أرشيف شهر فبراير 2008

مطاحن

24 فبراير 2008

أن تحدث أزمة طحين في بعض مناطق السعودية فهو أمر مخجل، لأنها بلاد قادرة ولديها كل الإمكانات، وقيادتها حريصة على مواطنيها. كما لم يسبق أن حدث ما يحدث، في أوضاع أكثر صعوبة.
حتى الآن هناك تراشق بين بعض الجهات، ولعل من المثير أن تكون الغرفة التجارية في جدة هي مَن يبحث عن إسعاف تمويني، كما ذكرت صحيفة «الحياة». هذا يشير إلى انه لم يُشيّد نظام تمويني فعال، يمتلك خططاً للطوارئ وخطوط إمدادات مساندة غير تلك التي تعوّد عليها من متعهدين وتجار.
ذكرت أن الأمر مخجل لأنه يسيء إلى صورة أجهزة حكومية، كُلفت خدمة الناس والسهر على توفير حاجاتهم. هو أيضاً يخدش صورة السعودية في الخارج، وهي التي عُرِفت بيدها «الجزلة» الممدودة للآخرين، القريب منهم والبعيد، وقبل هذا وبعده هو يحجب عن المستهلك ابسط حاجاته، وعندما تطالع بعض الصحف المحلية هذه الأيام يخيّل إليك انك تقرأ صحفاً عربية في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات الميلادية. الحقيقة أن المستهلك في بلادنا إجمالاً وفي قضايا التموين لم يعرف الطوابير منذ زمن بعيد.
الصورة المعلنة إعلامياً والتي أستند إليها في التحليل والطرح، أن الصوامع في مكة المكرمة تريد حضور عدد من المتعهدين للتحقيق معهم وهم يرفضون، والظلم وقع على المستهلك، والصوامع يرأس مجلس إداراتها وزير الزراعة الذي أدعو له بالعون والتوفيق، وهو قادر على ان يطالب «التجارة» بإحضارهم، كما انه يستطيع طلب المعونة من وزارة الداخلية التي لن تتوانى عن الحضور الفاعل. وأياً تكن العقبات البيروقراطية التي قد لا نعلمها، لا يصح أن يوقف التموين عن السوق إذا كان متوافراً، أما إذا لم يتوافر فيجب ذكر ذلك بشفافية، وإذا كان التهريب مسؤولاً عن النقص، فلماذا لم يتم التعامل المبكر معه؟
حذّرت من التهريب قبل اشهر، وأشرت إلى مستودعات وقوافل حمير، لم يستسغ الرقيب ذكرها! ولا يعقل أن تكون «الحمير» المستخدمة للتهريب في الجنوب، قادرة على حمل كل تلك الكميات.
نحن نعيش أوضاعاً شبيهة ببداية قضية نفوق الإبل والغموض الذي صاحبها، العامل المشترك هو صوامع الغلال ومطاحن الدقيق، والأعذار التي تطرح حالياً هي ذاتها تقريباً.
نعم، يجب أن يوقف كل مهرب أو من يبيع للمهربين كميات حصل عليها بالسعر المدعوم، أو يخزنها لبيعها بأسعار أعلى، والكل مع الصوامع في هذا الإجراء، ويجب أن يُشهّر بهم ويحاسبوا ولا يتعامل معهم مستقبلاً، في الوقت ذاته لا يصح وقف ضخ الكميات للسوق. لقد تضرر الناس من الأزمة المفتعلة، وهي تبعث على الخجل، وتشوّه صورة البلاد التي نسعى الى رفعتها.

«نفوق الطحين»

