أرشيف شهر مايو 2008

خليجنا واحد

31 مايو 2008

تذكرت ذلك الاقتراح الظريف اللطيف «العاجي»، من العاج الثمين، لا ساحل العاج الأفريقية الفقيرة، كان اقتراح «كرم» اسماً لعملة الخليج الموحدة… ممثلاً للتفكير البعيد عن الواقع وهمومه، إذ إن دول الخليج العربية مطالبة بأن تكون كريمة مع شعوبها أولاً، بالنظر في الحاجات والوفاء بها قبل أن تستفحل فتظهر صدوع في المجتمع، لا أن تظهر «بصيت الكرم» كما برر ذلك الاسم، تذكرت «كرم» لأطالب أيضاً بعدم سن قوانين مرهقة وغير منطقية ولا تتوافق مع أحوال الشرائح الكبيرة من المجتمع الخليجي، ومنها تحديد العمر الافتراضي للسيارات الخاصة بثماني سنوات… لا غير.
الصديق احمد الفضالة زودني بنقاشات ساخنة تحدث في البحرين حول اتفاق مجلس التعاون ذلك، ومقالات في أخبار الخليج. والاتفاق يناقش في مجلس النواب البحريني، والحقيقة أني لا اعلم هل عرض على مجلس الشورى السعودي أم لا، لعل احد الأعضاء يتفضل بتوضيح ذلك وما موقف المجلس. وإذا كانت البحرين توصف بالأقل دخلاً بين دول الخليج العربية وبالتالي معظم مواطنيها سيتضررون ضرراً بالغاً من اتفاق مثل هذا، فالواقع يقول إن شريحة من المواطنين في السعودية وغيرها من دول «موسمة بالنفط» لا يختلفون في الدخل عن إخوانهم في البحرين، القصد ان الضرر سيعم.
إنه اتفاق مفصل على مقاس قلة قادرة ووكالات سيارات تعمل على بساط الريح، ستحوّل دول الخليج إلى أكبر مصدر للخردة.
يا ترى كم نسبة الذين يستطيعون تغيير سياراتهم كل ثماني سنوات؟ وما الخسائر المتوقعة على اقتصادات الخليج؟ ولماذا نكرس قيمة الاستهلاك ونتحول إلى أكبر مصدري الخردة في العالم، ولو كانت حكومات دول الخليج العربي ستتحمل الكلفة كل ثماني سنوات، وتهدي كل مواطن سيارة جديدة، لقلنا إن هذا ليس من العقل الاقتصادي في شيء. ان الخليج وهو يتحدث الآن عن طفرة صناعية استثمارية ونقلة نوعية لتوطين التقنية والمعرفة، يجب أن يقرن ذلك بالفعل وعمق التعامل مع تطوير إنتاجية المجتمع الخليجي، فلا تصدر قرارات واتفاقات ملزمة تشجع على مواصلة النهم الاستهلاكي في مجتمعات تعاني من التضخم وارتفاع الأسعار، وإذا كان الهدف هو تحسين البيئة فهذا يتم من خلال تحسين مواصفات الواردات من المركبات والتطبيق الصارم لها، لا بإثقال كاهل المواطنين باتفاقات لن يستفيد منها سوى المنتجين هناك في الدول البعيدة والمستوردين المحدودي العدد.

