قارئ كريم يقترح «زرع» أصدقاء لمكافحة الفساد داخل الأجهزة الحكومية، يعني «دبابيس» لمكافحة الفساد وثقب بالوناته المنتفخة، والمشكلة يا صديقي عدم الرغبة في استقبال بلاغ عن فساد، ستجد مفترق طرق، كأنك أمام فوهة دوارات المرور المرعبة في الرياض، وأخبرني أكثر من قارئ عن صور من عدم التجاوب، إما «لعدم الاختصاص» وإما لعدم الجاهزية، المهم أنك ستجد تحويلة ما، «بعد أخذ العلوم». برامج استثمار المتحمسين من المواطنين في مجالات عدة لم تنجح والسبب ببساطة أنه لم تعطَ ما تستحقه من الاهتمام، أمانة الرياض أيام طيب الذكر الشيخ عبدالله العلي النعيم كانت لديها برنامج مثل هذا «مراقب متعاون مع البلدية»، ولم يعد له ذكر منذ زمن بعيد، المرور والدفاع المدني أيضاً وكثير من الجهات الأخرى تستطيع استثمار مجموعات الأصدقاء الفاعلين، في المدارس والجامعات والمجمعات، والمعضلة ليست هنا، يمكن أن تقوم غداً برامج من هذا النوع، المعضلة في أن الشكل سيتغلب على المضمون ويسحقه، ما سيحدث أنه سيتم تدشين البرنامج بفورة إعلامية تشبه شعلة الألعاب النارية لينتهي «المشروع» عند هذا الحد، وقد عايشت بذور أفكار جميلة تحولت إلى لعبة نارية إعلامية تنتهي بانتهاء الخبر المنشور عنها، ولا يستحي من وضعها – إنجازاً – في التقرير السنوي، كأني بسؤال يطرح… وما الحل؟ إنه ببساطة عدم الإعلان عن برنامج أو مشروع إلا بعد الانتهاء منه وظهور نتائجه، تخيل مقدار إسهامنا في حماية البيئة لو تم ذلك!… كل البيئة.
***
«راعي فزعة» سبق وعرضت قضيته هنا، لا يريد سوى إنهاءها مع أن النتيجة ليست لمصلحته، فالتأخير يزيد من الخسارة، أخبرني مستبشراً أنه وجد صدى لرسائل من بريده الإلكتروني لوزير الوزارة المعنية، فالوزير يرد بأدب جم، ثم يحيل الرسالة إلى الإدارة المختصة، وهكذا هو يرسل والوزير يحيل عاجلاً وطالباً الإفادة، ثلاث مرات لكن لا نتيجة! وكأن تعدد وسائل الاتصال تحول إلى عبء وظيفي «آخر»، لأن المشكلة ليست في العلم بالقضايا والحاجات بل في نوع «المكينة».
لم تظهر يافطات حتى الآن تقول «لا للسعوديين» لكنها شبه موجودة تتحدث بها الألسن، وإذا كانت أزمة السكن قضية يعاني منها المواطن في السعودية، مع تدني نسبة من يمتلك سكناً وبالتالي حاجة هؤلاء الى استئجار وحدات سكنية لهم، فمن غير المعلن ان مكاتب العقار وأصحاب الوحدات السكنية المعروضة للإيجار لا يفضلون السعودي، كانوا في السابق لا يفضلون شرائح معينة تدفع ثمن سلوكيات أفراد منها مصداقاً للقول: «الخير يخص والشر يعم»، الآن أصبح «الفرز» يقال علانية من عامل مكتب العقار او صاحبه لمن يبحث عن سكن، نعم هناك أسباب لتنامي هذه الظاهرة الخطير، فهل هناك أخطر من شعور مواطن أنه منبوذ في بلده، أما الأسباب فيمكن إيجازها في التشريع والتطبيق، إذ إنه من الصعب على أصحاب الحقوق من الملاك الحصول بيسر وسهولة على حقوقهم من المماطلين في الدفع، بل إن ملاحقة ذلك مكلفة وإذا كان ذلك المواطن متنفذاً يستثمر علاقاته أو على دراية بدهاليز الإجراءات تحول الأمر إلى خسارة مؤكدة، لهذا يفضل أصحاب العقارات.. الأجانب للتأجير… المخاطرة هنا موجودة لكنها اقل ولتخفيف الصداع، هذا الواقع لن يستغرب معه إذا ما استأجر مواطن سكناً في بلده باسم أجنبي لتخطي هذه الشرط غير المعلن.