23 فبراير 2008

العمومية التي اتصف بها بيان هيئة الرقابة والتحقيق المنشور في الصحف تثير الأسئلة. البيان قال إن الهيئة رصدت 6821 قضية رشوة وتزوير واستغلال نفوذ خلال العام الهجري الماضي، ثم أفصح جزئياً عن أنه «تم النظر في 848 قضية رشوة، و5629 قضية تزوير، و64 قضية اختلاس، و101 قضية تتعلق بإساءة المعاملة واستغلال النفوذ، و179 قضية تتعلق بتزييف النقود» (انتهى). والواضح أن النسبة العظمى من عمل الهيئة خلال العام الماضي تركز على قضايا التزوير، ولم يوضح البيان صور وأشكال هذا التزوير، وهل هو متركز على تزوير الإقامات والجوازات للعمالة؟
البيان لم يذكر أية مبالغ مالية لهذه القضايا ليعلم الرأي العام مقدار أهميتها، كما انه لم يشر إلى قيام الهيئة بالادعاء ضد أحد أمام ديوان المظالم كما ينص نظامها وصلاحيتها، بل اكتفى بالعموميات، إذ قال: «إن الهيئة لا تكتفي بإبلاغ تلك الجهات بملاحظاتها، بل تتابع ما تم بشأن تلافيها واستدراكها، مع سعيها إلى توثيق التعاون بينها وبين الجهات الحكومية، خصوصاً إدارات المتابعة بتلك الجهات للقيام بعملها» (انتهى). ولم يحدد البيان ماهية المتابعة، خصوصاً إذا كان الأمر سيعاد للجهة التي حدثت فيها القضية. أعود للسؤال السابق: كم قضية تم النظر فيها وتبنتها الهيئة أمام ديوان المظالم؟
إن المنتظر من هيئة الرقابة والتحقيق كبير، وهو بحجم اهتمام ولاة الأمر - حفظهم الله تعالى - بمكافحة الفساد الإداري واستغلال النفوذ وحماية النزاهة والمال العام. والحقيقة أن البيان المقتضب لا يشير إلى استلهام لهذا التوجّه المعلن منذ سنوات.
هذا في العام. أما في الخاص، فقد انشغل الرأي العام السعودي لأشهر طويلة في قضية كبيرة وحساسة، سميت «كارثة نفوق الإبل»، إذ نفقت الآلاف من البعارين، وتضرر أصحابها ضرراً بالغاً، وهم في الغالب من الفقراء. وراجت الإشاعات حول الأسباب. وظهر مسؤولون يبرئون صوامع الغلال ومنتجاتها من النخالة، واتُّهم متعهدون وعمال. وبعد تصريحات عن عينات وإرساليات وفحوصات داخلية وخارجية بقي الوضع عائماً، إلى أن شكلت لجنة برئاسة وزارة الداخلية وعضوية وكلاء الوزارات المعنية وحققت في القضية ورفعت نتائج أعمالها، فصدر أمر كريم بالموافقة على نتائج التحقيق، والذي كشف الآتي:
«أن السبب الذي أدى إلى وجود مركب (السالينومايسين) - وبنسبة عالية - جاء نتيجة خلل إداري وفني أدى إلى اختلاط علف النخالة المخصصة للإبل مع الأعلاف المخصصة للدواجن، وان حدوث ذلك كان في وقت يدار فيه خط إنتاج أعلاف النخالة بالصوامع في محافظة خميس مشيط من خلال عدد من عمال للنظافة، مع غياب الرقابة والإشراف اللازمين لسير العمل على الوجه المطلوب» (انتهى). وأحيل الملف لهيئة الرقابة والتحقيق، فماذا فعلت حتى الآن؟

تسلّل

22 فبراير 2008

رحم الله تعالى الرقيب أول محمد بن سعد العمري، وألهم ذويه الصبر والسلوان، محمد، وفي محافظة النماص - جنوب السعودية، أصيب بنوبة قلبية وتوفي وهو يقوم بواجبه في ملاحقة المتسللين من الحدود مع اليمن.
التسلل أصبح ظاهرة تستدعي المواجهة، بدأ بطوفان التسول، وها هو يكشّر عن أنيابه بانتماء البعض إلى عصابات. ولك أن تتأمل عدد المتسللين من أعضاء عصابة سرقة الوقود الذين قبض عليهم أخيراً في الرياض. وللعلم فإن سرقة الوقود والإسفلت معروفة ولها عصاباتها منذ أمد، بحيث يتم تصدير «تهريب» بعض منه إلى دول مجاورة.
وعودة إلى التسلل وما يفرخه من شرور، لك أن تتأمل تلك الحادثة الغريبة التي اكتشفتها الشرطة عن عامل قام بتخريب عشرين برج هاتف جوال عن طريق تحطيم عدادات الكهرباء التي تغذيها. يمكن لك أيضاً أن تعود إلى بيانات الإحصاء لحرس الحدود عن عدد المقبوض عليهم من المتسللين، لتسأل نفسك كم عدد من لم يقبض عليهم؟ إذا أردت جزءاً من الجواب، يكفي أن تتوقف أمام احد الفنادق الكبرى أو تتجول في الشوارع الرئيسية، لترى أن القضية تجاوزت الظاهرة، وأن الأعداد تستدعي تدخلاً فاعلاً.
الاقتصاد في السعودية يعاني من التضخم والبطالة، وحال الفقر بين المواطنين أنفسهم أصبحت معلومة ومعلنة فضائياً! وبالتالي هو لا يستطيع تحمل أية ضغوط مستوردة إضافية، فهذا مما يشدنا إلى الوراء ولن يفيد حكومات الدول المجارة التي لا تفعل شيئاً يذكر.

