قبل عامين كنتُ مع زملاء في زيارة لشركة أرامكو، وضمن البرنامج جولة في فصول التدريب، ومن النقاش علمنا عن تقييم مختصين في «أرامكو» لمستوى خريجي المؤسسة العامة للتدريب الفني والتقني، وكيف أن شركة النفط تنتقي عدداً محدوداً منهم لتعيد تدريبهم، لم أفاجأ وقتها، حتى إن المسؤول عن التدريب هناك كان «متحسساً» من التصريح برأيه لإعلاميين، وهو ما دفعني إلى طرح السؤال مرة أخرى «بيني وبينه»، تذكرت هذا بعد اطلاعي على مقال للزميل العزيز صالح الشيحي في صحيفة «الوطن» عن مستوى خريجي المؤسسة ونتائج أعمالها، وما ذكره الزميل صحيح والشهادة لله تعالى.
وقبل سنوات – كنت وقتها أكتب في صحيفة «الرياض» -، حضرت اجتماعاً للصحيفة مع عدد من كبار موظفي المؤسسة، استمعنا إلى شرح مسهب وعروض على الشاشة عن خطط وبرامج المؤسسة «الطموحة» وما يتوقع منها، أتمنى على الزملاء في صحيفة «الرياض» نبش ما سمعناه «ذيك السنة» لينشروه مع مقارنة بالواقع الحالي. تلك السنوات مدة كافية لإحداث تغيير محسوس في واقع شبه جامد يعيشه التعليم الفني لكن لم يُلْمَس تغيُّر يذكر ويُقارَن بحجم الإمكانات الموفرة.
قبل هذا وذاك حصل حشد إعلامي كبير لبرنامج التدريب المشترك حينما بدأ الانتباه الرسمي لقضية البطالة وأخطارها، وتوقعنا أن يسهم في التخفيف منها واحتضان الشباب إلا أن هذا لم يتحقق.
وإذا أضفت إلى ما سبق حالة عدم استقرار وخلافات وصلت لرفع قضايا من محاضرين ومدربين في المؤسسة، يمكن لك الخروج بالحكم.
كان من المأمول أن يتغير واقع مخرجات التدريب الفني والصورة الذهنية عنها وعنهم، مع حاجة البلاد إلى هذه التخصصات وشباب يطرده القطاع الخاص. هذا لم يحدث ولا بد من أن هناك خللاً، أما استنتاجي الخاص فيمكن استشفافه من هذا النموذج البسيط، خذ مبني المؤسسة الجديد الضخم الذي تم الإصرار على بنائه داخل شارع مزدحم قديم، وكان بالإمكان الخروج إلى أرض الله الواسعة، هذه الصورة الإسمنتية تقدم لك فكرة عن واقع المؤسسة، الانطواء مع بعض الرخام.
واقعنا يقول إن أي منشأة تواجه مشكلات في وضوح الرؤية أو متاهة الوصول إلى طريق أنسب محقق للأهداف، لن تصلح نفسها بنفسها، أقول «لن»، من هنا لا بد من أن يأتي الإصلاح وإعادة تقييم المسار من خارجها، ومشكلتنا الرئيسية في كثير من القضايا أن لا تقييم ومتابعة واضحة للخطط والبرامج أثناء تنفيذها تقوم بها جهات مستقلة «نوعية» محايدة تابعة لسلطات إشرافية أعلى، لذلك تلجأ الجهات المعنية إلى الإعلام وبعض الصحافيين والمنتديات والمؤتمرات وكل ما له علاقة بالفلاشات، يضاف لها تقارير سنوية عن الإنجازات، فتبحث عن الأخيرة ولا تجدها سوى على الورق.
تاريخ النشر: 3 مارس 2010
لو كنت من المؤسسة العامة للتقاعد لاستحدثت إدارتين، الأولى لتوظيف أبناء المتقاعدين المتوفين – ولو على الورق – للتخلص منهم و «قحش» حصتهم من الراتب التقاعدي، والثانية «إدارة الخطابات والمأذونين»، لتزويج بنات المتقاعدين المتوفين، وحال صدور الصك يتم إسقاطهن و «القحش». ولا تهم التبعات، مثل عدم استقرار الأبناء أو حصولهم على عمل، أو استقرار زواج البنات، والحقيقة أني لم أجد فكرة أهديها للمؤسسة للتخلص من الأرملة، يمكن تزويجها بفتح فرع للأرامل في إدارة التصريف.