لا شك أن هناك أناساً غير قادرين على الدفع، ولقد ساهمت الأزمات الاقتصادية «الداخلية» المتعاقبة، والإهمال والتراخي في التعامل معها ومع ملف القروض الشخصية البنكية إضافة إلى التضخم في ذلك، ويا ما حذرنا منها من دون نتيجة، والعلاج المستعجل للفئة الاخيرة مهمة الجهات الحكومية والخيرية المعنية بمحدودي الدخل والفقراء.
وفي العموم الأمر يحتاج إلى صرامة أنظمة وعدالة تطبيق بحيث لا يصبح صاحب الحق صيداً سهلاً للمماطلين الذي أساءوا لغيرهم من الناس وجعلوا الثقة استثناء، وحتى لا يصبح المستأجر تحت رحمة مزاج صاحب العقار، وإلا سنجد «قريباً» مواطنين يسكنون الخيام في الأراضي البيضاء المنتشرة وسط المدن.
***
نشرت «الحياة» عن وكيل الوزارة الذي اعتدى على أرض وسط الرياض ليبني عليها وحدات سكنية، أمانة العاصمة بحسب ما نشر شرعت في إزالة التعديات، وهو مما يحسب لها، لأن تطبيق الأنظمة صار فاكهة ينتظرها الناس فكيف إذا قيل أنها طبقت على موظف «مهم»، هنا تصبح فاكهة نادرة، والسؤال هل سيتوقف الأمر عند هذا الحد؟ أي إزالة التعديات من دون رفع قضية على المتعدي، وأسأل الإخوة في هيئة مكافحة الفساد هل هذه القضية تدخل ضمن اختصاصهم والموظف يحتل منصباً مهماً؟ الأسئلة لمعرفة طبيعة المرحلة لا غير، وللاستفادة من المثل البعيري القائل: «إن لقحت ولا ما ضرها الجمل».
قبل سنوات طويلة خمنت أن الكاتب والأديب الشيخ عبدالكريم الجهيمان رحمه الله تعالى على جانب من الثراء، حينما علمت عن تبرعه بمبلغ كبير من المال لإحدى الجمعيات الخيرية، جاء التبرع دون شنة أو رنة، كنت أعرف الكاتب الأديب من خلال كتبه بخاصة موسوعات الأمثال الشعبية، والأساطير الشعبية، كانت من الكتب الأثيرة لدي وما زالت، وأتمنى على وزير الإعلام الدكتور عبدالعزيز خوجة إعادة طباعتها، كما أدعو الوزارة إلى تبني تطوير موقعه الشخصي على الانترنت:
http://www.aljhaiman.com/ بعد سنوات زرته – رحمه الله تعالى – في منزله شرق الرياض، فوجدت منزلاً عادياً، يخبر عن حالة متوسطة بسيطة، فعلمت أن التبرعات والاهتمام بالضعفاء والفقراء، لا علاقة لها بالثراء بل هي مغروسة في الوجدان والإحساس.
إضافة إلى ريادة الأستاذ عبد الكريم الجهيمان المعروفة في التوثيق المهم للأمثال والأساطير الشعبية وفي الصحافة عملاً في التأسيس، وطرح الهموم والحاجات، فهو من أوائل من طالب بتعليم المرأة في السعودية، تميز أبو سهيل بالتواضع الجم والخلق الرفيع يلمس هذا كل من عرفه، فهو مثل نسمة حانية وفيه شفافية ونقد للذات اقرأ مقاله «أنا أكره النقد» في كتاب «أين الطريق».
