يخلط رجل الشارع بين الحديث وجهاً لوجه والحديث من خلال الهاتف الجوال، وكلما وصلت إليه رسالة الاتصالات “المملوحة” قائلة: “أنت على وشك استهلاك حدك الائتماني المحدد لك”، بلع لسانه وصمت لأيام وليال، لكن رجل الرصيف أخبره أن هناك فرقاً:
رجل الشارع: “يعني أكيد الحد الائتماني ما له علاقة بالكلام الطبيعي..! أجل كيف وصلت الرسالة في هذا الوقت؟، ما تتوقع شركة الاتصالات تلاحق كلامنا”.
رجل الرصيف: أترك عنك الوسوسة.
رجل الرصيف: أي وسوسة كل الجهات تطالع وتراقب جيبك ومحفظتك وكل يوم تمتد لها يد جديدة برسم جديد.
رجل الرصيف: لنعد إلى موضوعنا الأساسي، قلت حي مانيلا هل له علاقة بمانيلا العاصمة الفيليبينية.
رجل الشارع: لا يا رجل… هذا حي خلف أسواق البطحاء استوطنه أهل مانيلا… دخلته مرة وأصبت بالخوف من الأعين الضيقة التي لاحقتني حتى إنني تذكرت مدرب المنتخب القديم “مانيلي”.
رجل الرصيف: “مانيلي” ما له علاقة بمانيلا لا تخلط الأمور، لكن هل يوجد في الحي مخالفات أيضاً.
نفض رجل الشارع أعلى ثوبه وقال:
ذمتي بريئة، ما أعرف! يحتاج الأمر إلى صحافي ليخبرنا التفاصيل… لكن ألم تلاحظ أن البلدية لا حس ولا خبر.
رجل الرصيف: “البلدية… خلها على الله يا رجال أنا ضحكت لما قرأت أنهم شاركوا في الحملة”.
رجل الشارع: يضيعون وسط الزحمة… إلا قل لي وأنت الخبير البلدي يا رجل الرصيف أين البلدية من كل تلك المخالفات.
رجل الرصيف: البلدية متخصصة في السعودة!
رجل الشارع: كيف؟
رجل الرصيف: البلدية تشمر عن ساعديها إذا ما شاهدت شاباً سعودياً يقف بسيارته ويعرض صندوق طماطم أو صرة نعناع.
رجل الشارع: ولماذا هذا الاستهداف؟
رجل الرصيف: لأجل المنظر الجمالي، والبطحاء ليست على طريق المطار.
رجل الشارع: لم أفهم.
رجل الرصيف: البلديات تحرص على أوضاع الطرق الكبيرة التي يمكن أن يمر بها كبار المسؤولين ويلاحظون تقصيراً ما ويحاسبون، أما في الداخل “فلا من شاف ولا من دري”.
رجل الشارع: ولماذا لا يذهب الشباب السعودي للعمل في البطحاء!؟.
رجل الرصيف: أنت في عقلك!؟ أنظر إلى كثرة الجهات التي اجتمعت لتدخل إلى هذا الحي، لو دخل شاب ومعه سلعة للبيع لنتف العمال هدب عيونه ولن يجد من ينقذه، وربما لاحقته البلدية وقد تفرض عليه غرامة. البلديات لديها حساسية من الثياب والأشمغة.
رجل الشارع: اهااا.. الآن فهمت سبب اتجاه كثير من الشباب إلى لبس “البناطيل”!؟
وهو يبتسم، طوى رجل الشارع الصحيفة وتوجه بالحديث إلى رجل الرصيف.
رجل الشارع: أخبار طيبة..، حملات أمنية في حي البطحاء… أخيراً.
رجل الرصيف: هل جعلتك هذه الحملات تشعر بالأمان؟
رجل الشارع: إلى حد ما!؟
رجل الرصيف: ولمَ هذا التشاؤم… تفاءل بالخير؟
رجل الشارع: هي حملات على اسمها ستنتهي اليوم أو غداً.. الحملات تحتاج إلى تحميل والأخير يحتاج إلى جهود وتنسيق لا يتوافر دائماً.
