أرشيف شهر مارس 2008

حتى لا نكون دمى

21 مارس 2008

ربما تصلك رسائل من طريق البريد الإلكتروني أو حتى الهاتف الجوال، تدعوك وتحضك على المشاركة في التصويت في ذلك الموقع الإنترنتي أو ذاك، نصرة للنبي الكريم - عليه وآله أفضل الصلاة والسلام - أو لإقفال غرفة محادثة تحاول الإساءة للإسلام، أو لوضع الإسلام والمسلمين في الصدارة من طريق كثرة أعداد المصوتين.
تحثك هذه الرسائل، التي يتولى بعض الإخوة المتحمسين من دون تدبر، إرسالها بالكوم مذيلة بعبارات منها: «انشر تؤجر»، «لا تدعها تتوقف عندك»، «لا تبخل بصوتك»، «نبيك بحاجة إلى نصرتك»، «من ذمتي لذمتك»… وغيرها الكثير من أنواع مطالبتك بالحضور الافتراضي والمشاركة في موقع أو صحيفة أو قناة فضائية تضع مشهداً فيه محاولة للإساءة للإسلام أو العرب وقضاياهم.
زخم يظن معه البعض أن صوته هو المرجِّح وان العالم ينتظره مترقباً سماع الصوت حتى تميل كفة الميزان، وان هذا الترجيح فيه كل الفائدة أو معظمها، بل قد يفكر البعض بأن في تلك المشاركة إبراء للذمة! فتنشط الدورة الدموية وتضخ في الجسد كمية معتبرة من الأدرينالين وتجد أن صوتك غير كاف، فتبحث عن أصوات مبحوحة إضافية… قائلاً: «ربع تعاونوا ما ذلّوا».. أرسل!
الموقِّع أدناه يقترح عليك «ويترجاك» ألا تصوت، بل يطالبك بألا تزور هذه المواقع ولا ترد على تلك الرسائل أو تنقلها لأحد آخر، صندوق المهملات لديك في حالة عطش دعه يرتوي، افعل خيراً بعدم ضغط روابط تلك المواقع وإضافة رقم زيارة لها أو التعليق عليها اعتراضاً أو سباً، لأن في ذلك نجاحاً لمن شيدها ويعمل عليها.
كفانا استلاباً، مثل الدمى يحرك كثير منا بخيوط من بعيد.
دعهم يضعون ما يريدون بالصورة التي يرغبونها فما دخلك، هل أنت موكل من الله تعالى على خلقه، قبل أن تفعل شيئاً فكر في مقدار حظك من الفطنة والكياسة، وهل «طرت في العجة».
من حيث لا يعلم المتحمسون يقومون بسذاجة فريدة بدعم هذه الممارسات وجلب الجمهور لتلك المواقع، يتحولون إلى موظفين بالمجان ضد قضاياهم، فيصفق أصحابها وهم يقهقهون ساخرين منهم.
عندما تصلك مثل هذه الدعوات، أقترح بل اطلب منك «الله يرحم والديك» أن «تطنش»، اهمل الأمر، لك أن تعتبره بركة مياه قذرة لا تلتفت إليها بل تضع على انفك اللثام وتصرف نظرك بعيداً. حتى لا تصبح رقماً في مجموعات المضحوك عليهم، ومساهماً من حيث لا تدري في إنجاح من يكرهك، إنه هو نفسه الذي يراك «مغفلاً بنمرة واستمارة».