الراتب التقاعدي حق للمتقاعد وورثته هم أولى به… حتى ولو كانت أنظمة قائمة الآن لا ترى ذلك، ولست أعلم ما رأي الشرع، هل يجوز لجهة حكومية أن تتحول إلى الوريث الوحيد للمتقاعدين المتوفين بعد «التخلص» من أبنائهم؟ ثم إن هدف الراتب التقاعدي هو الاستقرار، والواقع مع زيادة تكاليف الحياة وإعادة تصدير الرز!؟ لا يحقق الحد الأدنى من الاستقرار. وزارة المالية المشرفة على التقاعد قالت إن الوضع المالي مريح ومطمئن، فلماذا لا يعاد النظر في هذه الأنظمة لتحليل مصادر دخل المؤسسة.
أرسل لي قارئ كريم معني بورثة – أعانه الله تعالى – أمثلة على ظلم يقع.
رجل توفى على رأس العمل وترك زوجة وثلاثة أبناء صغار وثلاث بنات، حصل النصيب للبنات فتم حسم حقوقهن، فهل يكفي الباقي لحياة كريمة وتعليم معقول للأبناء الصغار والأم، أم أن المسألة «حسبة» من دون عناية بالحاجات؟
النموذج الثاني. توفي رجل وترك ولداً وابنتين. البنتان متزوجتان «حلم مؤسسة التقاعد تحقق»، والابن لا يزال يدرس أي «ناشب» في حلق المؤسسة، أما الزوجة فكانت متقاعدة من عملها قبل وفاة زوجها، إذاً ليس لها حق في تقاعد الزوج!! بعد ستة أشهر توفيت إلى رحمة الله تعالى، ما الذي حدث؟ تم تخيير الابن اليتيم بين واحد من اثنين، إما راتب والده التقاعدي – أو راتب والدته، أما الجمع بين الراتبين فهو أشد من جمع ست زوجات!
النتائج السلبية لوضع مثل هذا كثيرة، أدناها عدم لوم من لا يزوِّج بناته خوفاً من استقطاع مبلغ قد يراه البعض «فتاتاً» وهو كل «الماجود»، ألا نتوقف لنتأمل دور هذه الأنظمة في توجّه نهم للبحث عن مصادر دخل أخرى، وشعور عام بعدم الاطمئنان للمستقبل؟ ألا يعني هذا هاجساً ضاغطاً على موظفي الدولة من عسكريين ومدنيين قد يدفع بعضهم للتجاوزات من تستّر وغيره؟ ألا يمكن لنا قراءة دور أنظمة وضعناها في تشكّل ظواهر أثرت بقوة سلبية على حياتنا؟
تاريخ النشر: 2 مارس 2010
طوت إجازة الربيع – المدرسية – أيامها ولم تظهر جهة رقابية واحدة «لتعبرنا» وتخبرنا عن «نية» للتحقيق في فضيحة التصدير – غير المشروع – للمشتقات النفطية من ميناء ينبع. في إجازة الربيع «يمكن الواحد يأخذ عياله في كشتة» داخلية أو خارجية، و «العوال» يحتاجون إلى مراقبة، فإذا كنت من جهة رقابية، من المؤكد انك ستنشغل في رقابة أبنائك عن رقابة عملك… عموماً مر أسبوع بعد الإجازة، ولا حس ولا خبر، ومشكلة القصة التي نشرتها «عكاظ» افتقارها للأرقام. كنت أرغب بمقارنة كمية السوائل المصدرة خلال 11 عاماً بسيول جدة… خصوصاً أن الأرصاد والأمانة في جدة استطاعت تحديد كميات سيول جدة الكارثية… الغرض من المقارنة فقط لتقدير النتائج. الصحيفة قالت إن وزارة البترول والثروة المعدنية علقت نشاطات الشركة، لكن الوزارة لم تعلق. لم يظهر مصدر مسؤول ليخبرنا بالتفاصيل. أيضاً أرامكو مشغولة، لقد تم اكتشاف حقل غاز في الشمال، «تأكدوا يا الربع لا احد يمد له ماسورة، وانتم مشغولون بحقل جديد». سألني احد الخبثاء، هل لدى أرامكو عدادات أم أنها تعتمد على التقدير؟ لست اعلم لكن الشركة العملاقة كان يمكن لها أن تخبرنا بالكميات التي حصلت عليها الشركة المتجاوزة خلال 11 عاماً وما لديها من معلومات.