رجل الرصيف: أصبح رجل الشارع فيلسوفاً!؟
رجل الشارع: إطلاقاً لكن رجل الشارع يعلم تفاصيل صغيرة لا يعلم بها رجل ناطحة السحاب.
رجل الرصيف: أعطني مثالاً.
رجل الشارع: دعك من هذا وقل لي لماذا الحملات أصلاً!؟
رجل الرصيف: لتنظيف حي البطحاء من الجريمة والمخالفات… وهل هذا سؤال!! صحيح أنك رجل شارع.
رجل الشارع : لم تفهم قصدي..، اللجوء إلى الحملات والمداهمات جاء بسبب إهمال وتراخ أمني طويل جعل بؤر الإجرام والمخالفات تعشعش وتستوطن إلى أن بلغ السيل الزبى.
رجل الرصيف: حسناً أكمل؟
رجل الشارع: هل تعتقد أنه وطوال المدة الماضية وشرطة البطحاء لا تعلم عن هذه البؤر وخطورتها أم أنها تعايشت معها.
رجل الرصيف: كلا الاحتمالين وارد؟
رجل الشارع: إذا المشكلة الأساسية في إستراتيجية المكافحة وتواصلها.
رجل الرصيف: ربما الإمكانات وطول الإجراءات الخ…الخ.
رجل الشارع: الأمن أمر أساسي تسخر له الإمكانات، والإجراءات ليست عذراً… تصور لو لم تنشر الصحف عن أوضاع الحي… هل سيتحرك ساكن؟
رجل الرصيف: أبدا… وسأذهب وإياك إلى الحي ونشاهد التعايش.
رجل الشارع: كلامي معقول، إذن هناك خلل ما لا نعرفه فهل تعرفه؟
رجل الرصيف: لا… لكن لنجتهد ونحاول معرفته.
رجل الشارع: أعتقد أنه ينحصر في فقدان الهيبة وضعف وسائل الردع… ففي معظم الأحوال المخالف يجد ثغرة ما.
رجل الرصيف: حدد لي الثغرات.
رجل الشارع: لا أستطيع، لا بد من أن أتنكر في زي عامل وأجيد اللغات لكي أبحث ثم أخبرك بالنتائج… لكن هل تعرف شيئاً عن حي مانيلا!؟
رجل الرصيف: مانيلا… ما غيرها!
أستقبل رجل الشارع رسالة على هاتفه تقول: “حدك الائتماني على وشك النفاد”. تغير وجهه وعرف كثرة هذره، فصمت إلى حين التسديد.
رفعت شركة الكهرباء صوتها عالياً ضد مطالبة “أرامكو” بفروقات أسعار الوقود، وهذا من صميم حقها، ونحن المشتركين في تيار الكهرباء نعلم أن صوتها يعلو ولا يعلى عليه عند التعامل مع المشتركين منذ “سالفة” رفع كلفة العدادات وما لحقها، لكن هذا الصوت يخفت ويختفي وتبلع الشركة لسانها عن كل الاتهامات التي تطاول أداءها مقروناً بسعر سهمها وهل السهم يستحق هذا السعر أم لا؟ ومنذ مدة غير قصيرة دأب أحد المحللين أو المستثمرين على التصريح الى القنوات الفضائية “وبعضها قنوات رسمية أو شبه رسمية”، والى بعض الصحف المحلية، مركزاً القول على أن سعر سهم شركة الكهرباء غير منصف ويجب أن يخفض، وأنه لا يعبر عن أحوال الشركة، وفي الوقت نفسه التصريح يشيد بأداء إدارة الشركة، ومعلوم أن مستوى سعر سهم أي شركة هو انعكاس لأدائها، والأداء لا يأتي إلا من الإدارة سالباً كان أم موجباً، لكن إدارة الشركة ومجلس إدارتها الموقر استحليا المدح وغضا الطرف عن القدح، ويسألني بعض المساهمين في الشركة والمتداولين عن أسباب صمت الشركة على هذا الاستهداف، وكيف قبلت بأن يتم تحييدها وكل ما يصدر هو نقد لها في المضمون، وهل السبب أن الدولة تملك غالبية أسهمها!؟ على اعتبار أنه “حلال الدولة”!؟،
وليس لدي إجابة على هذا السؤال سوى طرحه على الشركة وإدارتها ومجلسها الموقر، وأضيف إليه تساؤلاً آخر يقول: هل يعوق وجود بعض أعضاء مجلس إدارة الشركة في عضوية شركات أخرى لسانها عن الخروج والرد على هذا الاستهداف الغريب والمتستر بالتحليل المالي والحرص على أموال صغار المستثمرين؟ ومن يجامل من؟ وعلى حساب من!؟
ثم ألا يعتبر هذا الاستهداف تدخلاً سافراً في توجيه السوق والتأثير فيه بواسطة محللين أو مستثمرين؟ وأين هيئة سوق المال عن مثل هذه الخروقات؟ أم أن تقديم المديح المسرف لإدارتها يجعل عيونها الحادة تغض الطرف؟
وإذا ما كتب الكاتب مقالاً تناول فيه شركة، مهما كانت صغيرة، ينبري له القائمون عليها فلا يتركون شاردة ولا واردة ويستخدمون كل ما في إمكاناتهم لدفع كل نقد، أما شركة الكهرباء فهي مثل اليتيمة على رغم كثرة الآباء حولها.
