2 سبتمبر 2008
صديق هذه الزاوية الأخ سعود يريد مقالات «توسع الصدر»، لذلك، فيما يبدو لي، استعان «بمهفة» من الخوص ليسترجع تفاصيل ودهاليز بيوت الطين بكل ما في تلك الرائحة الجميلة من حضور طاغ.
العنوان عبارة يقولها الأهل لأطفالهم تشجيعاً لهم على البدء بالصوم فعلاً لا الصيام شكلاً، وفحص الشفاه «الخشش» ولون اللسان، وهي العبارة، من مفردات تلك الحقبة الطينية، عندما كانت الدجاجة مع الديك من سكان البيت الطيني، وإلا فإن الدواجن لا تصوم، اللهم إلا إذا قرأت بياناً يحذر من تفشي أنفلونزا الطيور.
بالنسبة إلى أطفال هذا العصر ربما معظمهم لا يعرفون الدجاج سوى على الموائد أو من خلال التلفاز، «صيام الدجاجة والديك» قول فيه لوم للطفل على التفريط أو «المسارق»، «جغمة» ماء أو قطعة خبز بجبنة في غفلة الأهل، ومن الذاكرة التي حرثها الأخ سعود برسالته يبدأ الأهل بترغيب الأطفال بصيام شهر رمضان بالتهيئة النفسية، المقارنة بأطفال آخرين أقصر قامة أو أنحف مثلاً، على اعتبار أن «الكرش» مشابه للسنام، مع ذلك هم يصومون، التشجيع يكون لساعات الصباح الأولى، إذ يصوم الطفل إلى الظهر، مع التغاضي عن «شقاوته» في الخطف من الثلاجة، ولأن المنزل كله في جو صوم تتراجع شهية الأكل. الأكل مع الجماعة يحرك الشهية، كأنه يخبرك عن «عراك الحياة» عكس الأكل وحيداً. أيضاً إفطار رمضان هو تجمع عائلي يندر في غيره، مع رفع أذان صلاة المغرب يسكن الهدوء أرجاء المدن والقرى… تختفي المركبات من الشوارع، تلتف العائلات حول بعضها في لحظات فريدة. كل هذا في إطار روحاني بهيج يعيد ولو للحظة إعادة فحص سير رحلة الحياة.
في رمضان نتعلم من الجوع والعطش عن أحوال من عاش أو يعيش حياته… الصوم قسراً لضيق ذات اليد، الشهر الفضيل محرك للعطاء والبذل الرشيد، أي ذاك الذي يصل للمستحقين فعلاً، أولئك الذين لا يسألون الناس، تحسبهم أغنياء من التعفف، الجهد في البحث عنهم جزء من البذل، خصوصاً في زمن تداخلت فيه شخصية المتسول مع شخصية اللص، لا تعلم هذا المقبل عليك منهم هل سيخرج صك إعسار أم سكيناً؟
رمضان محطة سنوية يحن الكثير منا إلى زماناتها حنيناً للطفولة البريئة. في طفولتك كنت تعرف أقل مما جعلك ترتاح أكثر، حدود الإدراك للمحيط، كانت أكثر نظافة معنوية، صورة الحياة في وجدانك وردية تكتسب مع التقدم بالعمر والتجربة ألواناً شتى.
كل عام وأنتم بخير والعالم أكثر أماناً ووفرة وسلاماً.
نشر في الحياة | التعليقات: 5 »
1 سبتمبر 2008
هناك الكثير من الأفكار التي يمكن للقناة الفضائية استثمارها لاستقطاب المشاهدين وتحقيق النجاح، التسلية… الترفيه، وربما… رفع مستوى الوعي مع أنه آخر ما تفكر فيه بعض القنوات. إلا أن كون فكرة عمل مسلسل مثلاً، مثاراً للجدل وإيقاد النعرات لا يعني تحقيقها للنجاح. أيضاً في تقديري حجم عدد المشاهدين وحده لا يعني تقدماً على المنافسين.
الزميلان محمد الرطيان وصالح الشيحي «ما قصروا»، إذ كتبا في «الوطن» محذرين من عزم قناة «أبوظبي» بث مسلسل من وقائع وأحداث قبلية، تمت في عصر مضى، ربما تحدث فتناً وأموراً ليست في مصلحة أحد، القبائل منتشرة في السعودية والعراق وسورية وأيضاً دول الخليج.
