يقع إعلامنا خصوصاً الصحف في خطأ كبير، فلا يسمي القضايا بأسمائها الحقيقية، لذلك حُصرت قضية اللاجئين القطريين الجدد في اسم قبيلة، وحتى ولو كانوا جميعاً من قبيلة واحدة فإن هذا لا ينفي كونهم لاجئين قطريين، وهذا ما يجب أن يطلق عليهم، مع احترامي لهم وتعاطفي مع محنتهم، لكن الحرص على هذه التسمية يأتي من منطلق تحميل الدولة التي نبذتهم مسؤولياتها، لذلك فإنني أدعو وسائل إعلامنا الى أن تحرص على ذلك، ويتساءل بعضهم عن سبب عدم إشارة قناة الجزيرة الى مشكلة اللاجئين القطريين لا من قريب ولا من بعيد، ومثل هؤلاء فصلوا في أذهانهم بين القناة وموقع بثها، وانطلت عليهم تلك العبارة التي حرصت عليها القناة في سنواتها الأولى، قناة الجزيرة “في” قطر، وجاء ظهور هذه القناة في سنوات قحط خبري عربي، كانت القناة الوحيدة التي تخالف القنوات الرسمية وتأتي بالأخبار مباشرة ومن موقع الحدث، في حين كان المتوافر من مصادر الأخبار العربية ينقسم إلى صنفين، صنف عفا عليه الدهر وما زال يعتقد أن الأرض ساكنة لا تدور، وآخر أخذ الشكل الجديد للفضائيات، لكنه ويا للأسف انغمس في الرقص و”الشخلعة” وأطباق اليوم وما أكثرها! وطالما وُصفت قناة الجزيرة بالمهنية الإعلامية، وفي هذا بعض الصحة، لكن السبب الرئيس هنا هو عدم وجود منافس واحد يقدم الأخبار باللغة العربية كما يجب أن تقدم، لذلك استطاعت ولسنوات عدة أن تدس كثيراً من السم في العسل، الآن اختلف الوضع كثيراً وأصبحت هناك مصادر عدة باللغة العربية، لذلك أصبحت صورة قناة الجزيرة تبهت رويداً رويداً، وما يجب أن يعيه المتابع للتجربة هو أنه قد يساق لك السم على أطباق مما تشتهي وتحب، مثلما حاول بعضهم تسويق الاحتلال الأميركي للعراق على أنه تحرير وإصلاح وفشلوا فشلاً ذريعاً في ذلك.
ويوم الجمعة قبل الماضي نشرت جريدة الوطن مقالاً للكاتب عبد الهادي التميمي قال فيه: إنه عندما كان يعمل صحافياً أول في قناة الجزيرة وأثناء تغطية القمة العربية في تونس طلب منه أحد المسؤولين في القناة إضافة فقرة لتحليل كتبه تشير إلى أن السعودية ضغطت بشدة لإفشال القمة لأنها تخشى من الورقة الخاصة بالإصلاحات السياسية، وقيل له أن ينسب ذلك الى مصدر ديبلوماسي، على رغم أنه خبر مدسوس ولا وجود لمصدر قال ذلك. هنا أحد الشهود من داخل دهاليز القناة يوضح لنا كيف تتم صياغة الأخبار؟ أبعد كل هذا يمكن استغراب شيء من هذه القناة؟ وهل يجوز لنا بعدها وصفها بالمهنية الإعلامية؟
بعد أن وقعت البحرين اتفاقاً اقتصادياً منفرداً مع الولايات المتحدة الأميركية قال وزير المال السعودي في مؤتمر صحافي ما مفاده أن الحكومة السعودية ستتخذ الإجراءات الكفيلة بالمحافظة على مصالحها ومصالح اقتصادها. اليوم تم افتتاح غرفة تجارية أميركية في المنامة، على رغم رفض دول خليجية سابقاً طلباً أميركياً مماثلاً، وهناك مفاوضات لتوقيع اتفاقات منفردة بين الولايات المتحدة وأعضاء آخرين من مجلس التعاون قد تنتهي بالتوقيع بعد فترة. وحتى الآن لا نعلم ما الإجراءات التي تم اتخاذها لحماية الاقتصاد السعودي؟ وهل هناك استراتيجية لمواجهة مثل هذه الخروقات لاتفاقات مجلس التعاون؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه رداً إعلامياً يشير الى افتتاح الغرفة التجارية الأميركية، وعلى رغم أن الموقف السياسي السعودي من توقيع ذلك الاتفاق كان واضحاً وضوح الشمس إلا أننا اقتصادياً لا نعلم ماذا تم أو ماذا سيتم؟ ومعالي وزير المال مطالب بالكشف عن تلك الإجراءات التي قال إنها ستتخذ.