الذي قرأ قصة الطفل «راكان» ورفضه أن تتسلمه والدته لأنها بحسب قوله باكياً تعذبه بالكبريت، يخاف ويحذر من تكرر مأساة الطفلة «غصون»، التي انتهت بإعدام والدها وزوجته. صورة «راكان» باكياً وقصته التي نشرتها «الحياة» أمس، تطرح سؤالاً جوهرياً، يقول: هل استفدنا واعتبرنا من مأساة غصون؟ هل دوّنت هذه القضية لتكون مرجعاً؟ لقد كتب كثير من الزملاء الكرام عن ضرورة البحث عن أسباب ما حصل لغصون والنهاية المفجعة لأسرتها، ودور كل من الشرطة والشؤون الاجتماعية والقضاء، لكن احتمال تكرر السيناريو نفسه مع الطفل «راكان» يجعل الدهشة تصيب عقولنا.

هرم مقلوب

21 فبراير 2008

أبرز ما لفت انتباه القراء في التقرير الذي نشرته «الحياة» قبل أيام عن القوى العاملة في السعودية، هو تلك الإشارة إلى أن 1667 أمياً يعملون في وظيفتي مدير ومدير عام، منهم 336 من غير السعوديين.
عدم إجادة القراءة والكتابة، أعتبرها أمية قديمة، لأن الأمية في العصر الحديث أصبحت تتناول مهارات مستحدثة ومهمة، أقلها القدرة على التعامل مع التقنيات المتطورة واستثمارها في الأعمال، ولكن، في بلادنا، ومع التهافت على الشهادات العليا كحلية اجتماعية مؤهلة للمناصب، يمكن القول ان لدينا أميات متعددة مختلفة… بل ملونة، قد يكون للشهادة الصورية أو الشكلية دور فيها. ولم اطلع على اصل الإحصاء الذي قامت به مصلحة الإحصاءات العامة، ونشرته «الحياة»، وكنت أتمنى أن نعلم كم نسبة من يحملون شهادة الدكتوراه من بين من يديرون المستويات الوظيفية من المدير العام فما فوق في الجهاز الحكومي، لنعلم عندها عن اثر ذلك وهل له دور في الطفرة التي يذكر أننا نعيشها أم في الاختناقات التي نشكو منها ودخولنا من أزمة في أزمة؟ لأن نسبة مهمة من تلك الشهادات ليست من حيث التخصص العلمي متطابقة مع مهام الوظيفة، هذا بشكل عام، ولو أراد احد التدقيق والبحث في القدرات الشخصية والموهبة الإدارية ربما نكتشف نتائج أكثر إثارة من وجود ذلك العدد من الأميين.
الإحصاء المهم أشار أيضاً إلى مسألة جوهرية، وهي أن العمالة الوافدة تزيد على النصف من القوى العاملة في السعودية، وهو ما يطرح أسئلة عن التوازن في سوق العمل، إضافة إلى أن الإحصاء أكد ما هو معروف من أن العمل في الإدارة العامة هو الأكثر جذباً للسعوديين.
سبق لي ان كتبت، ناصحاً، عن فجوة أراها تتسع في الجهاز الحكومي، حيث لا إحلال للقوى العاملة في المستويات الإدارية الصغرى، فيتكاثر المديرون بعد الترقيات ليشرفوا على موظفين اقل عدداً مع خبرة اضعف، وهكذا حتى أصبح الهرم الإداري مقلوباً على رأسه. اعتقد انه من المناسب لمصلحة الإحصاءات إعداد دراسة حول هذه المواضيع الحيوية، ربما نعلم عندها بعضاً من معوقات التنمية في بلادنا.
….
يقال في الأمثال الشعبية عمّن لا ينصت لمن حوله على رغم محاولات المحيطين حضّه على التجاوب فلا يحرك ساكناً، انه قد وضع «في أذن طيناً وفي الأخرى عجيناً». تذكرت صديقي العزيز الذي يحتل الصدارة في «التطنيش» متى ما أراد، والمبادرة إذا استهواه وأعجبه الأمر، والتفت إلى مشكلة ندرة الطحين في بعض المناطق في السعودية، ملت عليه وقلت: إنها اللحظة المناسبة لأن تستخرج العجين من أذنك وتعرضه للبيع!