اتصل بي احد الأصدقاء مشيراً إلى أن مصلحة الجمارك أصدرت توضيحاً حول القضية نشرته على موقعها، طلبت رأيه فقال… «استنتج»! ربما لديه معلومة، لكنه يحب الألغاز مما يؤهله لإعداد برنامج «أنشدك عن بند…». توضيح الجمارك عبارة عن رد على صحيفة «عكاظ» فيه تفاصيل لم اقرأها منشورة. مع الإشارة إلى أن الزميل ماجد الصقيري صاحب السبق في هذه القضية أشار في متابعة أخيرة للخبر أن خلافاً بين شركاء المشتقات المصدرة فضح المستور.
… وحتى تبقى النهاية مفتوحة على مصراعيها، سأورد ما استنتجته «كما هو»، من توضيح الجمارك مع بعض الاختصار وعليكم الاستنتاج من استنتاجي!
> إن جميع البضائع التي تصدر أو تستورد إلى المملكة تمر عبر الجمارك بما فيها ما يرد أو يصدر عبر الأنابيب في الموانئ؟!
> هناك محاولات عدة لتهريب مواد بترولية مدعومة ومقيد تصديرها إذ تتم تسميتها ببيان الصادر بأسماء مواد مسموح تصديرها، وتعتبرها الجمارك ضمن جرائم التهريب الجمركي وتلاحقها؟
أما الكشف الكبير أو – القنبلة إن شئت – الذي أعلنته الجمارك في توضيحها فهو الآتي:
> وفي ما يتعلق بالخبر المنشور فليس هناك أية شركة تم إيقاف منتجاتها من التصدير ولا تعلم الجمارك عن مصدر المعلومة؟!
يتبع… متى؟ «إذا شفتك علمتك»!
تاريخ النشر: 1 مارس 2010
على إثر تداعيات الامتناع عن لقاحات انفلونزا الخنازير تمنى الدكتور عبدالله الربيعة وزير الصحة ان تحظى الوزارة بثقة الجمهور وأنا معه من المتمنين. الواجب يستدعي الإشارة إلى أن ترسيخ الثقة واستعادتها يحتاجان إلى عمل مضنٍ، خارج نطاق الحلقات المصابة… حتى في الإدارة هناك فيروسات معدية وتتفشى مع تراجع الحزم. الداء واضح، وكل يوم تقريباً تظهر قصة لتؤكد ان تدني الثقة لم يأت من فراغ… عفواً بل جاء من الفراغ الرقابي… الإداري! إضافة إلى ان قصص أسلوب تعامل الوزارة وهيئتها الشرعية مع الأخطاء الطبية سجلت أرقاماً قياسية في الكم والكيف، وسالفة «المقص الشيطاني» هي حديث الناس.
قارئ طالبني بزيارة مجمع الرياض الطبي لأرى مستوى التعامل، خصوصاً مع الشعار «المريض أولاً»، وقد زرته وأعرف مستوى التعامل المتدني… خصوصاً في العيادات الخارجية. انشاء الأبراج مسألة سهلة لكن إدارتها هو التحدي الحقيقي، وحينما تضع الإدارة العليا – في أي جهاز – شعاراً يجب أن تعد العدة للمحافظة عليه. لماذا؟ لأن هناك من لا يرغب فيه، هناك من سيعمل على إحباطه. أيضاً هناك من لا يعرف كيفية التطبيق، فتراكم الخبرة السلبية… يعيق.
نحن الآن أمام قصة مثيرة جديدة. طبيب بيطري يدير أكبر مستشفى خاص في المدينة المنورة، والقصة من صحيفة «المدينة»، عن لجنة ثلاثية تحقق مع المدير البيطري. ما يبعث على التفاؤل في التحقيق ان الإمارة طرف في لجنة التحقيق، والقصة بالتفاصيل نفسها قصص أخرى. جاء «محرم» مع زوجته ليصبح مديراً لمستشفى، تخصصه في الدجاج البياض! والتطبيق في ادارة المرضى والأطباء… قطاع خاص. سألت صديقاً استعين به أحياناً للضحك على المرارة عن رأيه في المسألة فكان رده «كلهم كائنات»!
ويظهر أن تعيينه تم لكونه طبيباً… والسلام، والشرط للطبيب في القطاع الخاص اصبح واقعاً مخجلاً لمهنة راقية، «تبون طبيب هذا طبيب»… لقد أصبحت الشهادات عبئاً على حاملها لأن نظرات التشكك ومصمصة الشفاه هي السائدة. وفي الشأن الطبي، أسهم مشروع تحويل الطبيب الى تاجر في تراجع الاخلاقيات الطبية والنهم المتوحش للمال وضياع المقصات في البطون، وانظر إلى الإعلانات المبوبة التي تبحث عن شريك طبيب، وأجهز استحواذ الأطباء على الإدارة على الخدمة الصحية الحكومية.