غبارنا… ضبابنا الخانق

20 مارس 2008

لو تم تقويم الخسائر التي يتسبب بها الغبار وموجاته الدقيقة لأدهشتنا الأرقام. الخسائر المباشرة وغير المباشرة ضخمة وإن لم تقدر بعد. وللغبار أو «العوالق الترابية» كما تسميها رئاسة الأرصاد وحماية البيئة في السعودية والخليج مواسم كاتمة للأنفاس، تمكنك زيارة مراكز الطوارئ الصحية في المستشفيات والمستوصفات العامة والخاصة، لترى حجم الضرر الصحي. نساء، رجال وأطفال في شوق إلى الأوكسجين. ضغط كبير تتعرض له أجهزتنا التنفسية الضعيفة. لم يعد الشماغ مفيداً كما كان واقياً باللطمة، في حين أصبحت ذرات الغبار أكثر دقة وقدرة على اختراق كل «الفلاتر». إنه غبار «هاي تك»، الجانب الصحي - بما يتشعب منه من كلف أدوية وضغوط على الخدمة وأخطار على حياة المصابين بالربو وتعطيل إنتاجية للمرضى والأطباء - هو احد الجوانب لأضرار موجات الغبار. في جانب ثان يمكن تقدير خسائر الحوادث المرورية في الأرواح والممتلكات. الثالث: أن موجات الغبار تزيد من استهلاك المياه، عندما تنحسر يبدأ النزف أكثر في الغسيل والتنظيف. يضاف إلى هذا ان الغبار يتلف الكثير من الأجهزة والأدوات، ويقلل من فاعليتها وعمرها الافتراضي الإنتاجي.
يؤطر هذا فعله المؤثر السلبي على الحالة المزاجية للسكان، فيصبحون أكثر حدة وعصبية.
السؤال: ألا يمكن أن نخفف من موجات الغبار؟ لا أقول القضاء عليها، بل تخفيفها. اجزم أن بالإمكان فعل ذلك، بدرس ورصد منشأ هذه الموجات ومواقع تزويدها بالشحن الترابية. أعلم ان بعضاً منها يأتي من
وراء الحدود ويمر ببلدان. لكن، لدي أمل وتطلع إلى أنه بالإمكان فعل شيء.
والاقتراح مقدم لرئاسة الأرصاد وحماية البيئة، اعتقد أن بإمكانها فعل الكثير، وهي المعنية بالرصد والبيئة، وبيئتنا غبارية لم نحاول المحاولات الجسورة لتغيير واقعها الترابي، ويمكن استثمار طاقات الشباب في التشجير بعد اختيار المواقع المناسبة، ومعرفة خطوط حركة هذه الموجات، قد يبدو هذا حلماً صعب التحقيق، لكنني أجزم بأننا لو خففنا موجات الغبار بأي نسبة كانت لحققنا أرباحاً كبيرة منظورة وغير منظورة، أقلها تخفيف عناء الصدور الضعيفة.
وعندما زرت معرض الابتكار السعودي تمنيت أن أجد مخترعاً اهتمّ بقضية الغبار، ليخترع لنا جهازاً أو آلة تحوّل الغبار إلى ضباب أو تأكله وتريحنا.

نعم هي كارثة

19 مارس 2008

رئاسة شؤون الحرمين الشريفين تقدم النموذج للجهة الحكومية المهتمة باستقرار موظفيها وأسرهم، اهتماماً عملياً متبصراً.
وصلت إلى هذه النتيجة بعدما قرأت ردها على مطالبات بعض الموظفين الملحة لتحويل رواتبهم على البنوك، ليس الغرض من التحويل سهولة سحب الراتب، بل الحصول على القروض البنكية. الرئاسة في ردها المنشور في الوطن قالت ما لم تقله جهات حكومية أخرى ومنها جهات معنية بتطبيق الشريعة في أكثر من اختصاص مثل: المحاكم ورئاسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
«شؤون الحرمين» قالت: «إننا لا نحتاج إلى إجراء دراسة لإحصاء عدد الذين تورطوا من المواطنين في هذا الوضع المؤلم، أو تقدير حجم تورطهم (أي في القروض)، لأننا ندرك الصورة المؤلمة المتوقع ظهورها في المستقبل في تشكيل البيئة الاجتماعية في السعودية. والحكومة جادة، وهذا أمر متوقع منها في العمل على تخفيف حدة الفقر في المجتمع السعودي، ولكن الآثار المدمرة الناشئة عن عبودية فئات كبيرة من المجتمع للدين ستهيئ مناخاً ملائماً لنمو الفقر إذا عرّفنا الفقر بأنه زيادة كلفة حاجات الشخص عن دخله». (انتهى)
الحكومة تعلن وتحاول التخفيف من حدة الفقر، لكن هناك جهات حكومية لا تتبصر وهي تدفع الناس من خلال إجراءات… رخوة، تهوي بهم إلى شبكة البنوك العنكبوتية.
كأن هذه الجهات لا علاقة لها بمحاربة الفقر فتسهم في «التفقير»، عن غير تبصر دفعت فئات من المجتمع لعبودية الديون.
«رئاسة الحرمين» وصفت أحوال القروض البنكية وتورط أناس فيها بالكارثة الوطنية، وأنا اتفق معها تماماً، بل أشكرها على شجاعتها وأدعو لها بالتوفيق. فهي بحسب علمي أول جهة حكومية تقف هذا الموقف المسؤول.
موقف الرئاسة يساعد في فتح ملف، يُصمت عنه رسمياً من وزارة المالية ومؤسسة النقد، أقصد به ملف الفوائد المرتفعة والمركبة والأتعاب الإدارية التي تتحصل عليها البنوك من دون حسيب، أحد البنوك يقتطع 70 ريالاً قيمة بطاقة صراف آلي! على رغم حديث عن المصرفية الإسلامية! سبعون ريالاً لا تشكل شيئاً لكبار الموظفين، لكنها لمن راتبه 1500 ريال تعني الكثير.
لا أحد ينظر إلى أن أكثر من 50 في المئة من الحسابات الجارية المودعة في البنوك من دون أتعاب على البنك، في حين يستخدم السواطير عندما يقرض منها أحداً، ونتحدث عن مصرفية إسلامية، ولا نرى سوى مزيد من عبودية الدين.
شكراً لرئاسة الحرمين، وأقول للأخوة الموظفين ممن رفعوا قضية ضدها في ديوان المظالم: إنكم لم تعرفوا قروض البنوك حقيقة المعرفة.