لست مع الزميل صالح الشيحي في مناشدة وزير الإعلام بتبني مواثيق. علمنا أن العمل على مثل هذا يحتاج إلى وقت طويل ثم لا ينجح، بل لا يصل إلا متأخراً، أي بعد وقوع الفأس في الرأس، ولنا في أحوال الفضائيات العربية، مع أنها خرجت أصلاً من رحم عربسات، أبلغ الأمثلة.
أنا هنا أناشد رئيس الدولة في الإمارات الشقيقة، الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وفقه الله، وهو رجل عرف بالحكمة والأناة، بالتدخل وإيقاف بث هذا المسلسل. يقيني أنه حريص على ما يجمع لا ما يفرق، ثم أن هذه القبائل هي جزء مهم من العمق الاستراتيجي لكم في صراعات معروفة، وإحداث الشرخ في لحمتها لا يخدم سوى الأعداء.
أما الفريق العامل في قناة «أبوظبي»، فمتاح له الكثير من الأفكار الجذابة، أفكار تجمع ولا تفرق، تبني ولا تهدم، في جعبتي واحدة منها لن أبخل بها متى ما تحقق التجاوب.
في الداخل القبلي… الوطني، غير كاف أن نذم مسلسلات، ولا يمكن إيقاف فضائيات، خصوصاً أن العمل التنفيذي في الظاهر، ومن خلال المنتج الذي نراه يعمي الأبصار، يقع في أيد لا هم لها بالتصدعات والشقوق التي تحدث بقدر حرصها على الأثر المادي والصدى الإعلامي ومنه مقالات الانتقاد. المهمة الكبيرة أن نحصِّن أنفسنا ونرفع من مستوى الوعي بين أجيالنا، قبائلنا… شبابنا، بمبادرات إيجابية تقطع الطريق على أفكار لا غرض لها سوى البحث عن الإثارة من دون النظر الى النتائج. كيف لنا ونحن نعلم عن ألغام موقوتة يمكن لمن أراد العمل عليها، ونكتفي بالصمت؟
نشر في الحياة | التعليقات: 4 »
31 أغسطس 2008
أصبح جهاز الجوال بما يحتويه من معلومات شخصية، نقطة ضعف رخوة قد توجع حامله، معظم الذين يتعرضون لسرقات الهاتف الجوال يهتمون بالمعلومات المتوافرة به أكثر من اهتمامهم بقيمة الجهاز المادية، في حين يكون السارق متعطشاً للجهاز، ولفرصة لإجراء مكالمات مكلفة. من الخطر حشر جهاز الجوال بصور شخصية خصوصاً للنساء، إذ تزايد استغلال هذه الصور للابتزاز والفضح، لا من اللصوص الجوالين فقط، بل كذلك من بعض دكاكين الصيانة. اكتشفت السلطات في السعودية أخيراً عمال صيانة يستنسخون المعلومات المتوافرة على جوالات الزبائن، لبيعها أو المقايضة عليها من خلال وسطاء، عندما تقدم جهازك للصيانة فكأنك تقدم رأسك للعامل.
سهولة التصوير بكاميرا الجوال جعلت بعض المستخدمين يتوهمون أنهم محترفو تصوير وإرسال صور، في الطالع والنازل. الجوال المزود بكاميرا ممنوع في بعض المناسبات، تضطر بعض النساء إلى تركه أمانة، والاستنساخ، عندها، وارد مثله مثل السرقة، هذا أسهم في أن تقتني بعض النساء هاتفين، واحداً بكاميرا وآخر من القديم للمناسبات… أرزاق.
تحول الجوال إلى ذاكرة متحركة عميقة… نهاية طرفية… خطرة لحامله.
