نشر توضيح من «جمعية البر» في جدة قال إن «القرض الحسن ليس قرضاً حسناً؟»، وملخصه أن مبلغ الثمانية ملايين ريال ليست قرضاً حسناً من «جمعية البر» في جدة لشركة «صدق» المساهمة، بل هو ثمن شراء حصة في اكتتاب تأسيس شركة «ينساب»، بمعنى أن «جمعية البر» في جدة (الآن) تمتلك حصة في «ينساب» باسم شركة «صدق». وأضاف التوضيح أن ذلك تم بموافقة الجمعية العمومية للجمعية. (لم تذكر موافقة الجمعية العمومية لشركة صدق» وأيضاً موافقة مندوب وزارة الشؤون الاجتماعية!).
أموال الجمعيات الخيرية هي زكوات وصدقات والزكاة لا تدفع إلا بعد أن يحول عليها الحول، أما الصدقات فإن من يبذلها يتمنى سرعة وصولها الى الفقراء، وإذا عدت إلى أهداف «جمعية البر» في جدة على موقعها ستجدها خمسة أهداف ليس من بينها الاستثمار، بل «تقديم المساعدات النقدية والعينية الخ».
وذكر توضيح الجمعية أن أسهم «ينساب» حققت أرباحاً بحسب إقفال الأسبوع الماضي. حسناً، ماذا لو خسرت ومن الذي سيتحمل المسؤولية؟ ثم أن هناك تساؤلات عن سبب عدم ذكرها من شركة «صدق» بوضوح وتفصيل وهل أخذت موافقة الجمعية العمومية للشركة؟
لم توضع الأنظمة عبثاً… وإذا كان لدى أعضاء مجلس إدارة الجمعيات الخيرية رغبة استثمارية لمصلحة الفقراء، وهم من أتوا لخدمتهم ومساعدتهم فلماذا لا يبادر أحدهم بدفع «القرض الحسن» من حر ماله لشركة «صدق» وتقديم الأرباح لجمعية البر في جدة… خصوصاً أن «الاستثمار مضمون»، ونحن رأينا شركات تسقط تحت خط سعر اكتتابها، والملاحظ ان شركة «صدق» لم تصدر بياناً توضيحياً حتى الآن، ومثلها هيئة سوق المال كما عهدناها، أما وزارة الشؤون الاجتماعية ومن خلال مندوبها الذي وافق على مخالفة ذلك للأنظمة فهو في الحقيقة يمثل «استراتيجية» الوزارة، «لا أرى… لا أسمع… ولا أتكلم… إلا في ما أريد!»، وهو ما «يسدح» سؤالاً بحجم حاجة الفقراء عن حقيقة دور الوزارة في ضبط أمور الجمعيات الخيرية المالية والإدارية ومدى تمكنها من ذلك.
ليس الغرض هنا الطعن في النوايا، والعياذ بالله تعالى، الظاهر هنا أن النوايا حسنة، لكن النية لا تكفي لوحدها عندما «يشتغل» بأموال الغير فكيف إذا كانت أموال زكاة وصدقة في صندوق جمعية خيرية يتبرع لها الناس لتصل إلى مستحقيها فوراً، (إذا ربحت قيل إنه إنجاز وإذا خسرت قيل هذه هي السوق) مع أنظمة رسمية تم تجاوزها، وأرقام وردت في التوضيح بحاجة إلى تدقيق. جملة القول ان الجمعيات العمومية، بحالتها الراهنة ليست الدرع الحصين للحفاظ على أموال جمعيات خيرية ولا شركات مساهمة، وهو ما أشرت إليه سابقاً، لأن الحصول على «الشور شورك يا سعادة الرئيس» هو الحاصل غالباً… وتتبخر أصوات المعارضة.
تاريخ النشر: 31 مايو 2009
أبت أيادي سمو الأمير سلطان بن عبدالعزيز، بما عرف عنها من كرم وعطاء واستشعار لأحوال أبنائه وإخوانه المواطنين، إلا وأن تكرم المواطن حمود الشمري، في بادرة واستجابة وتقدير لموقف مبهر من مواطن بسيط ألمّت به مأساة مفجعة، وبدلاً من أن تتضخم المأساة وتترسخ، حوّلها المواطن الشهم إلى حالة أخرى مغايرة… تحولت إلى النقيض، فكانت دهشة كل من اطلع على الحادثة.