ومع توقعي أن ينتهي أمر البيطري مع صاحب المستشفى الرائد في علوم الدجاج بكتابة تعهد على ورقه a4 وقد يسحب، بالواسطة – مستقبلاً من ملفه او ملف المستشفى. و «عفا الله عما سلف». انظر الى الجانب الإيجابي الذي نحمد الله تعالى عليه وهو ان التخصص في الدجاج البياض تخيل معي لو كان التخصص في الدجاج اللاحم.
تاريخ النشر: 28 فبراير 2010
يبلغ الإنجاز الأمني ذروته في القدرة على منع الجريمة قبل وقوعها، أي إجهاضها، مع توقيف المجرمين المخططين، ويتوّج بالإعلان الموثق الكاشف للجهات المحركة.
في المستوى الثاني يتحقق الإنجاز عند القبض على المجرمين – حتى بعد تحقيقهم الهدف – ليقدموا للمحاكمة ثم تنفذ الأحكام الصادرة بحقهم من دون النظر إلى وساطات… سواء في الجرائم السياسية أو تلك «الأخرى» التي تتدخل فيها السياسة. وفي المستوى الثالث يأتي كشف خيوط الجريمة وجمع أطرافها، مثلما فعلت شرطة دبي في جريمة اغتيال المبحوح.
لا شك في أن جمع الخيوط «التقنية» وإعادة كتابة السيناريو المحتمل، ليس بالأمر الهين، مع توسّع دائرة الإرهابيين في قائمة الـ28 التي أعلنت عنها دبي الأربعاء. ليس الهدف التقليل من جهود شرطة دبي، إذ عملت بكفاءة أيضاً في استخدام ممنهج للإعلام، ليشكل قوة ضاغطة ولو موقتة، لكني لست مع موجة الإشادة المبالغ فيها لتجاوزها نجاح الجريمة، وهروب جميع «الغربان» المشاركة، اللهم إلا من «غرابين»… من الكومبارس العرب.
كأن إمارة دبي تقول لمن لا تستطيع جلبهم للعدالة أو من يقف وراءهم، «يمكن أن ننال منكم ولو هربتم». يلاحظ هنا أن إمارة دبي المسالمة، على صغرها، لم تعط «قيمة سلبية» لعلاقاتها بدول مهمة من مصدري الجوازات. هذا مما يحسب للساسة في الإمارات، الأمن أولاً ثم تأتي العلاقات. هناك حدود يحرم تجاوزها حتى لو اختلف الحجم والنفوذ أو تأثرت مصالح تجارية تقوم عليها الإمارة الصغيرة.
كنت طرحت ضرورة إعادة النظر في إشكالية التعامل «الخاص» مع الجوازات الغربية في البلاد العربية وعلو شأنها. ومع توسّع دائرة المشاركين في جريمة اغتيال المبحوح من أوروبية إلى أسترالية، يزيد الإصرار والمطالبة بإعادة النظر، المحصلة ان جريمة اغتيال المبحوح هي اعتداء فاضح على سيادة إمارة دبي ودولة الإمارات، والأخيرة عضو فاعل في مجلس التعاون الخليجي، والمساس بأمنها مساس بأمنه، وحضوره الداعم الآن مهم للغاية.
الجريمة نجحت في تحقيق هدفها وأحدثت ضرراً بالحالة الأمنية في دبي. حسناً، ما العمل؟
لماذا لا تُبذل الجهود لتصنيف جهاز الموساد من ضمن التنظيمات الإرهابية عالمياً، وتعتبر الدول التي سهلت منح جوازاتها، وراوغت في البداية بالقول إنها مزوّرة على أنها دول داعمة للإرهاب إلى أن تسلم أصحاب تلك الجوازات، وما المانع، فهذه الجريمة أمامنا والمشاركون من دول تدعي مكافحة الإرهاب، ولنأخذ درساً من شرطة دبي التي استخدمت الإعلام ووظفت وسائله في دول الجوازات الإرهابية لخدمة قضية المساس بسيادتها، ثم لا بد من التمعّن في أن الدول صاحبة جوازات القتلة لم تعلن إدانتها للجريمة بل أدانت استخدام الجوازات – فقط – في حالة نفاق أوروبي… غربي معروف ومعتاد، يحتاج لمن يقف أمامه.
تاريخ النشر: 27 فبراير 2010