العودة إلى الجذور

30 مايو 2008

«الطين منا وفينا»، والقائ الذي علق باسم «مواطن» اقترح العودة للبناء بالطين، للارتفاع الجنوني في أسعار الحديد والحاجة الماسة لبناء مساكن، ومتفقاً معه أقول إن الطين أطيب وألطف فهو من البيئة، مع الطين لا تشكو من الصهد، ولا ترى المكيف ينفخ وأنت تتصبب عرقاً، لتصاب في الصباح بالرشح.
ومن مشكلاتنا القوالب، منذ زمن الطفرة الأولى ونحن معلبون في قوالب، أنظمة البناء لا تسمح بالبناء إلا بالأسمنت والحديد، أضفت عليهما قدسية نظامية، وعندما عاد بعض الناس إلى التراث، عادوا له شكلاً، صاروا يبنون غرفاً أسمنتية ثم «يمرخونها» بطبقة من الطين، و «المرخ» أي الدهن للعلاج، فكأنهم يعالجون الأسمنت بطبقة رقيقة من الطين، لتعطي شكل البناء الطيني القديم بما يشع منه من ذكريات وتوق، لكنها لا توفر قيمته البيئية والصحية.
على سبيل المثال، كلما ارتفعت أسعار النفط ظهرت أفكار لبدائل جديدة، والارتفاع أيضاً يحقق جدوى اقتصادية لآبار نفط كانت تكلفة الاستخراج منها مرتفعة فأصبحت مع الارتفاع مجدية. لماذا لا نفكر ببدائل للحديد والأسمنت؟ وجود مصانع لا يعني أننا نكفل استخدام منتجاتها، التفكير مهم في إيجاد البدائل، والسعودية بلاد مترامية الأطراف ثرية بالتنوع الجغرافي، إلا أن أنظمة البناء هي هي في كل منطقة… قالب واحد!
ما زال في منطقة نجد بقايا شواهد على نجاح البناء بالطين لأدوار متعددة مع صمود طويل الأجل، والفرصة الآن قائمة من ناحية اقتصادية لتطوير البناء بالطين، وبالحجر في المناطق الجبلية وفي كل منطقة نعود إلى شيء من أصلها المعماري، والقصد البحث في أنظمة البناء المتشددة والتي جعلت الأسمنت والحديد من سادة الزمان والمكان، ولو أراد شخص بناء غرفة في منزله بالطين لوقفت له البلدية بالمرصاد، أيضاً ما زالت أنظمة البناء تصر على نسبة معينة ومرتفعة من حديد التسليح. أتذكر مقاولاً تركياً كان ينفذ فيلا عادية المساحة من دورين، قال لي وهو يشير إلى حديد التسليح، إن هذه الكمية في تركيا تشيد بناية من ستة أدوار.
لنفكر في البدائل ونعيد النظر في الشروط بما يكفل السلامة وعدم الهدر والإسراف غير المبرر، ولنخفف على الناس في الضوابط ولنعطي كل منطقة جغرافية ما يتناسب مع طبيعتها وخصوصيتها.

قراءة في قرّاء

29 مايو 2008

أستلف هذه الزاوية من القرّاء لأكتب عن بعضهم.
يبدأ بعض القراء رسائلهم إلى هذه الزاوية بالمثل الشعبي «أنت تنفخ في قربة مشقوقة»، إلى هنا والأمر عادي، لكن هؤلاء الإخوة والأخوات وبعد إشارتهم بالسبّابة إلى «الشق في القربة» يقومون في الرسالة نفسها، بعرض قضايا عامة أو خاصة طالبين من الكاتب طرحها والكتابة عنها، والأمر هنا غير منطقي ولا يستقيم، فإذا كانت القربة مشقوقة فما فائدة الطرح ونثر الحروف؟ يظهر أنه بصيص الأمل، الذي يبقي الشمعة مضيئة، وهو بصيص يجب ألا يختفي ولا بد من أن «نداري عليه».
أما «القِرَبْ» فلم يعد أحد يستخدمها، اللهم إلا في حالات متوارية عن الضوء، ربما في الليث وبيشة ومحافظات مثلها… إنما في الجوهر «للقربة» قيمة بما تحتويه، الماء مصدر الحياة والنماء والحضارة أيضاً، لذلك فهي صورة من صور الأمل المنتظر والمتوقع وفي أعماقها يقين الطمأنينة بتوفر الحاجة عند الاحتياج.
حتى لو كانت هناك قربة مشقوقة فلا بد من وجود «قرب» أخرى غيرها، ورجال يحرصون على رتق ما انشق وإصلاحه، ومراجعة حامل القربة ومحاسبته إن أخطأ، وقدرنا أن نساعدهم بجهدنا، مستعينين بالله تعالى، واجب المساعدة يأتي بذكر حقيقة الواقع لا بالمداراة عليه وتجميله بما ليس فيه… وأيضاً عدم الصمت عنه.
وفي الأماني، تعليقاً على تذمر قرّاء من عدم تناول همومهم، الكاتب يود طرح كل ما يهم قرّاءه وناسه ويشغل بالهم، ويتجاوب مع كل رسالة، لكنها الكتابة العجيبة، تعتقد انها في يدك والواقع أنك في يدها، الكتابة الصحافية ليست «حصة تعبير». بل هي فكرة أشبه بالقصة المحبوكة، هذا لا يعني إهمال رسالة أو قضية بل هي تبقى عالقة في الرأس إلى حين.
ومن رسائل بعض القراء العرب التي تعلق على ما يطرح من شؤون محلية سعودية في هذه الزاوية أجد تطابقاً في الهموم وتشابهاً عجيباً في العثرات التي تواجه التطوير وتحسين أحوال البشر، الحال واحدة لأمة واحدة! وإن اختلفت الأماكن والأسباب والظروف وحتى الإمكانات.
وخلال الفترة الماضية مستنداً إلى قراءة متأنية للبريد لاحظت أن القارئ «الرايق» اختفى، تحولت غالبية رسائل القراء إلى هموم وشؤون شخصية أو عامة، إنها في الشأن المحلي تتمحور حول الشكوى من غلاء الأسعار، ارتفاع الإيجارات غير المبرر، الأمن، عدم توفر وظيفة على رغم الشهادة والدورات المتخصصة، تحسين مستويات الموظفين مالياً ووظيفياً، ترقيات وإعادة تصنيف لمستحقين وغيرها من هموم ربما بعض منها في كل رأس.
وما زال معظم القرّاء لا يذكرون أسماءهم في الرسائل، ولا وسيلة اتصال في حين يطرحون بحماسة قضايا شخصية قد تستلزم التحري، بعض آخر يؤسس بريداً إلكترونياً للإرسال لا غير عملاً بقولهم: «قل كلمتك وانحش».