وبحكم أن الأسلوب الذي ذكرته أعلاه أثبت نجاحه، بل حقق نجاحاً كبيراً يمكنك من الظهور ليس على صفحات الصحف فقط بل وعلى الفضائيات، وتقول ما تريد مهما كان متناقضاً وغير منسجم مع بعضه البعض، فقط عليك أن تمتدح الإدارة ثم قل ما تريد.
أحد الأسباب لتشكيل اللجان هو حل القضايا والمشكلات، والتحقيق فيها والخروج بنتيجة واضحة وعادلة، لكن اللجنة قد تتحول إلى عقدة جديدة في قضية عويصة، والسبب أن اللجان لا يحدد لها تاريخ معروف لإنهاء أعمالها، ولا تلزم بتقرير عن سير العمل فيها في شكل أسبوعي أو شهري، وفي اللجان التي تتولى إنهاء قضايا للمواطنين، مثل قضايا شركات توظيف الأموال، لا يعين لتلك اللجان متحدث رسمي بلسانها، يمكن الرجوع إليه لمعرفة التطورات وهل هي تسير على الطريق المستقيم أم لا، بل ولا يعلن عن اسم رئيس اللجنة، لذلك تتحول اللجان إلى وظائف وتستمر في الانعقاد وتكرار الجلسات، ويضطر أصحاب الحق والحقوق المعلقة إلى بذل جهودهم الشخصية لمعرفة من؟ ومتى؟ وكيف؟
وإذا كان لتشكيل اللجان هدف نبيل معروف ومطلوب فمن المهم ألا يتحول الدواء إلى داء، لأنه لم يضبط بتاريخ محدد وخطة واضحة المعالم، إن من الواجب على تلك اللجان ورؤسائها أن يظهروا للإعلام ويشرحوا ويبينوا الخطوات التي قطعوها مع أعضاء لجانهم، هذا هو الحد الأدنى من حق الناس الواجب حصولهم عليه، والذين أنشئت اللجان أصلاً لخدمتهم وحل قضاياهم وخلافاتهم، واللجنة المشكلة للتحقيق في قضية احدى شركات توظيف الأموال في المنطقة الشرقية، واحدة من تلك اللجان التي قد يطول عمرها إلى أجل غير مسمى، ولا يعرف أصحاب الحقوق شيئاً عن مصير أموالهم، إلا من نتف تنشر في الصحف أو تفضل المحامين عليهم ببعض التفاصيل، ونحن نعلم أن بعض المحامين من الممكن أن يستفيدوا من إطالة عمر القضايا، ولديهم من القضايا ما يجعلهم يجدولونها بحسب مصالحهم الخاصة.