يصفه أحد أصدقائه قائلاً: «يأكل الطير من كفه ولا يجفل»، وقصة تبرعه لوزارة التعليم لإنشاء مدرسة تخبر عن جانب من شخصيته، فهو حضر لمكتب الوزير ليتبرع بمبلغ اجتمع لديه، لا لطلب حاجة ومكاتب الوزراء تقضى فيها الحاجات… أحياناً! وما حصل هو أن مدير مكتب الوزير أو سكرتيره لم يعرفه فأجلسه في انتظار طال… فصبر، ثم حينما ظهر الوزير وقابله، اشترط ألا تنشأ المدرسة في قريته ولا تسمى باسمه! ربما كان يريد تأسيس قدوة وطنية فله مقولة يكررها «كلنا في مركب واحد»، أو عمل على سجيته ببساطة ومن دون افتعال، في وكل الأحوال هو عبر عن ذاته الرفيعة، فهو رجل تجذرت علاقته بالمضمون لا بالشكل، والأخير غلب علينا بل تحول إلى سمة من سمات مجتمعنا. رحم الله الشيخ الأديب عبدالكريم الجهيمان وأسكنه فسيح جناته والهم أسرته وأصدقاءه ومحبيه الكثر، بخاصة زواره ومؤانسيه، الصبر والسلوان.
حمّلت لجنة تحقيق حادث حائل، سائق باص الطالبات المتوفيات كل المسؤولية تقريباً، لكنها من حيث لا تشعر كشفت رسمياً أن كل شيء بحاجة إلى إصلاح، والطريف أن في اللجنة أعضاء من جهات معنية بإصلاح تلك الأخطاء، ولا بد من حوادث مميتة بالجملة للاعتراف الرسمي بالقصور.
كل التجاوزات التي ذكرتها اللجنة، وحملتها السائق تجاوزات شائعة متفشية حتى في المدن الكبيرة ومعروفة، وكتب عنها الكثير، ولم يتحرك أحد من جهات هي ضمن اللجنة، ووقعت على محضرها الذي حمل الميت المسؤولية، تبرز التجاوزات والإهمال في كل ما يتعلق بالنقل التعليمي الخاص ومفاصله ورخصه ورخص سائقيه ومؤسساته، وحصلت أمانة حائل على «إلزام» بردم حفرتين في الطريق قالت اللجنة إن لهما دوراً غير رئيس في الحادث، مع تخفيف ذكر أن المسافة بين الحفرتين تسمح بمرور المركبة، وهذا تخفيف فاق كل أنواع الطرافة! القصة تكمن في التطبيق فهل وزارة النقل المسؤولة عن تراخيص النقل والمرور المعني بتطبيق أنظمته لديهما القدرة – على افتراض توفر الرغبة – لتغيير هذا الواقع، إن عكس خطوط السير والسرعة القاتلة في داخل المدن حالة متفشية، وحشر الطالبات في «الفانات» الصغيرة، وقوفاً مثلها أو اشد، أما أحوال السائقين «النفسية» فضلاً عن النظامية و»التسترية» فالله وحده أعلم بها، ولك في الأخبار المنتشرة عن ابتزاز وعلوم أخرى إضاءات، وإذا كانت هيئة مكافحة الفساد اهتمت بالحادث، وأرسلت فريقاً كما نشرت بعض المواقع فإن الأمر يستوجب منها البحث عن المسؤولين عن قصور تطبيق الأنظمة في جهات معنية بتطبيقها، القضية ليست في موقع الحادث فقط، بل هي داخل أروقة أجهزة معنية.