طموح جامعة

28 مايو 2008

ميزة انطلاقة جامعة الملك سعود الأخيرة أنها تنبع من الداخل وتصب في الداخل، وبعد كراسي البحث واستقطابها في ريادة للجامعات السعودية أطلقت جامعة الملك سعود مشروع الأوقاف، وأعلنت أخيراً عن موافقة الأمير سلمان بن عبدالعزيز على رئاسة مجلس أوقاف الجامعة، والتهنئة للجامعة على هذه الموافقة من رجل إدارة من طراز رفيع، عرف بحنكته الإدارية وبعد نظره. وفي هذا المجلس يرأس كوكبة من المسؤولين ورجال الأعمال والمختصين يتقدمهم الأمير خالد بن سلطان. والوقف وسيلة وليس غاية، والهدف استقرار الدخل المالي وتنميته للتمكن من استمرار القدرة للصرف على الحاجات المتزايدة، فلا تتعرض للتذبذب الذي يحدث عادة في الموازنات، أيضاً لا يتعرض للتعقيدات الإجرائية البيروقراطية المعروفة، فإذا أضيف إلى تلك الحاجات طموح كبير في البحث والتطوير والشراكات العلمية الفاعلة وفتح فرص البحث للباحثين السعوديين فإن هذا يحتاج إلى دعم أكبر.
إن المشاريع التي تنبع من الداخل لتصب في الداخل وتستفيد من قدرات وخبرات خارجية، ضمن إطار واضح المعالم حدد الأهداف وسبل تحقيقها وإنجازها، هي المطلب الذي ينتظر جني ثماره لمصلحة المجتمع والوطن.
وجامعة الملك سعود أمسكت بقصب الريادة في المبادرة، فهي أول من بادر بالمشاريع التطويرية بين جامعاتنا بهذا الزخم والطموح والأفق الواسع، والأمل ألا تستكين للمظاهر في أولويات الريادة وأضواء الإعلام البراقة التي لا يطول بقاؤها بل تثبت للمجتمع أن هذه المبادرات وبالنتائج الملموسة هي حقيقة واقعة.
إن «الصيت» والعالمية، ليسا هدفاً بقدر ما هما، كما يفترض، نتيجة لعمل فاعل ومثمر في الداخل، والإثمار يأتي بتوطين المعرفة والتقنية وتشييد حاضنات لها في الوطن بمشاركة خبرات أجنبية يحصل منها بقدر أو أعلى مما قدم لها.
والأمل أن يتم توزيع الاعتمادات المالية للجامعات بناءً على أسس، فلا تكون هناك رفاهية بحثية لبعض منها في مقابل حاجات ماسة تصطدم بالإجراءات المالية البيروقراطية لبعض آخر، خصوصاً من قدم خططاً واستراتيجيات واضحة المعالم وشرع في تنفيذها، وخدم ويخدم عدداً أكبر وشرائح أوسع من أبناء الوطن، والمقياس في تقديري لحجم الدعم والإسناد هو في الإجابة على سؤال يقول عن كل مشروع بحثي :كم حصة التوطين؟ وما نسبة العائد على المجتمع والوطن؟ وهل يتناسب ذلك العائد مع مقدار البذل؟ بحثاً عن خير عميم يمكث في الأرض ليفيد أبناءها وأجيالها المقبلة… حقيقة الفائدة.