والسعودية في علاقاتها، خصوصاً مع الدول العربية، ينطبق على واقعها المثل الشعبي “مثل الشعير مأكول مذموم”، فعلى رغم أنها قدمت وتقدم الشهد والعسل والصدر الكبير، نجدها الآن أمام مشكلة لاجئين جديدة بقرار حكومة قطر طرد الآلاف من القطريين من “بني مرة”، والسؤال الذي يدور في الأذهان: هو كيف ستتم مواجهة هذا الأمر؟ وهل السعودية مكلّفة بحمل هموم الآخرين وقراراتهم غير السليمة؟ ومما يذكر أنه خلال غزو صدام حسين الكويت وفد الى السعودية الكثير ممن يصنفون في دولة الكويت على أنهم “بدون”، وعانى كثير منهم عند محاولة العودة، بل إن بعضهم اضطر إلى الحصول على جنسيات آسيوية حتى يقبل، على رغم خدمته الطويلة هناك، ولعلنا لا ننسى اللاجئين العراقيين إبان تحرير الكويت وتحمل المملكة مسؤوليتهم كاملة سياسياً واقتصادياً، وكل هذا مما يحمد للمملكة، لكننا نرى العقوق ولا نجد شيئاً من الوفاء. وفي الجانب الاقتصادي وبحسب “بيتر ماندلسن” المفوض التجاري الأوروبي، فإن الولايات المتحدة تشق الصف الاقتصادي لدول الخليج العربي، وهي تتعامل مع هذه المنطقة بعكس ما تدعو إليه، وهو وبحسب رأي الخبير الأوروبي ليس من مصلحة اقتصاديات المنطقة، فماذا نحن فاعلون؟
لكن ما الذي يجمع قضية لاجئين خليجيين جديدة مع قضايا اقتصادية في مقال واحد؟
الذي يجمعهما هو تمسكي بتصريح سعودي رسمي قبل سنوات، كتبت عنه أكثر من مرة، وجاء فيه: إن عصر المجاملات السياسية قد انتهى، فهل انتهى بالفعل؟ أم أن المملكة لم تستفد من تجاربها السابقة؟!
أبو مجدي من جدة بعث رسالة بعنوان “صرخة مساهمي سوا” شرح فيها أحوال المساهمين وتضررهم من تعقد القضية على رغم القبض على بعض من يدير المساهمة، ويورد تفاصيل في الرسالة وأسماء أشخاص إلا أنه نسي وضع اسمه وعنوانه، والكاتب حريص على التوثيق فهذا له الأولوية عندي. ولعل الأخ أبو مجدي قرأ مقالي الأخير بعنوان “الزئبق الأخضر” عن الوقوع في أحابيل النصابين، ومثلما على الجهات الرسمية مسؤولية إعادة الأموال إلى أصحابها وردع النصابين من استغلال الناس فإن على الناس واجب التأكد والتدقيق أين يضعون أموالهم، فلا تغرنكم الألسن المعسولة والصور المقبولة، وسأعود بعون الله لهذه القضية على رغم أنني أتمنى أن تنتهي غداً ويعاد الحق الى أصحابه. وكتب لي أحد الإخوة الأطباء العرب العاملين في السعودية يشكو من الشركة التي يعمل بها، وعلى رغم أنه “يعرق” كل يوم إلا أنه لا يتسلم حقوقه في مواعيدها. ويذكرني بالحديث الشريف الذي يأمرنا بإعطاء الأجير حقه قبل أن يجف عرقه، وهذا أمر لا خلاف عليه، إلا أن بعض الشركات وأصحاب الأعمال في محافظهم عقارب سامة يخافون من إدخال أيديهم فيها لإعطاء الناس حقوقهم، لكن الطبيب أيضاً لا يصرح باسمه ولا باسم الشركة على رغم التواصل معه على البريد الالكتروني، وقد يكون الطبيب معذوراً بعض الشيء إلا أن الثقة بالكاتب أمر في غاية الأهمية، وأحرص على الرد الشخصي على كل رسالة تصلني، وأتناول بعضاً منها في مقال أو أكثر كلما توافرت المعلومات الصحيحة. وأضع هنا عنواني البريدي تجاوباً مع رغبة بعض الإخوة القراء وهو (الرياض 11534 ص.ب 55029).