أحد الأصدقاء روى لي قصة جواله المسروق، ليت بالاستطاعة نقل وصفه الظريف المحتقن لها، ليشعر القارئ بطرافة سوداء، ولأن الجوال يحتوي على أرقام مهمة لجهات وشخصيات من الصعب استعادتها، صار يتصل بالسارق عارضاً عليه جهازاً جديداً من النوع الذي يحدد، من دون فائدة. وإمعاناً في الإغراء لم يقم بوقف الخدمة عنه، تركه يتصل على هواه مجاناً لفترة، لعله يستحي، من دون فائدة أيضاً، ثم بعلاقاته استطاع الحصول على الأرقام التي يتصل السارق بها. الجوال المسروق في الرياض، وأكثر الاتصالات تتم بالحديدة في اليمن، فكر الرجل فاتصل بالأرقام شارحاً لأصحابها أن من يتصل بهم من ذلك الرقم هو لص سرق جواله، وطلب منهم «جاهة»، أي أن يتدخلوا بالحسنى عند قريبهم أو صديقهم لإرجاع الجهاز. وبالفعل، اجتهد بعضهم واتصل بسارق الجوال أكثر من مرة من دون فائدة، و «الحسابة تحسب»، تحول المسروق إلى صديق تلفوني لأقرباء السارق أو أصدقائه، وهم في خجل وحياء منه، ومما فعل اللص.
بالطبع، من غير المجدي طلب اهتمام الجهات الأمنية بمثل هذه القضايا، تحديد موقع السارق أمره سهل، لكن القضايا كثيرة وهناك أولويات هم مَن يحددها… والرد معروف: «أحمد ربك»، لذلك لم أجد ما أخفف به عن المسروق سوى الإشارة إلى تقصير شركات صناعة الهواتف الجوالة. المفروض أن يصنع للهاتف الجوال فك فولاذي له أنياب مدببة مخفية، ويعمل بكود سري يحتفظ به صاحب الجوال لاستخدامه عند الحاجة، فإذا سرِق منه يقوم بالواجب… عندها سنعرف السارق من حلمة أذنه.
نشر في الحياة | التعليقات: 4 »
30 أغسطس 2008
من البديهيات للمستثمر العمل بهدوء وصمت إلى حين وصوله الى الهدف. فرضاً، إذا أراد مستثمر شراء أرض فهو لن يعلن عن ذلك كل لحظة… قائلاً: «جايكم… حجزت الرحلة، ومعي ربع». الاستثمار يختلف عن «الكشته»، بل على العكس المستثمر قد يوسط شخصاً عادياً من أواسط الناس أي «غير مطموع فيه» لشراء الأرض له بسعر مناسب. إذا قيل لك إن التاجر الشهير فلان يرغب بقطعة أرض تخصك، لا شك أنك سترفع سقف العرض قائلاً: «الذيب ما يهرول عبث»، ربما هناك مشروع في الأفق أو طريق عريض قد علم خط سيره قبل التنفيذ «يتوطى» الأرض بتثمين عال.
لذلك من المستغرب أن تواصل جهات حكومية في السعودية الإعلان عن رغباتها في شراء أراض في بعض البلدان للاستثمار الزراعي، هذا سيؤدي إلى رفع الأسعار وتحجير الأراضي للمتنفذين من هنا وهناك، ومن المستغرب الإعلان عن وفود ستذهب أو ذهبت أو سيتم استقبالها، هل هذا هو الأسلوب الاستثماري الحصيف؟
منذ أن أصدر مجلس الوزراء السعودي قراراً بالاستثمار خارجياً، ونحن لا نقرأ سوى أخبار «الاعتزام» والنوايا، لا أقول إن فيها حثاً لآخرين على سرعة الشراء؟ لكن أليست الأموال التي ستصرف أموالاً عامة يجب الحفاظ عليها؟ كأن خفض الكلفة مع نجاح الإنتاج ليس هو المعيار لنجاح الاستثمار، آخر ما قرأت تصريحاً للسفير السعودي في البرازيل، في «سبق» قال: «إن المملكة تسعى لاستثمار أراض زراعية في البرازيل، مشيراً إلى أنه يعمل على تنظيم زيارات لوزراء سعوديين، كي يقفوا بأنفسهم على الفرص المتاحة هناك».
في حين قامت دول أخرى بإتمام الصفقات بهدوء وبعد الانتهاء أعلنت عن ذلك. اعتقد بأنه من الأنسب إعادة النظر في الفريق الاستثماري الذي يقوم بتنفيذ توصيات مجلس الوزراء. هذه البدايات لا تبشر بخير، إذا تم السير على هذا الطريق ربما لن نسمع سوى عن انتدابات خارجية وجولات جماعية للاطمئنان على سير المشاريع «الحيوية لأمن الغذاء الوطني». الجهات الرقابية مدعوة للنظر في هذا الملف قبل أن يقع الفأس في الرأس.