«تهنيد»

20 فبراير 2008

«الورقة» بالمحكي هي اسم اللعبة الشهيرة. وفي الخليج أيضاً لها أسماء عدة، منها «الشدة» و «الجنجفة». في مصر تسمى «الكوتشينة». من ألعابها الشهيرة «الكُنْكَانْ»، يختمها منتصراً من يحصل على «الهند» بفتح حرف الهاء، مبتسماً يفرش أوراقه أمام اللاعبين قائلاً: «هند». تصنف هذه الجولة بـ «التهنيد». أدخل من باب هذه اللعبة المنتشرة ممارساتها في السعودية لأنه من أوسع الأبواب ولا يقف أمامه حجاب. أزعم أن لهذه اللعبة تأثيراً عجيباً في مجتمعنا، وهو أمر يحتاج إلى دراسة.
حالياً نعيش حال «تهنيد» اعتبرها صرعة جديدة. وهي هذه المرة من الهند، البلاد المزاحمة على مقدمة العالم الاقتصادي. والوسط الذي أصبحت هذه الظاهرة مستفحلة فيه وبتطور مطرد هو البنوك. منذ فترة والبنوك المحلية تعيش صرعة «تهنيد» مكتسحة، يحتل هنود جدد مفاصل مهمة في البنوك، ثم يبدأ الواحد منهم في توظيف الأقارب. المشكلة أن أقارب الهندي كثيرون. بعض البنوك المحلية التي طالما تغنت بالسعودة و «الكفاءات الوطنية» بحسب التعبير المحبب للتصريحات الإعلامية، تقوم بعملية إحلال، يحتل فيها الهنود محل مواطنين. ويُفَضّلَ أن يكون الهندي حاملاً لجواز أخضر العينيين، لا يهم حتى إن كان معظم خبرته في المطاعم و «البرياني».
الوزير الدكتور غازي القصيبي أبدى، غير مرة، انزعاجه من عدم تأهيل السعوديين الباحثين عن عمل، وما سبق معلومة لمعاليه ليحافظ على المؤهلين الذين يكتسحهم «التهنيد». هذا المستوى الوظيفي من الهنود هم غالباً ما يتبعون الإنكليز… ركضاً… «رجل على رجل»، أو يقومون مقامهم بعد أن تنتهي فترة أخطار عبر البحار. ومما لا شك فيه أن الخبرات النادرة مطلوبة، لكن ما يحصل أمر آخر. أيضاً هو ليس بحثاً عن الأقل كلفة، بل هم يكلفون بالرواتب والتذاكر وتعليم الأولاد والسكن المُرَفَّه أكثر بكثير من المواطن. يمكن للمعنيين بالسعودة ومكافحة البطالة أن يحققوا في الأمر، إذا توافرت لديهم الرغبة!
والمثير في هذه الصرعة أن «التهنيد» وصل إلى بنوك تملك الدولة نسبة مهمة من رؤوس أموالها، ويفترض أن لها الصوت الأعلى في مجالس إدارتها. وهو صوت يصرّ ويراهن على السعودة! لست أعلم أين ممثل هذا المال العام في مجلس الإدارة مما يحدث؟ صورة مع التحية لمحافظ ونائب المحافظ لمؤسسة النقد.