كان خبراً مفرحاً وموقفاً نبيلاً عبّرت عنه أيادي سلطان البيضاء، وفي تكريم سمو ولي العهد للمواطن حمود الباتل الشمري تكريم للقدوة الحسنة، وتأصيل لفعل الطيب والعفو، وتشييد لحصن مكارم الأخلاق. عبّر الأمير في لفتته الأبوية الحانية عن كل مواطن علم بقصة حمود وعفوه عن قاتل ابنه وتأثره بها ووقفته مع جيرانه، ونحن أحوج ما نكون لتعلية شأن مكارم الأخلاق وحسن الجوار بين أبناء المجتمع. وفي التكريم صورة من صور تلاحم الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء.
ولو قرأت قصة عفو حمود الباتل الشمري عن قاتل ابنه بتفاصيلها وملابساتها ومبادرته الشجاعة لحظة ذروة الغضب والقهر، لو قرأتها في كتاب أو سمعتها مروية من شيخ أو شاب لما صدقت أن مثلها قد يحصل في زماننا هذا، ولربما قلت إنها من أساطير الأولين، أو مكارم الأخلاق التي تحفل بها كتب الأقدمين… مع شكوك قد تعتريك عن مبالغات وإضافات، فنحن نعيش زمناً آخر غلب عليه الطيش وحب المال وغمط الحقوق، وعندما يبرز نموذج من أوساط الناس وبسطائهم مثل نموذج حمود، فلا بد من أن يلفت الانتباه ويعيد الدماء للوجوه قبل القلوب.
فالشكــر والتقدير لسمو الأمير الإنسان سلطان بن عبدالعزيز على هذه اللفتة الأبوية، وهو موقف لا يستغرب منه، فسيرة عطائه العطرة حافلة بمواقف منها ما يظهر في وسائل الإعلام وكثير غيرها لا يعلم به إلا قلة من الناس، وهي لفتة بعيدة النظر أصيلة الحكمة، إذ استلت خيط الذهب البراق الذي لمع في موقف حمود لتعلي من شأنه وشأن موقفه، والشكر والتقدير لسموه الكريم مقرون بالدعاء الصادق بأن يعود لنا أميرنا المحبوب سالماً معافى إلى قلوب محبة تنتظره وتدعو له أكرم الأكرمين.
أما حمود الشمري، فإن غراس عفوه أنبتت له إخوة وأبناء من هذا المجتمع التموا حوله وأشادوا بموقفه، كل على قدر طاقته، ولا بد من أنه يشعر بأن روح ابنه عواد – رحمه الله تعالى – تتراءى مبتسمة في كل وجه يقابله.
تاريخ النشر: 30 مايو 2009
على طريق الدائري الشمالي في الرياض يقف طابور من سيارات نقل المياه هو من أطول ما شاهده سكان العاصمة، يمكن هذا الطول وعدد السيارات أن يدخل موسوعة الأرقام القياسية، «الوايتات» المتراصة تشكل أطول «وايت» في العالم، و «الوايت» هو الاسم الدارج لصهريج نقل المياه، ولا بد من أن وراء هذه الأرتال من السيارات حاجات ملحّة… معاناة السكان مع نقص المياه على كل لسان وشفاه يابسة، ويظهر أن عدوى النقص في جدة… التي عشناها العام الماضي بحدتها المعروفة انتقلت إلى الرياض، تواكب هذا مع تحول الإشراف على المياه إلى شركة، فقال الناس: «هذا والصيف في أوله… الله يحلل أيام المصلحة»، والماء وتوفيره لا يمكن التسويف فيه… وكان الأولى أن يتم التحول من مصلحة إلى شركة في أيام الشتاء، لعل العاملين في الشركة «يتكيفون» مع الخبرة الشعبية التي اكتسبتها المصلحة طوال السنين الماضية. التحول إلى شركات يفترض أن يقدم خدمة أفضل وأسرع… وأرخص، لكن هذا لا يحصل في بلادنا، وإذا بحثت عن جهات مراقــبة الـشركات وأدائها يمكنك معرفة السبب.