جزر الإمارات في العراق

18 مارس 2008

كل مهتم بالشأن العربي العراقي يعلم أن وجه العراق تغير، بوجوه تم وضعها في الصدارة السياسية، ومن المعلوم مما خبرنا من العراق وأهلنا فيه، أن تلك الوجوه لا تمثل معظمهم حقيقة التمثيل، وفي العلم أيضاً أن العمل جار على قدم وساق بمباركة استعمارية أميركية لتغيير جذور العراق، ليس مهماً أين تتجه هذه الجذور، الحماسة لقلب التربة واستنبات الجديد تستلزم حاجة لمساعدة المتوثبين، وهنا أتى دور الجاهزية للتصدر.

وعندما احتضنت السياسة الأميركية مجموعة من الساسة العراقيين من أطياف مختلفة، في اجتماعات عدة، منها ما عقد في لندن وإقليم كردستان العراقي، كانت الصورة المعلنة أنها معارضة ممثلة لمختلف أطياف المجتمع في بلاد الرافدين، وان الاتفاق هو تغيير حكم الديكتاتور بحكم ديموقراطي.

إلا أن السياسة الأميركية الخارجية، بعد نجاحها في الإطاحة بالنظام العراقي السابق ارتكزت استراتيجيتها، على تجهيز وإعداد المسرح السياسي العراقي، على طيف معين وتوجه محدد، قامت عن تصميم بتسليمه زمام الأمور، وكان من المدهش أن ابرزَ ما في هذا الطيف، وفي مقدمة المقدمة، أحزابٌ لها ارتباطها السياسي والعقائدي بالجارة إيران، «الخصم اللدود» للغازي المحتل! ومن النتائج العجيبة في الصراع الأميركي - الإيراني توأمة «سياسية» داخل العراق، وسط غبار من الاتهامات بأعمال إرهابية، أقول غبار لأنها لم تؤثر على الإطلاق في وجوه العراق السياسية الحالية المدعومة بكل قوة من بوش.

أيضاً كان من الواضح، مثل الشمس في رابعة النهار، لكل ذي فهم سليم أن وجه العراق العربي تُجرى له عملية تغيير ملامح، تتكامل مع تغيير الجذور والواجهة السياسية، من هنا، لم أستغرب أن ينسحب عدد من أعضاء برلمان العراق «الجديد» من جلسة اجتماع للبرلمانيين العرب، لأنه تم طرح قضية الجزر العربية الإماراتية التي تحتلها إيران منذ أكثر من ثلاثة عقود، هذا خط احمر لدى أولئك البرلمانيين العراقيين لا يرضاه السيد ومحرك خيوط الدمى، فمن يمثل هؤلاء البرلمانيين يا ترى؟ ناخبون في بغداد أم في الإدارة السياسية في طهران.