وأختم برسالة لطيفة ومختلفة من الأخ الكريم زكريا عبد الحميد محمد، فهو يخالف رسائل القراء لأنه لم يرسل شكوى بل أرسل شكراً لرجل مرور في الرياض. ويقول زكريا إنه قبل أيام أوقف سيارته في المكان الصحيح في سوق الجوالات بالمرسلات، وعندما أنهى حاجته وجد أن هناك سيارة تسد عليه طريق الخروج، انتظر قليلاً ثم بحث عن دورية مرور فوجد واحدة قريبة، تفاعل رجل المرور مع القضية وأخرج صاحب السيارة المخالفة وأخذ مخالفة أيضاً. والشكر هنا واجب لرجل المرور لأنه قام بواجبه، ولو أن كل واحد منا قام بواجبه لكنا بألف خير. والأخ زكريا يقول إنه وقع في الموقف نفسه في بلاده، فرد عليه رجل المرور بقوله: “أعملك أيه”. والشكر أيضاً واجب للأخ زكريا لحرصه على الشكر.
يدفع الإنسان المال ليشتري صحته وراحته، ويوظف الخدم من سائقين وخادمات للغرض نفسه، لكن الخدم قد يتحولون إلى مشكلة، أقول قد، وهو احتمال، وعلاقتنا بالخدم علاقة عجيبة تحوي المتناقضات، بين الإفراط والتفريط، البعض يحاول صنع أصدقاء منهم فتتكسر الحواجز ويتجاوزون أدوارهم وتنشأ المشكلات، وبعض الناس يشتريهم بمزيد من المال، فتصبح العلاقة ملبدة بسحب متناثرة من “البخشيش” المتوقع، والبعض الآخر يعتقد أنهم عبيد وأن حاجتهم للعمل تبرر له الحصول على آخر قطرة من عرقهم.
ويبدأ التعارف بين العمالة المنزلية بسؤال “كفيل كويس!؟” والإجابة تحدد مدى راحة العامل أو الخادمة، وكثير من المواطنين والمقيمين تضرروا من تصرفات بعض العمالة، إما لأنهم أصلاً غير محترفين للأعمال التي استقدموا لأجلها أو لمشكلاتهم التي تنشأ لاحقاً من سرقات وممارسة سحر وانحرافات أخرى، ومكاتب الاستقدام ملأى بكثير من القضايا، وهناك ظلم يقع غالباً على أحد أطراف العقد.
هذا هو شكل العلاقة بين مجتمع لم تستوعب الشريحة الكبرى منه أسلوب التعامل الأمثل مع العمالة المنزلية من طرف، وعمالة تدفع أموالاً في ديارها للحصول على فرصة عمل قد لا تكون قادرة على أدائها، لكنها بمثابة الحلم الجميل، والحلم دائماً يزين ويملح الصورة ويستبعد التشوهات والتوقعات السلبية.
مهما كان شكل العلاقة والنتائج منها فإنها لا تبرر الظلم إطلاقاً، في تأخير رواتب أو سوء معاملة، وتأتي حادثة الخادمة الآسيوية “نور مياتي” وما تعرضت له من التعذيب والضرب كصورة بشعة لما يحدث بين ظهرانينا، والبشاعة وحدها لا تكفي لوصف ما تعرضت له المسكينة، ونحن لا نعلم حتى الآن وجهة نظر الكفيل وزوجته، لكنها لا يمكن أن تبرر ما فعلوه بخادمتهم، فحتى لو سرقت أو اعتدت على الأبناء كل هذا لا يبرر تلك الوحشية، ولا يمكن التفكير في الانتقام من السائق أو الخادمة، وأعرف قصة لخادمة لم تستطع الصبر بعد أيام قليلة من بداية عملها وطالبت بالسفر، وقيل لها أن تنتظر إلى حين إنهاء الإجراءات، لكنها من فرط سوء التقدير وضعت مبيداً في الأكل، وسلم الله تعالى واكتشفت العائلة الأمر، فتم ترحيلها من دون أدنى ضجة. يشتري الإنسان راحته بالمال إلا أنه يقصر دون ذلك ببعض “الفراطة” وهو قادر، وقد يضع رأسه برأس العامل لديه، بدلاً من أن يكون كريماً مسامحاً، حامداً الله تعالى على المقدرة على العفو، وقصة “نور مياتي” حالة شاذة لا تعبر عن واقعنا وأجزم أنها لن تمر مرور الكرام.
