكاء يستلزم الثقة بما لدى من اتصف به، والهيئة دائماً ما تعلن عن «تحقيق ميزة تنافسية للبيئة الاستثمارية في السعودية وجذب استثمارات أجنبية تخلق فرص عمل وتحسّن المستوى المعيشي للأفراد».
وهي أيضاً تعلن كل فترة عن أرقام كبيرة جذبتها للاستثمار في الداخل، حسناً، لماذا لا تخبروننا تفصيلياً عن القطاعات الاقتصادية التي تم الاستثمار فيها، وعدد الفرص التي «خلقتها» ومن استفاد منها؟ وهل هم على رأس العمل؟
لماذا تبقى مثل هذه المعلومات حبيسة الأدراج، على افتراض توافرها؟ وهل هذا من الذكاء في شيء أم انه إلى الغموض أقرب؟
ومن الذكاء أيضاً منع نشر إعلانات المدن «الذكية» التي تعتمد على رسومات ولوحات، تخيلية، ملونة جميلة ابتكرتها رؤية المصمم أو شركة الإعلان! في حين أنها لا تصوّر أو تمثل حقيقة الواقع… الترابية.