***
نبقى في عروس الشمال، حيث نفت جامعة حائل أنها فصلت طلاباً أو طالبات ذُكر أنهم قاموا بتصوير تصدعات في مبانيها الجديدة، كانت بعض المواقع على الإنترنت نشرت صوراً لتصدعات مروعة في مبان ذكر أنها للجامعة، مع إشارات تضامن مع طالبة زعم أنها فصلت، جامعة حائل نفت ذلك في بيان مقتضب، إلا أنها أكدت وجود التصدعات مع التخفيف من أخطارها، بعد وقوف فريق هندسي من الجامعة عليها، لا نعلم هل هذا الفريق هو الذي استلم المبنى أو أشرف على تشييده أم لا؟ يظهر أننا في مرحلة التكيف مع التصدعات! لو كنت مكان إدارة الجامعة لنظرت إلى الجانب الإيجابي في التصدعات، أليست فتحات جديدة لمزيد من التهوية؟
صحيح أن القذافي مات والقذافية انتهت وبقيت ذيولها، لكن الغوص في تاريخ مؤسسها وسلوكياته يحقق فوائد جمة، والسلوكُ قبل السلطة يُخبَّر عنه بعدها، وهو في الصِّغَر يخبَّر عنه في الكبر، إلا ما ندر. في «الحياة» السبت الماضي، لقاء مهم أجراه الزميل محمد الأصفر من طرابلس الغرب مع الوزيرة الليبية الجديدة فاطمة الحمروش، أجبرني على التوقف عنده، ولتقرأْ معي ما قالته عن سبب تركها لوطنها: «خرجت من ليبيا قبل 17 سنة (عام 1996) لمتابعة دراستي العليا في طب أمراض العيون، وكانت فرصة لي لكي أبتعد عن الوطن قليلاً، لمَا كنت أشعر به من حزن وإحباط بسبب ممارسات النظام الظالمة وبسبب انتشار الفساد وتدهور الخدمات الطبية والتعليمية، ما حال دون مقدرتي على تحسين مستواي الوظيفي، إضافة إلى تفاقم الأوضاع المتعلقة بحقوق الإنسان. كانت رغبتي في الهجرة تزداد يوماً بعد يوم، لكي ابتعد عن تلك الأجواء السيئة، وكنت أبحث عن فرصة للهجرة، فسنحت لي حين حصلت على قرار إيفاد للدراسة العليا في إرلندا. كنت آمل بأن أرجع إلى ليبيا بعد إتمام دراستي العليا إذا تحسنت الأوضاع، لكن الأمور تدهورت باطّراد، وكنت أقف على هذا التدهور المقيت كلما عدت إلى الوطن لزيارة أسرتي، قبل أن أتوقف عام 2003 عن زيارة ليبيا» انتهى. ولا شك في أن واقع الحال هذا هو حال عرب كثيرين من مختلف البلاد العربية.
تتباين درجات هاجس الهجرة بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية الداخلية من بلد لآخر، إلا انه هاجس منتشر وعميق. الشاهد هنا ليس فقط فاطمة، طبيبة العيون ابنة الضابط العقيد عبدالله الحمروش -في العهد الملكي- الذي كان القذافي ملازماً تحت إمرته، وتروي عنه (القذافي) فاطمةُ موقفاً مهماً يخبر عن شخصيته، حينما كان ملازماً صغيراً مسؤولاً عن كتيبة من الجنود، الذين سقط واحد منهم خلال التدريب فاقداً للوعي بسبب ارتفاع درجة الحرارة، فأمر الملازم القذافي بقية الجنود بمواصلة تدريبهم والدوس على الجندي المسكين. تم وقتها تقديم القذافي «الملازم» لمحكمة عسكرية يترأسها العقيد عبدالله الحمروش، وحُكم عليه بالسجن في غرفته عشرة أيام، وهي أخف عقوبة. وحينما اغتصب القذافي السلطة بعد ذلك، حَكَمَ على الحمروش، وفي «ليلة الانقلاب»، بالسجن ثلاث سنوات وسبعة اشهر من دون تهمة أو محاكمة، ولاحَقَه بقية حياته.
تتذكر وزيرة الصحة الليبية نَدَمَ والدها على حكمه المخفف ذاك، وكيف كان يتمنى لو طرد القذافي من الخدمة العسكرية، فلربما كان ذلك سيغير مستقبل ليبيا ويجنبها ومواطنيها أربعة عقود من العذاب. لا تغيِّر الحرباء جلدها بل تكتفي بتغيير لونه.