وضع مجلس منطقة الرياض يده على ورم خطير يتزايد حجمه في مجتمعنا كل يوم، وفي اجتماع مجلس منطقة الرياض الأخير طالب المجلس المؤسسات المالية الحكومية بـ”معالجة ظاهرة تزايد القروض الاستهلاكية ووضع الخطط اللازمة لترشيد استخدام القروض الاستهلاكية بما يتناسب مع المصلحة العامة”، وفي التوصية التي نشرتها الصحف إشارة إلى أن “بعض هذه القروض يستخدم لأغراض غير ضرورية”. هنا من الواجب الإشادة بمجلس منطقة الرياض وعلى رأسه سمو أمير الرياض الأمير سلمان بن عبد العزيز، الذي عندما يتناهى إلى علمه أمر يكون قراره حاسماً وسريعاً في مواجهته، فله الشكر والتقدير على الاهتمام بهذه القضية الخطيرة التي هي أصلاً من صلب مسؤوليات المؤسسات المالية الحكومية وأستطيع أن أعتبر هذه التوصية بمثابة التحذير، وهو ما كتبت عنه أكثر من مقال، وغيري كثير من الإخوة الزملاء حاول ولكن..!
مجلس منطقة الرياض، في التوصية، يناشد جهات الاختصاص “المؤسسات المالية الحكومية” وهي هنا “بحسب علمي” وزارة المالية ومؤسسة النقد العربي السعودي، فهل تستجيب؟ سؤالي سببه أنها لم تستجب لما طرح في الصحف عن هذه القضية، واستمر الوضع على ما هو عليه، ولمعرفة خطورة الظاهرة أضع الأرقام المتوفرة أمام أعين القراء والمؤسسات المالية الحكومية وهي أرقام صادرة عنها ولا تمثل سوى جزء من سوق القروض الاستهلاكية.
خلال سبعة أعوام ارتفعت القروض الاستهلاكية بما فيها البطاقات الائتمانية، من قرابة 11 بليون ريال عام 1998 لتصل في الربع الثالث من عام 2004 إلى 90 بليون ريال، وبحسبة بسيطة “متوقعة” للربع الأخير من العام 2004 فإنها ستعانق رقم المئة بليون إن لم تتجاوزه، هذه هي الأرقام الرسمية لمؤسسة النقد، وهي لا تشمل التالي:
*قروض شركات التقسيط العقارية وشركات السيارات وغيرها، ورقمها غير معلن وقد يكون غير معروف “رسمياً” لكن المتوقع أنه أكبر مما نتصور.
* القروض “الإسلامية” لبعض البنوك، ولست أعلم هل هي من ضمن أرقام “ساما”، وإن كنت أشك في ذلك لأنها قد تصنف تحت عمليات أخرى غير الإقراض، على رغم أن الهدف الحقيقي منها هو الحصول على السيولة.
* القروض للمضاربة في الأسهم، التي تمارسها بعض البنوك، وهي أيضاً مثل سابقتها من غير الواضح أمر تصنيفها وهل تشملها الأرقام السابقة أم لا؟
* رابعاً ما يمكن أن أطلق عليه سوق الإقراض الشعبية من معارض السيارات “خارج خدمات شركات التقسيط”، ومن طريق شراء السلع مثل الصابون وغيره.
تضخم القروض الاستهلاكية مشكلة خطيرة ويزيد من خطورتها طريقة احتساب الفوائد المجحفة التي تمارسها البنوك، السؤال الملح والمعاد هنا هو هل تستجيب المؤسسات المالية لما صدر عن مجلس منطقة الرياض؟… لعل وعسى.