“مطبات للبنات”

عندما أشاهد طريقة خروج الطلبة والطالبات صغار السن من المدارس الابتدائية أصاب بالفزع، تستوي في هذه المدارس الخاصة والعامة، حال من الفوضى المنذرة بالأخطار تصيب الطريق والسائقين، وتتداخل المركبات من اليمين والشمال وترتفع الأصوات، ولو أتيح للبعض طريقاً من أعلى أو أسفل لسلكوه. ويكون الخطر أكبر أمام مدارس البنات، والأطفال في هذه السن قد لا تتجاوز أطوال أكثرهم ارتفاع إطار “كفر” الباص الذي سينقل بعضهم، وتخرج معلمة من المدرسة لتركب مع سائقها، ومن لحظة إغلاق باب السيارة تنتهي قضية التعليم والسلامة، وتتبخر معها الرزانة والقدوة. ولا تعلم من يقود المركبة هل هو السائق أم أن المعلمة تقوده هو والسيارة على طريقتها، ويكون الهدف الرئيسي هو الفرار… الفرار من هذا الزحام. ولا أحد يفكر جدياً بهذه الأرواح الصغيرة المتناثرة بين السيارات.
وأمام باب المدرسة يتم في الغالب التعامل مع الطالبات الصغيرات تعامل الراعي “الجلف” مع القطيع، هناك من يحشرهم من الداخل وآخر يردهم من الخارج، والتوتر على أشده والأعين زائغة تبحث عن ولي أمر أو سائق وسط هذا الزحام. هذا ما يحصل ظهر كل يوم دراسي أمام أبواب مدارسنا، يتحول من يوصفون بأنهم فلذات الأكباد.. وأجيال المستقبل، إلى هم ثقيل الكل يريد طرده عن وجهه.
أما عن السائقين واختيارهم وضبطهم فحدث ولا حرج، ومنذ لحظة الفرار من باب المدرسة يبدأ مشوار السرعة يقوده السائق، وتتأرجح الأرواح الصغيرة مثل كرات في صندوق حديد مغلق، والوقوف المتشنج متكرر والتحرك المتشنج هو الآخر متكرر.
بعد هذا كله ألا تتوقعون أن تأتي أجيال متشنجة نزقة لا تعي ماهية الصبر والرفق، تتعلم في المدارس أن في العجلة الندامة وتشاهد بأم أعينها الصغيرة أن من يعلمها والكبار من حولها هم أول المستعجلين على عجلات مطاطية.
فشلت المدارس والتربية والتعليم في إدارة خروج الطلبة والطالبات، هذا الفشل الذي نراه يومياً هو عنوان لفشل أكبر في داخل الفصول الدراسية.
ما هي فائدة التربية إذا لم تعلم النظام؟ ثم لماذا هذه العجلة؟ وهل المدارس خانقة في الداخل إلى هذا الحد ولماذا!؟ وهل للكبسة وملحقاتها دور في ذلك؟ هل يجب أن نغير موعد “الغداء” أو نبتكر وجبة جديدة ظهر كل يوم من البطيخ واللبن لتهدئة النفوس إلى حين.
نسيت في خضم هذه الحفلة اليومية مطالبات بعض مدارس البنات التي تقع على شوارع عمومية بوضع “مطبات” لتخفيف سرعة الجوعى، منها المدرسة الثالثة الابتدائية بإسكان القطيف المنطقة الشرقية.