هذا إذا أردنا الحل السريع لقضايا توظيف الأموال والمساهمات المتعطلة مثل “مساهمة سوا” وغيرها، والتوعية عن مثيلاتها المتوقع خروجها إلى النور، وإذا أردنا حلاً سريعاً لتلك القضايا فيجب عند الإعلان عن تشكيل لجنة تحديد تاريخ للانتهاء من أعمالها، والإعلان عن أسماء أعضائها، وإعطاء صلاحية التحدث للإعلام لرئيس تلك اللجنة،
أقول هذا لأنني أتلقى كثيراً من الرسائل، خصوصاً عن “مساهمة العيد والجمعة” في الشرقية من مواطنين تضرروا من تجميد أموالهم، ويسمعون ويطالعون في شبكة الانترنت أن أصحاب شركات توظيف الأموال يعرضون حلولاً تعيد لهم بعض أموالهم، لكنهم لا يسمعون ولا يقرأون شيئاً يصدر عن اللجنة الرسمية المكلفة بالتحقيق وإعادة الحق الى أصحابه.
آفة الأخبار رواتها، والصحافيون على رأس القائمة وفيهم من كل الأصناف، وقرأت توضيح مدير الأمن العام في جريدة “الجزيرة” عما نشر في الصحيفة نفسها على لسانه وعلقت عليه يوم السبت، وهناك بون شاسع بين التصريح الأول والتوضيح الأخير يستدعي مهنياً وجوب الاعتذار من الجريدة للقراء وللفريق، لكنها نشرت التوضيح ولم تعلق على تحريف التصريح أو تعتذر عنه، فهل يعني هذا أن لديها شيئاً ما تخفيه!؟ وما هو؟
ولنترك هذا الأمر جانباً لأمر أهم، وما دام أن مدير الأمن العام في توضيحه اهتم “بتصحيح الانطباع الذي قد يتولد بأننا نضع كل اللوم والمسؤولية على عاتق المواطن”، من هذا المنطلق أطرح بعض الأسئلة على سعادة الفريق وهو المسؤول التنفيذي الأول عن الأمن العام في بلادنا.
لماذا يشعر المواطن بعدم جدية رجال الشرط في التعامل مع بلاغاته عن سرقة السيارات أو محتوياتها؟ ولماذا يجابه غالباً من الشرط بأن هناك حوادث أهم من قتل أو اختطاف أو سرقات منازل؟ عملاً بمبدأ “من شاف مصيبة غيره هانت عليه مصيبته”.
ما الأسباب التي خدشت هيبة رجال الأمن في الشوارع، والكل يرى سيارات الدوريات الأمنية والمرورية وغير بعيد منها مجموعات المفحطين والمخالفين تسرح وتمرح؟
أين رجال الأمن والحملات الأمنية عن البطحاء وغيرها من البؤر التي تتركز فيها المخالفات والسرقات قبل التحقيقات الصحافية التي نشرتها الصحف السعودية؟
ما فائدة هذه الحملات والقبض على المخالفين وترحيلهم، ونحن نعلم أنهم يعودون بسرعة البرق بعد أن تمتعوا برحلات مجانية إلى ذويهم؟ ولماذا لا نطبق نظام البصمات؟ وهل كلفة تطبيق هذا النظام أعلى من كلفة سرقات المخالفين ثم ملاحقتهم وإعاشتهم وترحيلهم؟
وقلت في مقالي يوم السبت إن الأمن يقع في خانة “غير المرضي”، والناس يستمرون في فقدان الشعور بالأمن وهذا أمر خطير، وكان المواطن يتوقع أن تؤدي الحملات الأمنية على الإرهابيين وتمكن رجال الأمن من الإمساك بزمام المبادرة واستباق العمليات الإرهابية… كانوا يتوقعون أن ينعكس هذا على الأمن العام… والجنائي منه خصوصاً، لكن ما وقع هو العكس تماماً؟ وهو ما يطرح سؤالاً آخر يصب في صلب وظيفة الأمن العام، وهو: لماذا تراجع الأمن الوقائي في منع الجريمة قبل وقوعها؟
ويقول سعادة الفريق في توضيحه إنه لا يريد ترك انطباع يلقي كل اللوم على عاتق المواطن، والحقيقة أن المواطن إذا أبلغ عن تعرضه لحادث ما تتم مطالبته بالبحث والتحري أو الانتظار إلى حين الاتصال به… والمعنى أن المسؤولية تقع على كاهله، وكأن المخافر أصبحت أجهزة إحصائية فقط.
لعل مدير الأمن العام يجد الوقت للإجابة على هذه الأسئلة وأضمن له عدم تحريف الإجابات أو التدخل في مضامينها.