وغير بعيد عن موقع أرتال الصهاريج هذه، اشتكى مواطنون من مياه بكميات كبيرة تنساب على الإسفلت لأسابيع، نشرت صحيفة «الرياض» صوراً عنها وسأل الزميل احمد غاوي شركة المياه عن هذا الماء المهدر، فقيل له إنه ليس من الشبكة ولا دخل لشركة المياه به، حسناً… لماذا إذا سكب إنسان مياهاً أمام منزله… ليس بالضرورة أنها من الشبكة… جاء مراقبكم يركض، رأت شركة المياه أن الماء المهدر من مسؤولية البلدية، عاد الصحافي «وهو وسيع صدر» لسؤال الأمانة، فقالت ان لا علاقة لها به وهو من مسؤولية الشركة، اتصل ببلدية الحي المعني «الشمال» من دون فائدة.
الوعي بقيمة الماء وترشيد استهلاكه دائماً ما يوضع على عاتق المستهلك، أما الجهات المعنية فحالها كما أسلفنا، وهنا أذكّر بحقيقة وعي الجهات الحكومية بمهامها بدلاً من لوم المجتمع، أبسط فكرة ربما ترد على البال أن يكون هذا مصدراً جديداً للمياه، ربما تكون المياه جزءاً «فاض» مما افترض وجوده الدكتور فاروق الباز… في الربع الخالي!
***
«أنا لا أكذب ولكني أتجمل»، فيلم مصري قديم للراحل أحمد زكي، نسيت اسم المؤلف، الكاتب غالباً ما يتم نسيانه، المهم أن مشاهد الفيلم تعود إلى مخيلتي كثيراً هذه الأيام، يظهر وجه الفقير احمد زكي وهو يتجمل أمام «ست الحسن» – ضع مكانها وسائل الإعلام! – فيدّعي ما ليس فيه، لست أدري ما هو سبب تكرار تطامر المشاهد أمامي، لو كان حلماً لاتصلت بمفسر ودفعت المقسوم للقنوات أو ذهبت لبعض الكتب وفسرتها هكذا… أحمد زكي… اقلب الزاي ذالاً لتعود لأصلها.
تاريخ النشر: 28 مايو 2009
هناك حالة تشابه بين الشركة المساهمة والجمعية الخيرية في إيكال «الجمل بما حمل» لمجلس الإدارة في رأس القمة والجمعية العمومية كقاعدة للجبل أو المنشأة. نظرياً… يمكن اعتبار هذا نوعاً من المرونة لمصلحة العمل. ميدانياً… أدى ويؤدي هذا إلى تجاوزات واستئثار والتفافات يطول سردها، فالجمعيات العمومية بيد القادرين، وربما ترتهن في يد المتنمرين، وبالتالي يتم تفصيل مجالس الإدارة والإدارة على المقاس، والأمر ينطبق على شركات مساهمة تمتلك الدولة جزءاً منها.
إذا طرح هذا الموضوع قيل إن تلك المنشآت لها استقلالية مالية وإدارية، فتتلاشى سلطة الجهة المرخصة من ناحية المراقبة وإصلاح أوضاع مائلة، ليتبخر الضعفاء وسط أمواج الأقوياء. وإذا أخذنا أساس الإنشاء والهدف من الترخيص يمكن لمن أراد التدخل للإصلاح، لكن غلبت اللامبالاة بعبارة: «ليست من مسؤولياتنا»، وإذا فهمت هذا على مضض ومع جرعة كبيرة من الماء، في حالة شركات مساهمة يمكن للمساهم فيها بيع أسهمه فلا يمكن فهمه في حالة الجمعيات الخيرية. إيكال الجمل بما حمل يجعل البعير بحمولته مطواعاً في يد من استطاع ليوجهه الوجهة التي يريد، مطمئناً إلى قولهم: «استقلالية مالية وإدارية».
هذه هي القضايا التي تستحق الطرح في ملتقيات وندوات أو مؤتمرات لجهات الإشراف والترخيص، وتستحق الالتفات من مجلس الشورى لإعادة النظر في أنظمة… وضعت للتيسير في زمن سابق، ولم تؤخذ في الاعتبار تحولات كبيرة، بما يستدعي الإصلاح. وليس سراً ان المعلومات المتوافرة قليلة عن التجاوزات من حيث الأرقام مع الوثائق، مع أن أساليب توجيه الجمل وقافلته إلى وجهة أخرى معروفة، يستفيد منها قلة على حساب الأكثرية، وكثير من الذين يسربون هذه المعلومات إما لا يريدون الظهور حتى لا تضرر مصالحهم أو من جماعة «مالي علاقة».