كُتب في الحياة | التعليقات مغلقة

الزئبق الأخضر

وصلتني رسالة الكترونية “جماعية” من أحد الاخوة العرب قال فيها إنه زار مختلف البلاد العربية وعايش أهاليها، ثم كتب ملاحظاته عن طباع وسلوكيات شعب كل بلد على حدة، وما يهمني هو ما ذكره عنا نحن أهل هذه البلاد قال:
“يسهل خداعهم سواء عندما يسافرون للسياحة أو حتى في عقر دارهم”. وأجد أن ما قاله حقيقة جلية، ودعونا نحصر النقاش في “عقر دارنا”، نحن نقرأ ونسمع يومياً أصنافاً من القصص التي تؤكد هذه الحقيقة، حتى إنها أصبحت من الأمور الاعتيادية، وهو أمر يدعو إلى التفكير والبحث … أين الخلل؟، وما الأسباب التي جعلتنا نصنف من “المنصوب عليهم”، هل هو الطمع أم الطيبة والسذاجة!؟ أم أنهما اقترنا وكونا قرن استشعار نبت في رؤوس كثير منا يمكن التخاطب معه بكل يسر وسهولة، فأصبحت لدينا “القابلية للنصب” مجدية ومغرية للنصابين من مواطنين وغيرهم.
أحلام الثراء السريع هي أول خطوة للوقوع في شباك النصب، يتبعها في المرتبة الثانية أحلام الشفاء السحري من الأمراض الحقيقية والوهمية، وتأتي أحلام استعادة الشباب والجمال والحيوية في المرتبة الثالثة، وكل هذه الأحلام متوافرة بكثرة لدى ملايين البشر في أرجاء المعمورة، فلمَ يكون النصب هنا أسهل وبعائد مجز؟ ولمَ يؤخذ عنا هذا الانطباع الحقيقي للأسف؟
في قضايا شركات توظيف الأموال والمساهمات العقارية المتعثرة، الأمر جلي وواضح، الطمع هنا هو سيد الأدلة، ولا ننسى عدم توافر المعلومات عن النصابين وسوابقهم، إضافة إلى الفوضى في سوق الإعلانات، كثير من هذه القضايا تبدأ بإعلانات وحملات أي أنها لا تمارس تحت الأرض خلاف قضايا الزئبق الأحمر واستيلاد وإكثار النقود بواسطة “الكراتين”!!
القاسم المشترك بين كل حوادث النصب هو عدم الوعي من الأفراد وعدم التوعية من الجهات المعنية الرسمية، وإذا جاءت هذه التوعية تكون متأخرة ومبهمة، ثم إن الأحكام القضائية التي تصدر لا تعلن، ولا أشك لحظة واحدة في أن هناك شكاوى كثيرة من أفراد وجماعات تعرضوا للنصب تقدم للجهات الرسمية وتستهلك جهداً ووقتاً ثمينين، لذلك أقترح على الجهات الرسمية، خصوصاً وزارة الداخلية، أن تضع موقعاً على  الإنترنت يخصص للتوعية بأساليب النصب، وتضاف إليه قائمة بأسماء وصور الأشخاص أو الشركات ممن ثبتت عليهم تهمة النصب وتكرر منهم ذلك.
مثل هذا الموقع لو وجد طريقه إلى النور سيفيد أول ما يفيد الجهات الرسمية، لأن عدد القضايا سيتراجع ولا يقع أناس جدد دائماً في قبضة النصاب المختفي، ويكون الجواب على شكاواهم “أن عليه قضايا كثيرة”.

كُتب في الحياة | التعليقات مغلقة

السيد “طاط”