وعن أية مصالح يدافعون؟ والجزر الإماراتية معروفة قصتها واحتلال إيران الشاه لها واستمرار «الحكومة الإسلامية الثورية» في الاحتلال وإصرارها عليه مع استخدامها الجماهيري لقضية فلسطين كل يوم، مبدأ الهيمنة هو نفسه وإن اختلفت اللغة.

إن هذا الموقف العجيب والمخجل سياسياً، يطرح جملة أسئلة أبرزها، ماذا يتوقع من دور لهذا البرلمان في حقوق عراقية في شط العرب وقضايا حدودية شائكة مع إيران؟ أما أهم هذه الأسئلة فهو مطروح على دول مجلس التعاون التي تُدفع دفعاً لتطبيع العلاقات مع السلطة العراقية وفتح السفارات ودعم العراق الجديد. هل بعد هذا يتوافر مكان لحسن النوايا في عراق تم استلابه؟

وصية ملك

17 مارس 2008

سواء كنت فرداً عادياً أم مسؤولاً، صغيراً أم كبيراً، معنياً بإدارة محدودة في منزلك أم بهيئة أو وزارة ضخمة يتبعها الآلاف من الموظفين والمحتاجين المتطلعين لخدماتها وتطبيقها النظام… على الجميع. من أي فئة كنت، أنت مدعو للتفحص والتمعن والتأمل في وصية الملك.
والملك هو خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، والوصية جوهرة ثمينة، بل إن ثمنها لا يمكن تقديره من علوه وسموه.
في خطابه الذي وزّع مكتوباً في مجلس الشورى، قال خادم الحرمين الشريفين: «من هنا أخاطب كل مواطن وأقول: عندما أوصيكم ونفسي بمخافة الله، والحرص على ألاّ يكون بيننا ظالم ومظلوم، وحارم ومحروم، وقوي ومستضعف، فنحن جميعاً إخوة متحابون في وطن واحد يتمسك بعرى عقيدته، ويفتديها بحياته، ويتمسك بوحدة الوطن، لا يسمع نداءات الجاهلية، سواء لبست ثياب التطرف المذهبي أو الإقليمي أو القبلي».
وفي هذا الجزء دروس ومنهج عمل ينبغي الحرص على ترجمته بمضامينه في الأجهزة التنفيذية، والإشارة العميقة إلى نداءات الجاهلية مذهبية كانت أو مناطقية أو قبلية لم تأتِ من فراغ، والإعلام معني بها في شكل رئيسي ضمن كل الفاعلين في المجتمع.
ولم يكتف الملك، الذي ملك القلوب - أيده الله بتوفيقه - بالكلمة المكتوبة مع شموليتها، بل تحدث من القلب الكبير لقلوب المواطنين، مسؤولين وعامة، كانت رسالة إلى القلوب تعبر من مجلس الشورى، وضع فيها خطوطاً رئيسية للمنهج الذي يسير عليه، فأكد حرية التفكير والنقد الهادف وأن المسؤولية أمانة لا مزايدة فيها. وفي شفافية متناهية يكشف خادم الحرمين الشريفين عن عدم تردده في النقد الصادق لنفسه إلى حد مرهق. وهو دأب الكبار الذين يعون تحمل مسؤولية وطن وشعب، وأنها قبل كل شيء أمانة في الرقاب.
خادم الحرمين الشريفين سطّر يوم السبت أمام مجلس الشورى، استراتيجية عمل، طرزها بمنظومة الأخلاق، ووعي المسؤولية وحقوق الضعفاء، فهذا هو غرس من غروس ترسيخ الانتماء والحفاظ على مكتسبات الوطن ووحدته والعمل على تطوير ورقي مواطنيه.
مجلس الشورى السعودي والأجهزة الحكومية أمامها الآن خطوط ملكية واضحة، دأب في الحرص عليها ولاة الأمر، وهي في ثناياها وتفاصيلها بحاجة إلى مزيد من الترجمة من المسؤول التنفيذي ليشعر بها كل مواطن ومقيم في حاجاته الصغير والكبيرة، وهي أيضاً دروس لعموم الناس في تعاملاتهم.
ولو كنت من المسؤولين في وزارتي الإعلام والشؤون الإسلامية، لاستخرجت من كلمة «أبو متعب» - حفظه الله - الضافية الكثير… الكثير، في برامج وخطب عميقة الدلالة واضحة المعاني، بعيدة عن الرتابة، لتصل إلى كل الشرائح.