 

«حديدك… نديمك»

27 مايو 2008

انتبه… لا تقف أمام عمود أو باب حديدي وتناجيه شاكياً له الأحوال مع سابك و «المالية» و «التجارة»، هذا التنبيه المبكر لإخلاء المسؤولية من لذعة حرارة شمس أو غبار يلطخ ثيابك بعد قراءة عنوان المقال.
الحديد أصبح نديماً، نتيجة من نتائج ارتفاع أسعاره وعدم فاعلية المواجهة لهذا الطارئ الذي طال أمده، أصبح الحديد نديماً وصديقاً وقت الضيق، من هنا يجب أن تتمسك بحديدك، وقبل الشرح، سؤال يطرح نفسه هل بالفعل صدر قرار بمنع تصدير الحديد وحديد الخردة؟ ربما فاتني الاطلاع على هذا القرار على رغم أن قراراً مثله، لو صدر سيكون حديث الإعلام والناس لأسابيع، ففي تصريح لرئيس مجلس إدارة سابك الأمير سعود بن ثنيان نقلت عنه الوطن قوله: «وقال الأمير سعود بن ثنيان إن توجيهات القيادة الحكيمة كانت واضحة في مسألة ارتفاع أسعار الحديد، وذلك بعد أن منعت تصديره أو تصدير الخردة».
هذا سؤال للمعنيين في المالية والجمارك ليوضحوا للرأي العام عن صدور هذا القرار وتفاصيله ووقت نفاذه وأثره المتوقع ولماذا لم يظهر مثل هذا الأثر.
ومع استمرار ارتفاع أسعار حديد التسليح، ربما يشعر المرء بالقلق من «قوة وتسليح» مشاريع ضخمة خاصة وعامة يتم تشييدها الآن، مع علم بمدى القدرات الفنية لمراقبة جودة تنفيذ المشاريع يدفع دفعاً للتخمين بنتائج يعتريها القصور، والله المستعان.
ربما لاحظ القراء إعلانات صغيرة في بعض الصحف تقول «نهدم بنايتك بالمجان»، احد المواطنين قرر هدم بنايته القديمة لتشييد جديدة مكانها، عرض عليه المقاول أن يهدم البناية بالمجان، لم يصدق المواطن، كان لدى المقاول شرط وحيد، وهو أن يستفيد هو من المخلفات، وخلال مرحلة الهدم، كان المواطن يمر ليقول للمقاول إن ضميره غير مرتاح، لأن المقاول لم يحصل على أتعاب في حين يعمل بجد ونشاط، إلا أن المقاول كان ابعد نظراً، من بيع مخلفات الحديد استطاع المقاول أن يحصل على قرابة النصف مليون ريال، وهذا ما يصل إلى عشرة أضعاف الكلفة لهدم بناية عادية.
لذلك، انتبه لمخلفات بنايتك حفظنا الله وإياك وحفظ حديدنا وأسياخنا، وإذا ضاق صدرك من ارتفاع الأسعار والتضخم تمسك بأي حديدة لديك، فهي مثل الذهب، هناك من ينتظرها ليعيدها إليك بأسعار مضاعفة، ربما يكون كياناً مصنفاً من الصناعات الوطنية، «وحديدنا في دقيقنا»، ومع صرعة الحديد، وفي حادثة أخرى اكتشف مواطن أن باب عمارته التي يؤجرها سُرق، أصبح مدخل الشقق مفتوحاً، فحمداً لله تعالى أن «الحلق»، أي الإطار الحديدي الذي يثبت في الأعمدة الخرسانية ما زال باقياً، وأمام إلحاح المستأجرين ركض ليشتري باباً جديداً… وصل الأمر للأبواب، وما زال المشتري مجهولاً.