قرر السيد “طاط” أن آلة التنبيه في السيارة “البوري” هي بمثابة يده ولسانه وأحياناً قدمه، كما أنها تختزل جميع انعكاسات حواسه، وهي الأداة الأولى للتعبير عن حاله النفسية وصدى لأفعاله ورده على أفعال الآخرين، كل ذلك يتم بحسب مؤشر المزاج المتقلب، استطاع السيد “طاط” ويطلق عليه في المساء السيد “طوط” أن يقوم بتحويل “البوري” إلى جهاز “ريموت كنترول” مدمج، الضغط على زره مبرمج لتحقيق المراد بحسب النية “المطية”، وطول موجة “الطوط… طاط”.
وتجاوز السيد “طاط” قرع الأبواب “بالبوري” لحث الزوجة والصبية على الخروج. وأصبح من الماضي عنده استخدام “البوري” لإزالة وكنس العوائق من بشر ومركبات عن سيارته في الليل وأطراف النهار، كما تجاوز استخدامه لإلقاء التحية والاحتجاج والسباب وفي حالات نادرة إبداء الأسف، تجاوز كل هذا إلى خطوة جديدة، ألا وهي تناول الحاجات “بالطوط طاط”. وكانت طفرة نوعية فريدة، فهو يقف أمام أبواب المطاعم و”البقالات” ويضغط الزر فيقفز إليه عامل أو ثلاثة حاملين السندويشات أو طبق “المندي والمثلوثة”، “طوط” واحدة من السيد “طاط” تكفيه لانجاز العمل، وهو مرتاح “مسفهل” قابع في سيارته يرغي بجواله، ونجح السيد “طاط” في تربية ابنه المراهق “بيب” على هذه التقنية الفريدة، ولم يكن تعليمه هذه الخبرة بالأمر الصعب لأنه أنشأه، وهو الخبير، عليها فمنذ كان طفلاً يهديه “طاطه” واحدة أو عشراً كلما أراد إدخال البهجة إلى روحه الصغيرة، كان يمسك بيده الرقيقة ويضغط بها على آلة التنبيه حتى تعلم وبرع الصغير فأطلقوا عليه الابن “بيب”.
وكلما تناهى إلى سمع السيد “طاط” صوت “بيب” ابتسم و”اسفهلت” أساريره لأن “من خلف ما… مات”.
ويمكن لك أن ترى السيد “طاط” بسيارة خاصة أو رسمية وقد تكون سيارة أمنية، وربما كبيرة أو صغيرة فهو منتشر في الشوارع والأزقة، ولا يفقه السيد “طاط” شيئاً عن التلوث الصوتي وهو عندما يضطر إلى استخدام حباله الصوتية يرفع نبرتها إلى الأعلى مدعياً أنه مصاب بالصمم وثقل السمع.
ويفكر السيد “طاط” حالياً باستخدام ابهام قدمه لضغط زر آلة التنبيه “البوري”، حيث أصيب بالملل من استخدام ابهام وراحة يده اليمنى تارة واليسرى تارة أخرى وهو أيضاً تحسباً لأي طارئ.

كُتب في الحياة | التعليقات مغلقة

الرشوة وعلاج سلمى

تأتي بين فينة وأخرى وعلى المستوى الإداري أخبار طيبة من وزارة الصحة، كانت أولاها الإعلان عن قضية الرشوة التي اتهم فيها أحد أصحاب الصيدليات، ثم أعلن لاحقاً عن تكريم أحد رجال الأمن في وزارة الصحة عندما رفض الرجل الأمين الرشوة ومنع سرقة كانت في طريقها الى التنفيذ، وتم شكره على أعلى مستوى إضافة إلى رفع مرتبه. ثم جاء خبر لا يقل أهمية نشرته جريدة “الحياة” الأسبوع الماضي قالت فيه أن المباحث الإدارية تحقق مع مسؤول كبير في وزارة الصحة والتهمة تلقي رشاوى من أطباء. ونشدّ على يد الوزير في هذا التوجه، لأني لا أشك لحظة في منفعة نشر هذه الأخبار فهي وسيلة من وسائل الردع والتحذير، كما أنها إشارة إلى اهتمام عملي من المسؤولين بمكافحة داء الرشوة وهو أيضاً ينبه إلى يقظة المباحث الإدارية. ولو كنت لا أزال أمارس العمل الصحافي الميداني لحرصت على لقاء المسؤولين عن المباحث الإدارية للتعريف بجهودهم والتنويه بها، فهذا الجهاز على أهميته لا يجد الاهتمام الإعلامي الذي يستحقه، كما أن متابعة نتائج التحقيقات في تلك القضايا ونشرها لهما أهمية قصوى.
وتوقفت أمام خبرين لهما علاقة مباشرة بوزارة الصحة، الأول التحذير الذي وجهته الوزارة الى الجمهور عن الخلطات الشعبية التي يدعي مبتكرها أنها تعالج السرطان. وسبق، منذ مدة، وأجرت معه احدى الصحف – لم أعد أتذكرها – حواراً قال فيه ما قال عن علاجه السحري، والخبر الثاني نشرته جريدة الوطن أكدت فيه أن السيدة سلمى الشمري عالجت نفسها من الغرغرينا بعدما شخص الأطباء حالتها وقرروا بتر قدمها وهي التي بترت أصابع قدمها سابقاً. ولم تذكر الصحيفة ما هو العلاج بالتحديد بل أشارت إلى أنه مكون من أربع أعشاب برية، وأخذت الصحيفة رأي رئيس قسم العقاقير في جامعة الملك سعود الدكتور جابر القحطاني الذي أكد أن الأعشاب غير ضارة ونصح باستخدامها تحت “إشراف طبي”، المهم أن السيدة شفيت تماماً من الغرغرينا بحسب الخبر، وأنها أبلغت طبيبها بالنتيجة وأعطته الوصفة وأصبح يستخدمها! وأصبحت تستقبل المرضى حتى من دول الخليج.
انني أدعو وزارة الصحة إلى إقامة ندوة أو مؤتمر عن طب الأعشاب الشعبي تمثل فيه كل الأطراف من الممارسين والجهات، وخصوصاً وزارة البلديات لنخرج من هذا النفق وتعدد الخلطات بين جهات تحذر وجهات تصمت.
وأدعو الوزارة أيضاً إلى تبني انتاج دواء السيدة سلمى إذا ثبت صحة الخبر لتعم الفائدة والشفاء من شبح الغرغرينا، مع حفظ حقوق السيدة سلمى وليكن اسمه “دواء سلمى”.