حالة التشابه تلك بين الشركات المساهمة والجمعيات الخيرية معروفة، لكني لم أتوقع أنها وصلت إلى حالة توأمة في شكل فاضح كشفه خبر نشر في صحيفة «الرياض» يخبرنا عن التالي:
قالت شركة صدق «المساهمة» إنها تلقت تحذيراً من وزارة المالية يطالب بسرعة سداد قرض قدمه لها صندوق التنمية الصناعية… مع قروض أخرى، وفي طيات الخبر كشف عن قرض «حسن» قدمته جمعية «البر» في جدة إلى شركة صدق المساهمة بمبلغ ثمانية ملايين ريال!
ويظهر أن لدى جمعية البر في جدة أموالاً فائضة عن الحاجة، على رغم إعلان الجمعيات الخيرية دائماً عن حاجتها المستمرة للتبرعات، ومع كثرة فقراء جدة وما حولها في الليث والقنفذة، لكنها… جمعية البر في جدة وجدة غير… «لعلها الغير الوحيدة في هذا المنعطف المهم من تاريخ أمتنا المجيدة!»، والبر هنا «برت» بحقوق الفقراء شركة مساهمة! كان «الأرتب» أن يطلق على القرض قرض «حسن… وحسنين». الوزارة ترخص والبقية في ذمة مجلس الإدارة والعمومية «في الجيب». لو كشفت الموازنات كم من قرض «حسن… وحسنين» سنرى؟ الله أعلم… وأسأل أين أهل الاحتساب والوعظ من هذا؟
تاريخ النشر: 27 مايو 2009
هذا السؤال الأكثر تكراراً بين مراجعي الإدارات الحكومية… «وين أروح؟»، أي… إلى أين أذهب؟ سؤال يخبر به صاحب الحاجة عن تلخبط بوصلته.
بالنسبة إلى الموظف البيروقراطي يجب أن يذهب هذا الشخص من أمامه إنه يسد الفضاء ويشفط كمية من الهواء، لذلك يقال له اذهب لمن جئت من عنده، «رح للي جيت منه؟»، وهو مختصر مفيد يعتمد على الكروكي المحمل في مخ المراجع، فلا يهم هل ستنتهي حاجته أم لا.
«وين أروح»؟ تكشف أوضاع مكاتب استعلام واستقبال فارغة من موظفيها، لا يوجد بها أحد. ولو عملت إحصاء لوجود موظفي الاستقبال في مواقعهم لدهشت من النتيجة، بعض منهم حتى إذا وجد لا يستطيع أن يدلك سوى على باب الخروج. تتحول مكاتب الاستعلام و… «الإرشاد»، إلى شبيه بنوافذ وشبابيك الخدمة المغلقة. وإذا رأيت تلك «الكاونترات» الكثيرة المقفلة تستغرب من سبب تجهيزها أصلاً، فهل نتوقع تضاعفاً في عدد السكان ونتجهز له أم أن المسألة بركة التنفيذ عند ترسية مشروع التجهيز؟
كان صديقي يروي لي خطأ موظف إحالة المعاملة في كتابة عدل، الإحالة الخطأ كلفت الرجل دوام يوم كامل مع حزمة من أسئلة «وين أروح؟» بما فيها من تقليب الوجه يميناً ويساراً، والوجه عند مراجعة بعض الإدارات الحكومية يصبح مثل الكرة الطائرة يحرص اللاعبون على عدم الاحتفاظ به، «بعضهم يرفع وآخر يكبس». الموظف لا يتحمل سوى وجه يعرفه وإلا… «الوجه من الوجه ابيض». لذلك يجهز المراجع نفسه قبل الذهاب لإنجاز حاجة، بسؤال سهّلت رسائل الجوال من انتشاره «تعرف أحد في الجهة الفلانية؟»، والغرض من ذلك هو أن يسأل من تعرف وتعرّفه به… «وين أروح؟».
***
التعليق الأكثر طرافة تردد الأسبوع الماضي على تطورات قضية إنقاذ السيدة في حائل، جاء على شكل طرفة لاذعة تقول الآتي: خبر عاجل… شوهدت مجموعة من الشباب السعوديين يتجمعون في الأودية والشعاب وهم يحملون ملفات خضر «علاقي»؟
تاريخ النشر: 26 مايو 2009