***
دشنت شركة زين للاتصالات نشاطها في السعودية بعرض فريد من نوعه. ستتحمل الشركة نصف الكلفة لأول نصف مليون مشترك، ولا أشكك في توجه الشركة، لكن من الغريب عدم الإعلان عن العدد الذي وصل اليه المشتركون ما يوفر المناخ لظهور مساهمات أخرى مثل مساهمات «سوا». المفترض أن تشرف هيئة الاتصالات والتقنية السعودية على مثل هذا العرض وتعلن الأرقام أولاً بأول، بل تظهر على الشريحة كوثيقة، ما الذي يمنع أن يكون قد تم شراء هذه الأرقام من بعضهم. خبرتنا في سوقنا أن الطيور تطير بأرزاقها باكراً ربما منذ منتصف الليل؟
نشر في الحياة | التعليقات: 5 »
29 أغسطس 2008
«الذي معاشه أقل من خمسة آلاف ريال يستحق الزكاة، وأهل بلدك أحق بالزكاة».
توقفت عند هذا القول لرجل الأعمال الشيخ صالح الراجحي، ولا أعلم متى قاله. التاريخ مهم مع تضخم أفقد النقود الكثير من قيمتها، القول ورد في كتاب «صالح بن عبدالعزيز الراجحي مسيرة حياة»، متّعه الله بالصحة والعافية، والرجل عرف بعصـــاميته وبساطته ونجاحه الكبير في ميدان التجارة والزراعة وحضور لافت في أعمال الخير.
والكتاب يستحق القراءة، ففيه تجربة ثرية من رجل استثنائي، أيضاً عرضت هذه التجربة بأسلوب سهل بعيد من التكلف، في 300 صفحة، والناشر «دار الميمان للنشر والتوزيع»، وحفل بآراء من أصدقاء للشيخ ورجال أعمال عن شخصيته، اتفق معظمهم على انه إنسان على الفطرة. ومن أقواله التي تصلح لأحوالنا هذه الأيام: «والله اني ما أنفقت يوماً للزكاة مليوناً إلا وعوضني الله سبحانه مليونين»، هذا أحد كبار التجار إن لم يكن أكبرهم يقول ذلك، فأين أصحاب البلايين من دفع الزكاة المستحقة؟ وكيف يحاول بعضهم التخفيف منها بطريقة أو بأخرى؟
وفي الكتاب قصص معبرة، هذه واحدة منها، خلال كساد وأزمة اقتصادية عاشتها السعودية ذهب الشيخ صالح مع تجار آخرين يشكون الحال وما أصابهم من خسائر للملك سعود رحمه الله، رد الملك «والله ما تجوعون وأنا شبعان»، ثم قام بشراء أراضيهم كلها برأسمالها من دون خسارة ودفع المبالغ على فترات.
هذه القصة الأخيرة تبين وقوف الدولة وولاة الأمر - رعاهم الله - مع التجار، وهي فرصة لتذكير بعض منهم بواجباتهم تجاه الدولة وتجاه مواطنيهم، الذين لا يفكرون سوى بتعظيم الأرباح من خلال تخزين السلع المطلوبة أو الغش والتستر ورفع هامش الأرباح واستغلال الأزمات أو افتعالها. والكتاب، بما حواه من مواقف وقصص، مدرسة في الأعمال والتعامل مع الناس. يقول صالح الراجحي: «أقبل بالربح القليل مع العمل الكثير المستمر، نحن من هللات وقروش بعد توفيق الله سبحانه بنينا ثروة». ومن تلك الهللات أسس الراجحي مصرفاً وسلسلة من الأنشطة من بينها أكبر مزرعة للنخيل في العالم، إذ ذكر الكتاب أنها صنفت في «غينيس»، ثم جرى وقفها لأعمال الخير.
أشكر الأخ الكريم عبدالرحمن بن صالح الراجحي رئيس مجلس ولاية أعمال الشيخ على الإهداء، وأهنئهم على حسن إخراجه، وأدعو لهم جميعاً بالصحة والعافية.
نشر في الحياة | التعليقات: 5 »