كُتب في الحياة | التعليقات مغلقة

بالطقاق

“الطق” في لهجتنا المحلية هو الضرب والطرق، ويمكن ان يكون بين طرفين من البشر مثلما هو صوت الحجر على الحجر كما في مراجع اللغة، وتوسع استخدام البعض لهذه الكلمة حتى تحولت إلى جوكر. فيحدثك أحدهم عن فلان الذي “طق” سيارة آخر موديل، وآخر يروي لك قصة عن فلتان الذي “طق” له زوجة ثانية أو منزلاً جديداً. والذي لا يعلم المقصود لا بد من أن يفكر أننا مجتمع من المصابين بالسادية، نحب أن “نطق” كل شيء من السيارات إلى الزوجات والمنازل.
ويأتي التعبير فلان “طق” له سيارة مزداناً بعلامات تعجب ودهشة مشوبة بغيرة، تراها في ارتفاع  للحواجب مؤطر بابتسامة مؤثرة، فهو لم يستطع “الطق” إلا لمقدرة وإمكانات لا تتوافر للراوي، ولا يخلو الأمر من بعض الحقيقة إذا ما دققت النظر في لغة الجسد بالنسبة للدلالين والشريطية، خصوصاً في سوق السيارات المستعملة. كما ترى مثل ذلك عند بعض من يصر على إقناعك بما يقول بضرب أو “طق” الطاولة براحة اليد، وتكون هذه اللغة أخف حدة عند بعض آخر فيستخدم أطراف الأصابع أما على سطح خشبي أو على كتفك… أيهما أقرب؟
ولم يكن هذا الوصف معروفاً بحسب علمي، فقد استخدمنا “الطق” كتعبير عن الطرق وكأنه اختصار له، فكانت الأبواب تطق أو تطرق، ثم انسحب على خلافات الأطفال ومعاركهم، فيأتي الصغير إلى أبيه قائلاً:
“فلان طقني”!
 وبعدها استحوذ المعلمون على استخدام هذا الفعل لتربية التلاميذ، فإذا اشتكى الابن الى أبيه من “طق” المعلم قال له: “أنت وياه بالطقاق”، وحتى الآن لا أعرف ما هو الطقاق، فهل هو السجع، أم أن الطقاق مكان بعيد مثل “قريح” وضواحيها. وفي حفلات الزفاف تنتظر النساء، وتسأل إحداهن الأخرى عن حفلة الزفاف وهل “بيحطون طق”؟ أي هل هناك فرقة نسائية “تطق” الدفوف، بمعنى فيه “وناسة” أم لا؟ والذي جاء بفكرة المقال أن أحد المتصلين بقناة فضائية عربية من ربع “ممكن أشارك” استخدم في مداخلته هذا الفعل كثيراً، وتوقعت أن المشاهدين من مجتمعات عربية أخرى قد لا يفهمون القصد، ولا بد من التوضيح في جريدة دولية، خصوصاً أننا متهمون بالإرهاب.
ولي عودة الى الطق، فقط على الورق.

كُتب في الحياة | التعليقات مغلقة